قد ذكَرنا فيما تقدَّم (^٢) أنَّ اسْم قِنَّسْرِيْن كان أوَّلًا صُوْبَا، فسُمِّيَت بعد ذلك قِنَّسْرِيْن، وصُوْبَا بالعِبْرَانِيَّة، قيل: إنَّ اسمَها في التَّوْراة كذلك (^٣)، ويقال فيها قِنَّسْرُون أيضًا، ويُقال: بفتح النُّون بعد القاف وكسْرها.
_________________
(١) قِنَّسرين: تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة حلب على بعد نحو ١٥ كم، على الضفة اليمني من نهر قويق، وربوة قِنَّسرين تشرف عليها. وكانت قنَّسرين مركز الجند "جند قِنَّسرين"؛ أحد أجناد الشام الخمسة، وتقع المَدينة في وسط الجند وهي مركزه وأصغر المدن فيه، وأضيَق تلك النواحي بناءً، وبالرغم من ذلك فقد كان الجند يُنسب إليها، لأن المقاتلة كانت تنزل بها في صدر الإسلام، وآنذاك لم يكن لحلب ذكر مع قِنَّسرين، ثم خربت قِنَّسرين وضعفت بالتزامن مع تقدم حلب، فأصبحت حلب مدينة الجند العظمي. وكانت لقِنَّسرين قلعة حصينة، وذكر الشريف الإدريسي والحميري بأن قِنَّسرِين كانت مسورة بسور حصين، وأنه هُدم في أيام مقتل الحسين بن علي بأمر يزيد بن معاوية وأن آثارًا من السور بقيت لعهديهما. وقد بقيت بعض أساسات السور فكانت عبارة عن جدران عريضة وبقايا أعمدة ضخمة تدل على مكانتها وازدهارها وأهميتها التاريخية. وقد ساهم أهل جند قِنَّسرين في حملة فتح الأندلس على يد طارق بن زياد سنة ٩٣ هـ / ٧١١ م، ونزلوا كورة جيان لمشابهتها بوطنهم بالشام، واللافت أن قصبة جيان تسمى الحاضر تأنُّسًا بحاضرهم أيضًا. وقِنَّسرين هي اليوم عبارة عن قرية صغيرة تسمى العيص تحيط بها الأطلال القديمة. انظر عنها: اليعقوبي: البلدان ٣٦٢، ابن رستة: الأعلاق النفيسة ١٠٧، الإصطخري: مسالك ٦١، ٦٧، ابن حوقل: صورة الأرض ١٧٧ - ١٧٨، ١٨٧، المقدسي: أحسن التقاسيم ١٥٤، ١٥٦، البكري: المسالك ١: ٤٦١، الإدريسي، نُزهة المُشتاق ٢: ٦٤٨، ابن سعيد: بسط الأرض ٨٦ - ٨٧، ابن شداد، الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ١٠ - ١١؛ أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٦٧؛ الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٨٠، الحميري: الروض المعطار ٤٧٣ - ٤٧٤ ووهم الحميري عندما ظن أنها هي الجابية ذاتها. كامل الغزي: نهر الذهب ١: ٤٦٧ - ٤٦٩، طلاس: المعجم الجغرافي ٤: ٦٠٩ وفيه: بعدها عن حلب ٧ كم. ١٢٤ Kinnasrin،V،P EI، Elisseef، N.
(٢) إحالة على فصل ضائع من أول الكتاب، وتتكرر عند ابن العديم الإحالة على باب اسمه: "تسمية حلب"، فلعله هو المقصود.
(٣) العهد القديم: سفر الملوك ١١: ٢٣، سفر أخبار الأيام الأول ١٩: ٣، ٥، ٩.
[ ١ / ١٩٥ ]
وقَرَأتُ بخَطِّ مُحمَّد بن يُوسُف بن المُنَيِّرَة، في جُزءٍ فيه اشْتقاق أسْماء البُلْدان (^١): قِنَّسْرِيْن من قَوْلهم للشَّيْخِ: قِنَّسرِيّ، وقيل: نزلَ بها رَجُلٌ يُقالُ لهُ مَيْسَرة، فقال: ما أشْبَه هذه بِقنّ نَسْرين، فبَنَى منهُ اسْمًا للمَكان.
وقال مُحمَّدُ بن سَهْل الأحْوَل في كتاب الخَرَاج (^٢): قِنَّسْرِيْن سُمِّيَت برجُلٍ من قَيْسٍ يُقالُ لهُ مَيْسَرة، وذلك أنَّه مرَّ به رجُلٌ فقال له: ما أشْبَه هذا المَوْضِع بقنّ نَسْرين، فسُمِّيَت بذلك.
أخْبَرَنَا أبو عَليّ حَسَن بن أحمد الأوَقيِّ بالبَيْت المُقَدَّس، قال: أخْبَرَنَا الحَافِظُ أبو طَاهِر أحمد بن مُحمَّد بن إبْرَاهِيْم السِّلَفِيُّ الأصْبَهانيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَيْن أحمد بن مُحمَّد بن المُسَبّح، قال: أخْبَرَنَا أبو إسْحاَق إبْرَاهِيْم بن سَعيد الحَبَّال، قال: أخْبَرَنَا أبو العبَّاس مُنِير بن أحمد بن الحَسَن بن مُنِير الخَشَّاب، قال: أخْبَرَنَا عليّ بن أحمد بن إسْحَاق البُغْدَادِيّ، قال: أخْبَرَنَا الوَلِيد بن حَمَّاد الرَّمْليّ، قال: أخْبَرَنَا الحُسَيْنُ بن زياد، عن أبي إسماعيل مُحمَّد بن عَبْد الله البصري (^٣)، قال: وحدثني الحُسَيْنُ بن عَبْد اللهِ، قال: ثمّ إنَّ أبا عُبَيْدَة دَعا مَيْسَرة بن مَسْرُوق فسرَّحَهُ في ألفي فارس، فمَرَّ على قِنَّسْرِيْن فأخَذَ يَنْظر إليها في الجَبَل، فقال: ما هذه؟ فسُمِّيَت له بالرُّومِيَّةِ، فقال: إنَّها لكذلك، والله لكأنَّها قِنّ نَسْر!.
وقال أبو بَكْر بن الأنْبارِيّ (^٤): قِنَّسْرُون أُخِذَتْ من قَوْلِ العَرَب: رَجُلٌ قِنَّسْرِيٌّ، أي مُسِنٌّ، وأنْشَد للعَجَّاج (^٥): [من الرجز]
_________________
(١) لم أقف على كتاب ابن المنيرة في أسماء البلدان.
(٢) لعله كتاب الخراج محمد بن محمد بن سهل العكبري (ت ٤٢٣ هـ). الزركلي: الأعلام ٧: ٢١.
(٣) فتوح الشام لأبي إسماعيل الأزدي ٣٤٧.
(٤) كلام الأنباري وكلام الزجاج بعده أورده الرشاطي في اقتباس الأنوار (مخطوط الأزهرية) ٢: ١٦٨ ب وياقوت في كلامه على قنسرين. معجم البلدان ٤: ٤٠٣.
(٥) ديوان العجاج: ٤٨٠، وفي الصحاح للجوهري ٢: ٧٩١.
[ ١ / ١٩٦ ]
أطربًا وأَنْتَ قَنَّسْرِيُّ … والدَّهْرُ بالإنْسَانِ دَوَّارِيُّ
وأَنْشَدَ غيره: [من البسيط]
وَقَنْسَرَتْه أُمورٌ فاقْسَأنَّ لَها … وقد حَنَى ظَهْرَه دَهْرٌ وَقد كَبِرَا
وقال أبو بَكْر بن الأنْبارِيّ: وفي إعْرابهِ وَجْهَان: يجوز أنْ تُجريها مَجْرى قولك: الزَّيْدُون، فتَجعلَها في الرَّفع بالواو فتقول: هذه قِنَّسْرُونَ، وفي النَّصب والخفْضِ بالياء، فتقول: مررْتُ بقِنَّسْرِيْن ودخَلْتُ قِنَّسْرِيْن، والوَجْهُ الآخرُ: أنْ تَجْعلَها بالياءِ على كُلِّ حالٍ، وتَجْعل الإعْرابَ في النُّون، فلا تَصرفها.
وقال أبو القَاسِم الزَّجَّاجيِّ: هذا الّذي ذَكَره ابن الأنْبارِيّ من طَريق اللُّغة، ولم يسمّ البَلَد كما ذكر، ولكنَّه روَى (a) أنَّها سُمِّيت برَجُلٍ من عَبْس (a) يُقالُ لهُ مَيْسَرة، وذلك أنَّه نَزَلها، فمَرَّ به رجُلٌ فقال: ما أشْبه هذا المَوْضِع بقنِّ نَسْرين (c)، فبُنِيَ منه اسْمٌ للمَكان، فقيل: قِنَّسْرِيْن؛ بفتح النُّون من قِنَّسْرِيْن.
وذكَر عَبْد الله بن علي بن عَبْد الله بن علي اللَّخْمِيّ ثم الرُّشَاطيِّ في كتاب اقْتباس الأنْوار، والْتماس الأزْهار، في أنْساب الصَّحابَة ورُواةِ الآثار، قال (^١): قال آخرون: دعا أبو عُبَيْدَة مَيْسَرة بن مَسْرُوق القَيْسيِّ (d) فوجَّهَهُ في ألف فارِس في أثر العَدُوّ، فَمرَّ على قِنَّسْرِيْن، فجعلَ يَنْظر إليها، فقال: ما هذه؟ فَسُمِّيَت له بالرُّوِميَّةِ، فقال: والله لكأنَّها قِنَّسْرِيْن؛ فسُمِّيت قِنَّسْرِيْن بذلك.
_________________
(١) (a) الرشاطي وياقوت: ولكن رُوي. (b) اقتباس الأنوار: من قيس. (c) الرشاطي وياقوت: بقن سيرين. (d) كذا نسبه، ومثله في مخطوطة كتاب اقتباس الأنوار، والمشهور في نسبته: العبسي، إلَّا أن يكون الرشاطي قد أراد نسبته للأرومة التي ينحدر منها العبسيون، وهم قيسية.
(٢) اقتباس الأنوار للرشاطي (مخطوط المكتبة الأزهرية) ٢: ورقة ١٦٨ ب.
[ ١ / ١٩٧ ]
قال الرُّشَاطِيُّ (^١): فهذا الخبر يدل على أن قِنَّسْرِيْن اسْم مكان آخر (a) عَرَفهُ مَيْسَرة القَيْسِيّ، فشَبَّه بهِ هذا، فسُمِّي به (b).
قُلتُ: وهذا وَهْمٌ من الرُّشَاطِيّ، وقد تصحَّفَ عليه قِنّ نَسْرين، أو قِنّ نَسْر، على ما ذَكَرناهُ بقِنَّسْرِيْن، فقال ما قال، ولعلَّه بلَغَهُ أنَّ حِيَار بني القَعْقَاع يُقالُ لها قِنَّسْرِيْن أيضًا، فوقعَ في هذا الوَهْم، ولا يُمكن الاعْتِداد بذلك، فإنَّ مَنْ ذهبَ إلى ذلك جَعَل مَدِينَة قِنَّسْرِيْن هي قِنَّسْرِيْن الأُوْلَى، وحِيَار بني القَعْقَاع هي قِنَّسْرِين الثَّانيَة، فلا يمكن تشبيه الأُوْلَى بالثَّانيةِ.
أخْبَرَنَا أحمدُ بن عَبْد الله بن عُلْوَان، قال: أخْبَرَنَا القَاضِي أبو البَرَكَات مُحمَّد بن حَمْزَة العِرْقيِّ إجَازَةً، قال: وأخْبَرَنا أبو مُحمَّد عَبْد الدَّائم بن عُمَر بن حُسين سَمَاعًا منه، قال: أخْبَرَنَا أبو البَرَكَات بن العِرْقيِّ، قال: أخْبَرَنَا أبو القاسم عليّ بن جَعْفَر المَعْرُوفُ بابنِ القَطَّاع، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْرٍ مُحمَّد بن البرِّ اللُّغَويّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحمَّد إسْمَاعِيْل بن مُحمَّد النَّيْسَابُوريُّ، قال: أخْبَرَنَا أبو نَصْرٍ إسْمَاعِيْل بن حَمَّاد الجَوْهَرِيُّ، قال (^٢): وقِنَّسْرُون بَلَدٌ بالشَّام، بكَسْر القافِ والنُّون مُشدَّدةٌ تُكْسرُ وتُفْتح، وأنشدَ ثَعْلَبٌ بالفَتْح هذا البيت لعِكْرِشَةَ العَبْسِيّ (^٣): [من الطويل]
سَقَى اللهُ فِتْيَانًا وَرائي تَرَكْتُهُم … بحَاضِرِ قِنَّسْرِيْنَ مِنْ سَبَلِ القَطْرِ
قال: والنِّسْبَةُ إليه قِنَّسرِيُّ، وإنْ شئتَ: قِنَّسْرِيْنيّ.
وقع إليَّ كتابٌ ألَّفهُ أبو الحُسَيْنُ أحمدُ بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عُبَيْدِ الله المُنَادِي سَمَّاهُ: الحَافِظ لمَعَارف حَرَكات الشَّمْس والقَمَر والنُّجُوم في آفاقها، والأقالِيْم وأسْماء
_________________
(١) (a) اقتباس الأنوار: أن قنسرين موضع آخر. (b) قوله: "فسمي به" ليس في اقتباس الأنوار.
(٢) اقتباس الأنوار للرشاطي ٢: ورقة ١٦٩ أ.
(٣) الجوهري: الصحاح ٢: ٧٩١ - ٧٩٢.
(٤) مجالس ثعلب ١: ٢٠١.
[ ١ / ١٩٨ ]
بُلْدانها في سيَاقها (^١)، وهو مَسْموعٌ عليه، وأحْسَبُه بخطِّهِ، فقَرَأتُ فيه: حَدَّثَنَا جَدِّي ﵀، قال: حَدَّثَنَا رَوْح بن عُبَادَةَ، قال: حَدَّثَنَا أشْعَثُ وسَعيد جميعًا، عن الحَسَن أنَّه قال: الأمْصارُ: المَدِينَة، والشَّام، ومِصْر، والجَزِيَرة، والكُوفَة، والبَصْرَة، والبَحْرين.
قال ابنُ المُنَادِي (^٢): وحَدَّثَنِي جَدِّي، قال: حَدَّثَنا رَوْحٌ، قال: حَدَّثَنَا سَعيدٌ، عن قَتَادَة أنَّه كان يَجْعلُها عشرةً: المَدِينَة، ومِصْر، والكُوفَة، والبَصْرَة، ودِمَشْقَ، والجَزِيرَة، وحِمْص، والأُرْدُنّ، وفِلَسْطين، وقِنَّسْرِيْن.
وقال ابنُ المُنَادِي: الشَّاماتُ خَمْسُ كُوَر: الأُوْلَى قِنَّسْرِيْن، ومَدِينتها العُظْمَى حَلَب، وقِنَّسْرِيْن أقدَمُ منها، وبينهُما أرْبعةُ (a) فَرَاسِخ، وبها آثار الخَلِيل ﵇ ومَقامُه، وقد نَزَلها أكابرُ المُلُوك كبني حَمْدَان وغيرهم.
قال: ومن رُسْدَاقِها مَنْبج، وهي مَدِينَةٌ قديمةٌ.
وذكَرَ ابنُ حَوْقَل النَّصِيْبِيِّ في كتابه، قال في ذِكْر جُنْد قِنَّسْرِيْن (^٣): هي مَدِينَة تُنْسبُ الكُوَر (b) إليها، من أضْيَق النَّواحي بناءً وإنْ كانت نَزِهَة الظَّاهر، مَعُونَةً (c)
_________________
(١) (a) الأصل وك: أربع. (b) ابن حوقل: الكورة. (c) ابن حوقل: مغوثة.
(٢) لم يصلنا كتابه هذا، مثلما لم تصل الكثير من مؤلفاته التي قدرها النديم بنحو ١٢٠ كتابًا، واطَّلع ابن العديم على ستّة منها كانت بين يديه حسبما يذكر في ترجمته الآتية (الجزء الثاني)، من بينها كتاب الملاحم الذي نقل عنه المؤرخ ابن عساكر في عشرة مواضع. (طلال الدعجاني: موارد ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٧٤). ومؤلف الكتاب هو الإمام المقرئ الحافظ أحمد بن جعفر بن مُحمَّد بن عبيد الله بن يزيد المنادي البُغْدَادِيّ (ت ٣٣٦ هـ). أما كتابه هذا "الحافظ المعارف حرکات الشمس" فقد نقل عنه أيضًا سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ١: ٦١.
(٣) كلام ابن المنادي هذا نقله أيضًا سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ١: ٦١.
(٤) صورة الأرض ١٧٨.
[ ١ / ١٩٩ ]
في مَوْضِعها لما كان بها من الرُّخْصِ والسَّعَةِ في الأسْعَار والخَيْرات (a) والمياه، اكْتَسحَها الرُّوم، فكأنَّها لم تكن إلَّا بقايا دِمَن، وجميع جُنْد قِنَّسْرِيْن أعْذَاءٌ، وشُرْبُهم من السَّماءِ، وهي مَدِينَة كَثِيْرة الخَيْر والسَّعَة، وبها الفُسْتُق والتِّيْن وما شاكلَ ذلك.
قَوْله: وشُرْبُهم من السَّماءِ، يعني: ضَواحي قِنَّسْرِيْن وقُراها، أما المَدِينَة نَفْسُها فقُوَيْقٌ يَمرُّ بجانبها، وكانت القَناة من بِرْكَةِ عين المُبارَكة بقُربِ حَلَب، يأتي ماؤُها إلى مَدِينَة قِنَّسْرِيْن، وكانت القَناة قد سِيقَت في لِحْف الجَبَل عند الوُضَيْحيّ (^١) إلى صِلْدِي (^٢)، ثمّ سِيْقَت تحت الأرْض إلى أن انْتَهت إلى القَناطر، وهي قَريةٌ من عَمَلها، فعُقِدَتْ لها قَناطِر رَفِيْعة، ورُفع ماء القناة فَوْقها إلى أنْ انْتَهى إلى مكان مُرتفع، فَسِيقَت تحت الأرْض إلى مَدِينَة قِنَّسْرِيْن، فكان شُرْب أهل قِنَّسْرِيْن منها، وأدْرَكْتُ أنا مُعْظم أسْوارها، وبعض أسْوار قَلْعتها، وأبواب مَدِينتها قائمة.
وكان سُلَيمان بن قُطَلْمِشِ بعد قَتْلِه مُسْلِم بن قُرَيْشٍ، قد اسْتولَى على قِنَّسْرِيْن، وعَمَّرَ قَلْعتها، وتحصَّنَ فيها، وحَصَر حَلَب، فاتّفق على ما اتَّفق من قَتْله على ما نَذْكرهُ
_________________
(١) (a) كتب فوقها حرف ح وقيد بموازاته في الهامش: والحيوان نسخة! ولعله ينبه إلى أن هذا جاء في إحدى نسخ ابن حوقل، والذي في نشرة ابن حوقل سقطت منه كلمة: الأسعار.
(٢) الوضيحي: قرية تقع جنوب مَدِينَة حلب، على الضفة اليسرى لنهر قويق، وتبعد عن حلب مسافة ١٢ كم، وكانت من منتزهات المَدِينَة، ثم أصبحت من أحيائها. الغزي: نهر الذهب ١: ١٧، الأسدي: أحياء حلب ٣٧٠، المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري ٥: ٤٨٧.
(٣) صلدي: وترد عند ابن العديم أيضا برسم: صلدع (الجزء الخامس)، ومثله في زبدة الحلب مرة (١: ٤٠٢): صلدع، ومرة أخرى (٢: ٤٥٧): صلدي، ويفهم من كلام ابن العديم أنها قرية قريبة من مَدِينَة حلب على نهر قويق، تقع جنوب حلب فيما بين الوضيحي وقنسرين، أغفل ياقوت ذكرها، وذكرها المعري في رسالة الصامل والشاحج ٦٣٥ برسم: صَلْدع، وانظر: تاريخ ابن الفرات ٥/ ١: ١٥٤.
[ ١ / ٢٠٠ ]
في تَرْجَمَتِهِ (^١)، فَخرِبَت قَلْعَة قِنَّسْرِيْن مع المَدِينَة، وأخذَ النَّاس حجارتها لعَمَائِرهم، وسُكُورة الأرْحَاء. وبنَى مَحْمُود بن زَنْكِي أوَّلًا خان قِنَّسْرِيْن منها، وزادَهُ أتَابِك طُغْرِل الظَّاهِريّ ثانيًا.
ونُقِلَ من عَمَد المَدِينَة إلى حَلَب شيءٌ وافِر، وقل أيضًا من حجارتها إلى الجِسْر الّذي جَدَّدَهُ سَيْف الدِّين عليّ بن سُلَيمان بن جَنْدر (a) في الوطاة، ورصَفَهُ بالحِجَارَة، وفي الخان الّذي جدّدهُ بتلِّ السُّلْطَان، فتَدَاعَت أقْطَارها، وأمَّحَت آثارها، ولم يبقَ منها اليوم غير قَرْيَة قِنَّسْرِيْن يَسْكنها الفَلَّاحُون والأَكَرَة، ويَرى مَنْ شاهد آثارَها فيها مُعْتَبَرَهُ!.
وقال أبو العبَّاس أحمدُ بن إبْرَاهِيْم الإصْطَخْرِيّ، في كتاب صِفَة الأقالِيْم (^٢): وقِنَّسْرِيْن مَدِينَة تُنْسبُ إليها الكُوَر (b)، وهي من أصْغر المُدُن بها.
وقَرَأتُ في بعض كُتُبي من تواريخ القُدماء، ولم يُسَمّ القائل: أنَّ سَلُوْقُوس، وهو المَلِك الأوَّل بعد الإسْكَنْدَر، بَني فَامِيَة، وحَلَب، وقِنَّسْرِيْن، وقد ذَكَرتُ ذلك (^٣)، واللهُ أعْلَمُ.
_________________
(١) (a) في الأصل: خدر، انظر ترجمته في التاريخ المنصوري لابن نظيف الحموي ١١٤، مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي ٢٢: ٢٧٦، والأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٣٥٠، والبداية والنهاية ١٣: ١٠٨، وعقد الجمان للعيني ٢: ٢٢١، ٤: ١٣١، والنجوم الزاهرة ٦: ٣٠، ٤١، وانظر ترجمة ألب أرسلان السلجوقي في الجزء الرابع. (b) عند الإصطخري: الكورة.
(٢) ترجمة سليمان بن قطلمش في الضائع من الكتاب، ويعرض في ثنايا بعض التراجم لشيء من أخباره، خاصة تراجم من اتصلت علاقته بهم من أمثال سالم بن مالك بن بدران، انظر عن سليمان بن قطليش: قطع تاريخية من كتاب عنوان السير للهمذاني ١٩٢، الكامل لابن الأثير ١٠: ٣٦ - ٣٧، ١٣٨ - ١٤١، ١٤٧ - ١٤٨، زبدة الحلب ١: ٣١٣ - ٣٢٠، أخبار الدولة السلجوقية للحسيني ٧٢، تاريخ ابن الوردي ١: ٥٧٥ - ٥٧٧، ابن خلدون: العبر ٩: ٨٣ - ٨٥، وانظر عن مسلم بن قريش العقيلي وأخباره ومقتله: ابن الأثير ١٠: ١١٤ وما بعدها، وزبدة الحلب ١: ٣٠٣ - ٣١٩، وابن خلدون: العبر ٧: ٨٢٥ - ٨٣١.
(٣) الإصطخري: مسالك الممالك ٦١.
(٤) إحالة على باب ضائع في أول الكتاب.
[ ١ / ٢٠١ ]
قُلتُ: ويُقال لقِنَّسْرِيْن هذه: قِنَّسْرِيْن الأُوْلَى، كَذا ذكَرَهُ ابن الطَّيِّب وابن وَاضِح؛ وقال ابن وَاضِح (^١): وقِنَّسْرِيْن الثَّانيَة، هي حِيَار بني القَعْقَاع.
وقال ابن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ في رحْلة المُعْتَضِد: ورَحَل الأَمِير نحو قِنَّسْرِيْن الأُوْلَى؛ وقِنَّسْرِيْن مَدِينَة صغيرةٌ لأخي الفُصَيْص التَّنُوخيّ، وعليها سُورٌ، ولها قَلْعَةٌ، وسُورها مُتَّصلُ بسُور سَائر المَدِينَة.
وقال ابن وَاضِح (^٢): وكُورَة قِنَّسْرِيْن الأُوْلَى، وهي مَدِينَة على جادَّةِ الطَّريق الأعْظَم، وبها قَومٌ من تَنُوخ.
وقال أبو زَيْد أحمَد بن سَهْل البَلْخِيّ، في كتاب صُورة الأرْض والمُدُن (^٣): وقِنَّسْرِيْن مَدِينَةٌ تُنْسبُ الكُورَةُ إليها، وهي من أخْصَب (a) المُدُن.
وقال أيضًا: وأمَّا جُنْد قِنَّسْرِيْن، فإنَّ مَدِيْنتها قِنَّسْرِيْن، غيرَ أنَّ دار الإمَارة والأسْواق ومَجامِعَ النَّاس والعِمارات بحَلَب.
_________________
(١) (a) في مخطوط البلخي: أصغر.
(٢) ضاع القسم الخاص بجند قنسرين من كتاب البلدان لليعقوبي، ولم يتبق من كلامه على الجند سوى بضعة أسطر، وتبقَّى أيضًا بعض الإفادات المتعلقة بمواضع تردد نسبتها بين جند حمص وجند قنسرين، مثل معرة النعمان وفامية وكفر طاب وحماة. انظر: البلدان ٣٢٣ - ٣٢٤، والنصوص التي حفظها ابن العديم تغطي - بمزيد الاطمئنان - أغلب ما ضاع من هذا القسم، ومن المتبقي من كتاب ابن واضح مما يتصل بالنقل أعلاه قوله: "ومن أراد أن يسلك على الطريق الأعظم إلى المغرب خرج من حلب إلى مَدِينَة قنسرين". البلدان ٣٢٣.
(٣) ضمن الضائع من كتاب البلدان لليعقوبي.
(٤) البلخي: صور الأقاليم ورقة ٢٤ أ.
[ ١ / ٢٠٢ ]
واعْلم أنَّ لحَلَب من هذه الفَضِيلَة الحَظّ الأوْفَر، والنَّصيب الأكْثَر؛ لأنَّ ذِكْر قِنَّسْرِيْن - في الغَالِب؛ عند الإطْلاقِ - يَنْصَرفُ إلى جُنْد قِنَّسْرِيْن، فيَتناول ناحيتها، وقد بيَّنا فيما تَقَدَّم أنَّ قَصَبتها حَلَب، وأنَّها المَدِينَة العُظْمَي، فشَارَكتها في هذه الفَضِيلة المَذْكُورَة.
أخْبَرَنَا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد اللهِ الدِّمَشْقِيِّ، فيما أَذِنَ لَنا فيه، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن أبي زَيْد بن حَمدٍ الكَرَّانِيِّ (a)، وأبو جَعْفَر مُحمَّد بن إسْمَاعِيْل الطَّرَسُوسيِّ، قالا: أخْبَرَنَا مَحْمُودُ بن إسْمَاعِيْل الصَّيْرَفيِّ، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَيْنُ بن فَاذْشَاه، قال الطَّرَسُوسِيُّ: وأخْبَرنا أبو نَهْشَل العَنْبَرِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر بن رِيْذَة، قالا: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم سُلَيمان بن أحمد الطَّبَرَانِيِّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْد الله بن أحمد بن حَنْبَل، قال: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بن حُرَيْثٍ، قال: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بن مُوسَى، عن عِيسَى بن عُبَيْدٍ، عن غَيْلَانَ بن عَبْد الله العَامِرِيِّ، عن أبي زُرْعَةَ بن عَمْرو بن جَرِير، عن جَرْير، عن النَّبِيّ ﷺ قال (^١): إنَّ اللهَ ﷿ أوْحَي إليَّ: أيَّ هؤلاءِ الثَّلاث (b) نَزَلتَ فهي دَارُ هِجْرتك: المَدِينَة، أو البَحْرين، أو قِنَّسْرِيْن.
وأخْبرنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، وأبو مُحمَّد عَبْد العَزِيْز بن الأخْضَر مُكاتَبَةً، قالا: أخْبَرَنَا أبو الفَتْح عَبْد المَلِك بن أبي القَاسِم الكَرُوخِيّ (c)، قال: أخْبَرَنَا أبو عَامِر مَحْمُودُ بن القَاسِم الأزْدِيُّ، قال: أخْبَرَنَا عَبْد الجَبَّار بن مُحمَّد
_________________
(١) (a) ضبطه في هذا الموضع بسكون الراء، وتقدَّم في أول الكتاب مشددًا وهو الصواب، نسبةً إلى محلة مشهورة بأصبهان. ياقوت: معجم البلدان ٤: ٤٤٤. (b) الترمذي: الثلاثة، وهي لفظة تأتي في الرواية بعده. (c) ضبطها بسكون الراء.
(٢) الترمذي: الجامع ٦: ٢٠٦ (رقم ٣٩٢٣)، المستدرك للحاكم ٣: ٣، دلائل النبوة للبيهقي ٢: ٤٥٨، المسند الجامع ٤: ٥٢٥ - ٥٢٦ (رقم ٣١٨٤).
[ ١ / ٢٠٣ ]
الجرَّاحِيُّ، قال: أخْبَرَنَا مُحمَّد بن أحمد المَحْبُوبِيُّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عِيسَى مُحمَّد بن عِيسَى التِّرْمِذيُّ الحَافِظُ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَمَّارٍ الحُسَيْنُ بن حُرَيْث، قال: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بن مُوسَى، عن عِيسَى بن عُبَيْدٍ، عن غَيْلَان بن عَبْد اللهِ العَامِرِيّ، عن أبي زُرْعَة بن عَمْرو بن جَرِير، عن جَرِير بن عَبْد اللهِ البَجَليّ، عن النَّبِيّ ﷺ قال (^١): إنَّ اللهَ أوْحَي إليَّ: أيَّ هؤلاء الثَّلاثة نزلتَ فهي دار هجرتِكَ: المَدِينَة، أو البَحْرين، أو قِنَّسْرِيْن.
قال أبو عِيسَى التِّرْمِذيُّ (^٢): غَريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا من حَدِيثِ الفَضْل بن مُوسَى، تَفَرَّدَ بهِ أبو عَمَّارٍ. وقد تابَع أبا عَمَّار الحُسَيْنُ بن حُرَيْثٍ جَعْفَر بن مُحمَّد الخُرَاسَانيّ، فرَواهُ عن الفَضْل بن مُوسَى السِّيْنَانِيّ.
أخْبرناهُ شَيْخَنا الزَّاهِدُ الحَافِظُ أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ الحَلَبِيّ مُشَافهةً، قال: أخْبَرَنَا الحَافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الشَّافِعِيّ (^٣)، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم نَصْر بن أحمَد بن مُقَاتِل، قال: أخْبَرَنَا جَدِّي أبو مُحمَّد، قال: حَدَّثَنَا أبو عَليّ الحَسَن بن عليّ بن إبْرَاهِيْم، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم حَمْزَةُ بن عَبْد الله بن الحَسَن (a) الأديبُ بأطْرَابُلُس، قال: حَدَثَنَا القَاضِي أبو نَصْر مُحمَّد بن مُحمَّد بن عَمْرٍو النَّيْسَابُوريّ، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن إبْرَاهِيْم بن نَيْرُوز الأنْمَاطِيّ، قال: [حَدَّثَنَا] (b) جَعْفَر بن مُحمَّد الخُرَاسَانيّ، قال: حَدَّثَنَا الفَضْل بن مُوسَى، عن عِيسَى بن عُبَيْد، عن غَيْلَان بن عَبْد الله العَامِرِيّ، عن أبي زُرْعَةَ، عن جَرْير بن عَبْد اللهِ (c)، عن النَّبِيّ
_________________
(١) (a) تاريخ ابن عساكر: الحسين. (b) ساقطة من الأصل والتعويض من تاريخ ابن عساكر. (c) تاريخ ابن عساكر: عن أبي زرعة عن عبد الله.
(٢) الجامع الكبير ٦: ٢٠٦.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) تاريخ ابن عساكر ٥٥: ١٨٨.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ﷺ قال (^١): إنَّ اللهَ أوْحَى إليَّ: أيَّ هؤلاءِ نَزلتَ فهي دَار هجرتِك: المَدِينَة، أو البَحْرين، أو قِنَّسْرِيْن.
وقد تابَع الفَضْلَ بن مُوسَى السِّيْنَانِيّ عليٌّ بن الحَسَن بن شَقِيق، فرَواهُ عن عِيسَى بن عُبَيْد الكِنْدِيّ، عن غَيْلَان بن عَبْد الله العَامِرِيّ.
أخْبَرناهُ زَيْن الأُمَناءِ أبو البَرَكاتِ الحَسَن بن مُحمَّد بن الحَسَن بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الشَّافِعِيُّ، إجَازَةً إنَّ لم يَكُن سَمَاعًا قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن الفَضْل الفَرِاوِيّ، ح.
وأخْبرنا المُؤيَّد بن مُحمَّد الطُّوسِيّ، وزَيْنَب بنْتُ الشَّعْرِيّ في كتابيهما إليَّ من نَيْسابُور، عن أبي عَبْد الله الفَرَاوِيّ، ح.
قالت زَيْنَبُ: وأنْبَأنا أبو المُظَفَّر القُشَيْرِيُّ، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر البَيْهَقيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد الله الحَافِظ إمْلاءً (^٢)، قال: أخْبَرَنَا أبو العبَّاسِ القَاسِم بن القَاسِم السَّيَّارِيّ بمَرْو، قال: أخْبَرَنَا إبْرَاهِيْم بن هِلالٍ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن الحَسَن بن شَقِيق، قال: حَدَّثَنَا عِيسَى بن عُبَيْد الكِنْدِيّ، عن غَيلْاَن بن عَبْدِ الله العَامِرِيّ، عن أبي زُرْعَة بن عَمْرو بن جَرْير، عن جَرْير أنَّ النَّبِيّ ﷺ قال: إنَّ اللهَ ﵎ أوْحَى إلي: أيَّ هؤلاء البِلاد الثَّلاث نزلْتَ فهي دَار هجرتكَ: المَدِينَة، أو البَحْرَيْن، أو قِنَّسْرِيْن.
قال أبو عَبْد اللهِ الحاكِم في المُستَدرَكِ على الصَّحِيحَيْن (^٣): هذا حديثٌ صَحيحُ الإسْنادِ، ولم يُخَرِّجاهُ.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أبو عبد الله الحاكم: المستدرك ٣: ٢ - ٣.
(٣) المستدرك ٣: ٣.
[ ١ / ٢٠٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه توفيقي