وهي مَدِينَة من أعْمَال حَلَب، عَامِرَةٌ، ولها ميَاهٌ وزُرُوع وأشْجَار، ولها حِصْنٌ منيعٌ، وخَرَجَ منها جَمَاعَةٌ من أهل العِلْم والعِبَادَة، منهم حُذَيفَة المَرْعَشِيّ.
_________________
(١) (a) ضبطها ابن العديم في بعض المواضع من كتابه بكسر الطاء وتشديد الياء: مَلَطِيَّة، ونبَّه عند الكلام عليها - كما نبّه ياقوت - أن التشديد في كلام العامة. (مُعْجَمُ البُلْدَان ٥: ١٩٢)، وابن العديم ينقلها - على أمانته المعهودة. حسبما يجدها في المصادر التي يأخذ. عنها، وقد أبقينا على كلا الضبطين مع التنبيه عليه عند وروده بالياء المشدَّدة. (b) الإصطخري: يغزون. (c) في الأصل: وبها يعرفون لأنها، وهو خلاف المُراد، وخلاف ما عند الإصطخري. .
(٢) مرعش Merasch: مَدِينَة صغيرة تقع في جهة الغرب من حصن منصور، على خط العرض ٣٧.٣٦ والطول ٣٦.٥٥، وكانت إحدى مدن جند قنسرين من الثُّغُور الجَزَرِيَّة، تبعد عن أَنْطَاكِيَة يومان، وهي مسورة بسور حصين، وكانت من مدن الرُّوم التي فتحها المسلمون، ثمّ عمرها الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وتم تحصينها في عهد مروان بن مُحمَّد آخر خلفاء بني أمية، وجعل في وسطها حصن عليه سور يعرف بالمرواني نسبة إليهِ، وانتقل إليها المسلمون وبنوا لهم فيها مسجدًا جامعًا، ثمّ بناها صالح بن عليّ في خِلَافَة أبي جعفر المنصور، وحصنها من بعده المهدي وهارون الرَّشِيد، وهي تقع على نهر جيحان، وفيها مرج تحيط به الجبال يسمى عمق مرعش، وهي آخر ثغور المُسْلِمين ليس وراءها إِلَّا عمارات الرُّوم. انظر: ابن خرداذبة: المسالك ٩٧، ابن رستة: الأعلاق النفيسة ١٠٧، قدامة: الخراج ١١٥، ١٨٦، ٣١٩، الإصطخري: مسالك ٦٢، ٦٣، ٦٧، ابن حوقل: صورة الأرض ١٦٥، ١٨١، ١٨٦، ١٨٨، المقدسي: أحسن التقاسيم ١٥٤، مجهول: حدود العالم ١٥٧، الإدريسي: نُزهة المُشتاق ٢: ٦٥٢، الإسكندري: الأمكنة ٢: ٥١٢ (وفيه: ثغر بأرمينية)، ياقوت: مُعْجَمُ البُلْدَان ٥: ١٠٧: (وفيه: أنها مسورة بسورين)، ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٣٧، أبو الفداء: تقويم البُلْدَان، ٢٦٣، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦١، الحميري: الرَّوض المعطار ٥٤١ (وفيه: من ثغور أرمينية)، موستراس: المعجم الجغرافي ٤٦١، لسترنج: بلدان الخِلَافَة ١٦١.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقد ذَكَرَها أبو زَيْد البَلْخِيّ في كتابه، فقال (^١): والحَدَث ومَرْعَش هما مَدِينَتَان عَامِرتَان (a)، فيهما مياه وزُرُوع وأشْجَار كَثِيرة، وهما ثَغْران.
قُلْتُ: وبين مَرْعَش والحدث ثمانية فراسخ، وهي في زَمننا هذا في أيْدي المُسْلِمين، تسلَّمها نُور الدِّين مَحمُود بن زَنْكي من جُوسْلِين حين أُسر، ثمّ استَولَى عليها الأرْمَنُ في سَنة ستِّ وخمسين وستُّمائة من أيدي نُوَّاب مِلك الرُّوم كَيْكَاوُس بن كَيْخُسُرُو بن كَيْقُبَاذ.
وذكَرَ أحْمَد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ في كتاب البُلْدَان (^٢)، ممَّا نَقلَهُ عن مَشَايخ الشَّام، وقالوا: وجه أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح - وهو بمَنْبِج - خالد بن الوَلِيد إلى نَاحيةِ مَرْعَش، ففَتَح حِصْنَها، على أنْ جَلا أهْلَه ثمّ أخربَهُ. وكان سُفيان بن عَوف الغَامِدِيّ (a) لمَّا غَزَا الرُّوم سنة ثلاثين، دَخَلَ (b) من قبل مَرْعَش، فسَاح في بلد الرُّوم، وكان مُعاويَة بني مَدِينَة مَرْعَش، وأسكنها جندة، فلمّا كان موت يَزيد بن مُعاوِيَة كَثُرت غارات الرُّوم عليهم، فانْتَقَلُوا عنها.
قال (^٣): ثمّ إنَّ العبَّاس بن الوَلِيد بن عَبْد المَلِك صار إلى مَرْعَش، فَعَمَّرَها وحَصَّنَها، ونَقَل النَّاس إليها، وبَنَى لهم (c) مَسْجِدًا جَامِعًا، وكان يقْطَعُ في كُلِّ عامٍ على أهلِ قِنَّسْريْن بَعْثًا إليها. فلمَّا كانت أيَّام مَرْوان بن مُحمَّد، وشُغِل بمُحَاربَة أهْل حِمْصَ، خَرَجت الرُّوم فَحَصَرت مَدِينَة مَرْعَش حتَّى صَالَحَهُم أهلُها على الجَلاءِ، فَخَرجُوا نحو الجَزِيرَة وجُند قِنَّسْريْن بعيالاتهم،
_________________
(١) (a) في الأصل: العامريّ، والمثبت من فتوح البلاذري والإصابة لابن حجر ٤: ٢١١. (b) البَلْخِيّ: صغيرتان. (c) فتوح البُلْدَان: رحل. (d) فتوح البُلْدَان: لها.
(٢) البَلْخِيّ: صور الأقاليم ٢٤ أ.
(٣) فتوح البُلْدَان ٢٦٥.
(٤) فتوح البُلْدَان ٢٦٦.
[ ١ / ٣٦١ ]
ثمّ أخرَبُوها، وكان عامِل مَرْوَان عليها يَوْمَئذٍ الكُوْثَرُ بن زُفَر بن الحَارِث الكِلابيّ، وكان الطَّاغِيَة يَوْمَئذٍ قُسْطُنْطِيْن بن أليْوُن، ثمّ لَمَّا فرَغ مَرْوَان من أمْر حِمْصَ، وهَدمَ سُورها، بَعثَ جيشًا لِبناء مَرْعَش، فبُنِيتْ ومُدِّنت، فَخَرجت الرُّوم في فِتْنَتِه فأَخْربتها، فبَناها صَالِح بنُ عليّ في خِلَافَة أبي جَعْفَر المَنْصُور، وَحَصَّنَهَا، ونَدبَ النَّاسَ إليها على زِيادة العَطَاء، واستُخْلفَ المَهْدِيُّ، فزادَ فِي شِحْنَتها، وقَوَّى أهْلَهَا.
قال البَلاذُرِيّ (^١): وحَدَّثَنِي مُحمَّد بن سَعْد، عن الوَاقِديّ، قال: خَرَج مِيخائِيل من دَرْب الحَدَث في ثمانين ألفًا، فأتَى عَمقَ مَرْعَش، فقتَلَ وأحْرَق، وسَبَى من المُسْلِمين خَلْقًا، وصَار إلى باب مَدِينَة مرعش وبها عِيَسى بن عليّ، وكان قد غَزَا في تلك السَّنَة، فخَرَج إليهِ مَوَالي عِيَسى وأهل المَدِينة ومُقَاتلتُهَا، فرشَقُوه بالنَّبْل والسِّهام، فاسْتَطرد لهم حتَّى إذا نَحَاهُم عن المَدِينة كَرَّ عليهم، فقُتِلَ ثمانية نَفَرٍ من مَوَالي عِيسى، واعتصَمَ الباقونُ بالمَدينةِ فأغلقُوهَا، فحاصَرهم بعض نهار، ثمّ انصرف حتَّى أتَى (a) جَيْحَان، وبَلَغ الخَبَرُ ثُمَامَة بن الوَلِيد العَبْسِيّ وهو بدَابِق، وكان قد وَلِيَ الصَّائِفَة سَنَة إحدَى وستِّين ومائة، فوجَّهَ إليهِ خَيلًا كثيفة، فأُصِيبُوا إِلَّا مَن نَجَا منهم، فأحْفَظَ ذلك المَهْدِيّ، واحتَفَل لإغْزاء الحَسَن بن قَحْطَبَة في العَام المُقْبل، وهو سَنةُ اثنتَين وستِّين ومائة.
_________________
(١) (a) فتوح البُلْدَان: نزل.
(٢) فتوح البُلْدَان ٢٦٧.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وقال سَعيد بن كَثِير بن عُفَيْر في تاريخه (^١): ثُمّ كانت سَنَة إحْدَى وستِّين ومائة، فكان فيها خُرُوج الرُّوم على مَرْعَش، فخَرِبَت شيئًا كَثِيرًا.
قُلْتُ: وخَرَّب الرُّوم من مَرْعَش کما ذَكَرْنَاهُ، فبَنَاها سَيْفُ الدَّوْلَةِ أبو الحَسَن عليّ بن عَبْدِ الله بن حَمدَان، وجَاءَ الدُّمُسْتُقُ ليمنَع من بنائها، فقَصَدهُ سَيْفُ الدَّولَة، فوَلَّى هَاربًا، وتَمَّمَ سَيْفُ الدَّوْلَة عمارة مَرْعَش. وفي ذلك يقُول المُتَنَبِّي (^٢): [من الطّويل]
أتَى مَرْعَشًا يَستَقرِبُ البُعدَ مُقبِلًا … وَأدبَرَ إذ أقبَلْتَ يَستَبعِدُ القُرْبَا
فأضْحَتْ كأنَّ السُّورَ من فَوْقِ بدؤُهُ (a) … إلى الأرْضِ قد شَقَّ الكواكبَ والتُّربَا
تَصُدُّ الرّياحُ الهُوجُ عَنْهَا مَخافَةً … وَتَفْزَعُ فيها الطّيرُ أن تَلقُطَ الحَبّا
وَتَرْدي الجِيادُ الجُرْدُ فوْق جبالها … وَقد نَدَفَ الصِّنّبرُ في طُرْقها العُطْبَا
كَفَى عَجَبًا أنْ يَعجَبَ النّاسُ أنّهُ … بَنى مَرْعَشًا تَبًّا لآرائِهِمْ تَبَّا
وَما الفَرْقُ ما بَينَ الأنامِ وَبَيْنَهُ … إِذَا حَذِرَ المَحْذُورَ وَاستصْعبَ الصَّعبَا؟
_________________
(١) (a) ديوان المتنبي: بدئه. (b) الديوان: منها.
(٢) مؤلفه: سعيد بن كثير بن عُفَير، أبو عثمان المصري (ت ٢٢٦ هـ)، مؤرخ وعالم بالأنساب والأخبار وأيام العرب ومآثرها، له كتابان: كتاب تاريخ مصر، وكتاب الطبقات، والظاهر أن نقول ابن العديم عن كتاب ثالث له في التاريخ العام مرتَّب على السنين، نقل عنه في الموضع المذكور أعلاه، وفي عدة مواضع تالية من هذا الجزء، ثمّ في الجزء الخامس: ترجمة الحجاج بن يوسف (في موضعين من الترجمة)، وترجمة حذيفة بن اليمان (في موضعين أيضًا). انظر ترجمته في: تاريخ ابن يونس المصري ١: ٢١٠ - ٢١١، سير أعلام النبلاء ١٠: ٥٨٣ - ٥٨٦، طبقات الحفاظ للسيوطي ١٨٧ - ١٨٨، السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ٢٧٨، ٣١٧.
(٣) ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح العكبري ١: ٦٣ - ٦٨، وابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٣٨.
[ ١ / ٣٦٣ ]