وهي من الجَزْر من عَمَل حَلَب، ويُقالُ فيها مَعَارَّة مَصْرِين أيضًا.
وهي مَدِينَةٌ مَذْكُورَة، وبَلْدَةٌ مَشهُورة، لها ذِكْرٌ في الفُتُوح، وباب الرِّزْق فيها لطالبه مَفْتوح، باطنها حَسَن، وظاهرُهَا أغَن، محفوفةٌ بالأشْجَار، وشِرْبُ أهلهَا من ماء الأمْطَار، ولها سُور قديم مبنيّ بالحَجَر، وقد تهَدَّم، وكاد أنْ لا يبقى منه إلّا الأَثَر.
_________________
(١) سقط الزند ٣٣٣ - ٣٣٣.
(٢) معرَّة مَصْرِين، Maarrat Mesrin: تقع على خط العرض ٣٦.٠١ والطول ٣٦.٤٠، إلى الشمال من بلدة سرمين، وإلى ناحية الجنوب الغريى من حَلَب، وتبعد عن إدلب نحو ١٠ كم إلى الشمال الشرقي منها، وكانت مَدِينَة صغيرة من مدن جُنْد قِنِّسرين ثمّ أصبحت في القرن السابع الهجري كررة نتبع إليها عدة قرى وبلدات. انظر: ابن خرداذبة: المسالك ٧٥، ١٥٤، اليعقوبي: البلدان ٣٦٣، (وفيه: مصرين، دون إضافة) قدامة: الخراج ٣٠٤، مجهول: حدود العالم ١٧٦، المقدسي: أحسن التقاسيم ١٥٤: (وفيه: معرة قِنِّسرين)، البكري: المسالك ١: ٤٥٩، (وفيه معرة النصريّ، وأن النصرين جَبَل مطلّ عليها)، ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ١٢، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦٣ (وذكر أنها تسمى بذات القصرين)، ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٥: ١٥٥: أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٣١ (وفيه: معرة نسرين، بالنون والسين)، موستراس: المعجم الجغرافي ٤٦٥، زكرياء: جولة أثرية ١٣٣، طلاس: المعجم الجغرافي N.Elsseeff،El ٢،Maarrat Masrin،V،Pp ٩٢١ - ٩٢٢، ٣٠٤:٥
[ ١ / ٢٦٤ ]
وكان الفِرِنْج قد اسْتَولوا عليها حين اسْتَولوا على الأثارِب وزَرْدَنَا (^١)؛ وزَرْدَنَا قَرْيَةٌ قريبة منها كان لها قَلْعَة خَرِبَت، ففَتَح إيلْغَازِي بن أُرْتُق مَدِينَة مَعَرَّة مَصْرِيْن وزرْدَنَا والأثارِب في سَنة ثلاث عَشرة وخَمْسِمائَة بعد أنْ كسَرَ الفِرِنْج على ما نَشْرحه إنْ شَاءَ اللّهُ في تَرْجَمَتِهِ (^٢).
وأهلُها ذوو يَسَار وأمْوال وأمْلاك، ولمَّا هَجَمها الفِرِنْج دقَنَ أهلها فيها أمْوالًا، فظَهَرَ بعدَهُم منها شيء.
ويقالُ إنَّها هي الّتي تُعْرفُ بذاتِ القُصُور، وكان أكابر حَلَب وأعْيانُها يَرْغَبُون في اقْتناء الأمْلاك جها، واتِّخاذِ الدُّوْرِ والمنازِل فيها، وكان فيها لسلَفنا أمْلاكٌ وافرة، خَرَجَ عنَّا بعضُها، وبَقِي البعضُ، ويُجْلبُ منها الزَّيْتُ الكَثِيْر، وأرضُها عَذِيّ؛ يُزْرِع فيها البَصَل والثُّوم والكُسْفَرَة (a) والحَبَّة (^٣)، فتأتي على أكْمل ما يكون من غير سَقْي.
_________________
(١) (a) كذا رسمها - في هذا الموضع وفي موضع أخر سيأتي من هذا الجزء - خلاف الدارج المشهور في ذلك؛ والذي في المعاجم: بالسين أو الزاي: الكُسبرة والكُزْبَرة، لفظة عربية لضرب من البزور، وقل نبات الجُلُجُلان. لسان العَرَب وتاج العروس: مادتي: كزبر، كسبر.
(٢) زردنا: قرية في هضبة إدلب، نتبع ناحية معرة مصرين بمحافظة إدلب، تبعد عن معرة مصرين مسافة ٩ كم باتجاه الشمال الشرقي. باقوت: مُعْجَمُ البلدان ٣: ١٣٦، طلاس: المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري ٣: ٥٤٧ - ٥٤٨، ٥: ٣٠٤.
(٣) تَرْجَمَة ايلغازي بن أرتق في الضائع من الكتاب.
(٤) أي الحبَّة الخضراء، كما يُحدِّدها فيما يليه، وهي شجر البطم.
[ ١ / ٢٦٥ ]
وذكَرَ أحْمد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ، في كتاب البُلْدان (^١)، ما ذكَرهُ عن مَشَايخِه في ذِكْر الفُتُوح، قالوا: وبَلَغَ أبا عُبَيْدَة أنْ جَمعًا للرُّوم بين مَعَارَّة مَصْرين (a) وحَلَب، فلقيَهم وقَتَل عدَّة بَطَارِقَةٍ، وفضَّ ذلك الجَيْش، وسَبَى وغَنِم، وفتَحَ مَعَارَّة مَصْرِين على مِثْل صُلْح حَلَب.
وقد عَدَّ ابنُ وَاضِح الكَاتِب لجُنْد قِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم كُوَرًا، فقال (^٢): وكُورَة مَرْتَحْوان (^٣)، وكُورَة مَعَرَّة مَصْرِيْن.
قُلتُ: وكلتاهما من الجَزْر مُتَلاصقتان، ومَرْتَحْوان قريبة من مَعَرَّة مَصْرِيْن.
وقال الحَسَن بن أحْمَد المُهَلَّبيّ في كتابهِ: وكان بَلَد مَعَرَّة مَصْرِيْن إلى جَبَل السُّمَّاق بلد التِّيْن والزَّبِيْب والفُسْتُق والسُّمَّاق وحَبَّة الخَضْراء، يَخْرج عن الحدِّ في الرُّخْص، ويُحْمل إلى مُدُن العِرَاق، ويُجَهَّز إلى كُلِّ بَلَدٍ.
_________________
(١) (a) أثبتها على هذا الوجه كما في أصول البَلاذُرِيّ وقبل أن يحيلها المحقق إلى الرسم الآخر المَعْرُوف، على عادة ابن العديم في إثبات النقول كما وجدها، حتَّى وإن خالفت الدارج السائر من المسميات.
(٢) فتوح البلدان ٢٠٢.
(٣) ضمن الضائع من كتاب البلدان لابن واضح اليعقوبي.
(٤) مَرْتَحوان: مَدِينَة من نواحي حَلَب، تقع إلى الشمال الغربي من معرة مصرين، وتبعد عنها مسافة ٩ كم، وعن إدلب نحو ١٧ كم، وتسمى اليوم معارة الإخوان، ونتبع إلى محافظة إدلب. انظر: ابن خرداذبة: المسالك ٧٥، اليعقوبي: البلدان ٣٦٣، قدامة: الخراج ٣٠٤، ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٥: ١٠٠، موستراس: المعجم الجغرافي ٤٦٠ (وفيه: مرتوان Mertwan)، طلاس: المعجم الجغرافي ٥: ٣٠٢ - ٣٠٣.
[ ١ / ٢٦٦ ]
أنْشَدَني بَهَاءُ الدِّين أبو مُحمَّد الحَسَنُ بن إبرَاهِيم بن سَعيد بن الخَشَّاب، قال: أنْشَدَني بعضُ أهل مَعَرَّة مَصْرِيْن لَحْمدَان بن عَبْد الرَّحِيْم (^١): [من البسيط]
جَادَت مَعَرَّة مَصْرِيْن من الدّيَمِ … مثلُ الّذي جَاد من دَمْي لبَيْنهمِ
وسَالَمَتْها اللَّيالِي في تغيُّرها … وصافحَتْها يدُ الآلاءِ والنّعَم
ولا تناوَحت الإعْصَارُ عاصفةً … بعرْصَتَيها كما هَبَّت عك إرم
حَاكَت يَدُ القَطر في أفنائها حُلَلًا … مِنِ كلّ نَوْرٍ شَنيْب الثَّغْر مُبْتَسم
إذا الصَّبَا حرّكت أنْوارهَا اعتنقت … وقَبَّلت بعْضُها بعضًا فمًا لِفَمِ
كأنَّما نشَرت كفُّ الرَّبيعْ بها … بَهَارَ كِسْرَى مليْك الفُرْس والعَجَم
كم وقفَةٍ لي بباب السُّوْق أذكرُها … مع أُسْرةٍ مَاتَت الدُّنْيا لموتهم
وكم على تَلِّ باب الحِصْن من أربٍ … أدركته عند خلٍّ من بَني جُشَمِ
وكم على الجانب الشَّرْقيّ لي خُلَسٌ … مع فِتْيَةٍ يَدْرؤُونَ الهَمَّ بالهِمَمِ
مُهلهْليُّون لا يألُون في كرم … جهدًا ويرْعَونَ حقّ الجارِ والذّمَمِ
عَاقرتُهم وجَلابيبُ الصِّبا قُشُب … وعَارضي غير مُحْتاجٍ إلى الكَتَمِ
يا ليتَ شِعْري ولَيْتٌ أصبَحَتْ غُصَصًا … هل يَجْمع اللّهُ شمْلي بعد بينهِم
وما كَفَى الدَّهْر منّي أنْ نأى بكمُ … عنّي وغَادرني لحمًا على وَضَمِ
حتَّى أراني حِصَار الكَفر ثانيةً … بناظرٍ غَرْق تحتَ الدُّمُوع عَم
صَبْرًا لعلِّي أرى للدَّهرِ عاطفةً … تدبُّ فينا دبيبَ البُرْءِ في السّقَمِ
فاللّهُ يُعقبُ أهل الصَّبْر إنْ صَبَروا … وصَابَرُوا بنَعيم غير مُنْصَرِم
_________________
(١) هو أبو الفوارس حَمْدَان بن أبي الموفق عبد الرحيم الأثاربي (ت ٥٤٢ هـ)، ترجم له ابن العديم في الجزء السادس من كتابه، وهي من أوعب التراجم التي تناولت حياته، والأبيات في الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ١٢ - ١٣، وستة أبيات منها عند ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٥: ١٥٥ - ١٥٦.
[ ١ / ٢٦٧ ]
الكَفْر (^١): قَرْيَةٌ كبيرةٌ من الجَزْر من كُورَة مَرْتَحْوان، ولها مغائر كان الفِرِنْج إذا أغاروا على البَلَدِ دَخَلُوا واحْتَموا فيها، ومعهم أهل يَحْمُول (^٢) وبيت رأس (^٣)؛ وهي ثلاث (a) قُرَى مُجْتَمعات، يُسْمع في كُلِّ قَرْيَة صَوْت مَنْ يَصيح في الأُخْرى، فكان الفِرِنْج يَحْصُرونهم في المغائر فلا يَقْدرُون عليهم.
أنْبَأنا أبو القَاسِم الحُسَيْن بن هِبَة الله بن صَصْرَى، قال: أجَازَ لنا أبو عَبْد الله مُحمَّد بن نَصْر بن صَغِير القَيْسَرَانِيّ، وقال في مَعَرَّة مصْرِيْن، ورَأيتُه أنا بخَطِّه في دِيْوَان شِعْره (^٤): [من المتقارب]
مَعَرَّة مَصْرِيْنَ (b) ناهيكَ مِصْرًا … مَحَلًّا مُحلًّى بَهَاءً وفَخْرا
أرقَّ البقَاعِ هَوَاءً ومَاءً … وأبْهَى المَنازِل دَارًا وقَصْرَا
أقَمْتُ بها يوْمَ صَدْرٍ أغَرّ … يُضاهِى وُجُوهًا من القَوْمِ غُرَّا
وَوَالَهْفَتَا لو أعان الزَّمانُ … خَلَعْتُ على ذلك اليَوْم شَهْرا (c)
_________________
(١) (a) الأصل: ثلاثة. (b) ضبطها في هذا الموضع بالكسر: مِصْرين. (c) ترك المؤلِّف ثلثي. الصفحة بعده بياضًا.
(٢) الكفر: كذا قيدها المؤلِّف غير منسوبة، وتسمى اليوم: كفر اليحمول، تمييزًا لها عن عشرات القرى والمزارع المسماة بكفر [كذا]، ويذكر ابن العديم في فصل الطلسمات أنها ملاصقة لقرية بيت رأس، وهى قرية في هضبة إدلب الشمالية، تتبع ناحية معرة مصرين بمحافظة إدلب، وتبعد عن بلدة معرة مصرين مسافة ٣٥ باتجاه الشمال. طلاس: المعجم الجغرافي ٥: ٧٢.
(٣) يحمول: قرية في هضبة حلب الغربية، تتبع إلى منطقة عزاز بمحافظة حلب، وتبعد عزاز نحو ٧ كم باتجاه الشرق، وذكر ياقوت يحمول هذه، ويحمول أخرى بالثغور من أعمال بهسنا ناحية كيسوم. انظر: ياقوت: معجم البلدان ٥: ٤٣٢، طلاس: المعجم الجغرافي ٥: ٥٠٣. وسيأتي عند الكلام على ما بحلب وأعمالها من الطلمسات، بعض التعريف بها.
(٤) بيت رأس: ذكرها ياقوت من نواحي حلب، ولم يزد على ذلك. معجم البلدان ١: ٥٢٠. وكلام المؤلِّف يجعلها بالقرب من الكفر ويحمول، ولم أهتد للتعريف بها.
(٥) لم ترد الأبيات في ديوان ابن القيسراني.
[ ١ / ٢٦٨ ]