وكان اسْمُها بالرُّومِيَّة: مَلَطِيَا. وقيل: كان اسْمُها: مَلَدْني فعُرِّب وجُعِلَ مَلَطْيَة.
ويُقالُ: إنَّ الإسْكَنْدَر بَنَاهَا، والعَامَّة يقُولُون: مَلَطِيَّة، بكسر الطَّاءِ وتَشْديدِ الياء.
كذلك ضَبَطها أبو نصر الجَوْهَرِيّ في كتاب الصِّحَاح في اللُّغَة (^٢)، أخبَرَنَا بذلك أبو العبَّاس أحْمَد بن عَبْد الله بن عُلْوَان، قال: أخْبرَنا أبو البَرَكَات بن العِرْقِيّ في كتابه؛ وأخبَرَنَا أبو مُحمَّد عَبْد الدَّائم بن عُمَر، قال: أخْبَرَنا ابن العِرْقِيّ، قال: أخبرَنا أبو القَاسِم بن القَطَّاع، قال: أخْبَرَنَا أبو بَكْر بن البِرّ، قال: أخْبَرَنَا إسْمَاعِيْل بن مُحمَّد، قال: أخبَرَنَا أبو نَصْر إسْمَاعِيْل بن حَمَّاد الجَوْهَرِيّ (^٣)، قال: ومَلَطِيَّة بَلَدٌ.
_________________
(١) ك: قلعة ملطية. وملطية Melatia: تقع في أقصى الشمال من زبطرة، على خط العرض ٣٨.٢١ والطول ٣٨.١٩، وهي من أقرب الشغور الجَزَرِيَّة إلى بلاد الرُّوم، مَدِينَة كبيرة محصنة، قديمة من بناء الرُّوم، وتحيط بها جبال كَثِيْرة، والطريق إليها صعبة تتخللها عقاب شديدة، وتبعد عن منبج مسيرة أربعة أيَّام، والمَدِينَة ذاتها في مستوى من الأرض، وماؤها من عيون وأودية من الفرات. انظر: الزوقنيني: تاريخ ١١٨، ابن خياط: تاريخ ٤١٨، البسوي: المعرفة والتاريخ ١: ١٢٠، ابن خرداذبة: المسالك ٩٧، ابن رستة: الأعلاق النفيسة ١٠٧، اليعقوبي: البلدان ٣٦٢، الطبريّ: تاريخ ٩: ٥٥، الأزدي: تاريخ الموصل ١٧١، قدامة: الخراج ١١٥، ١٨٧، ٣١٨ - ٣١٩، الإصطخري: مسالك ٦٣، ٦٥، ٧٥، ابن حوقل: صورة الأرض ١٦٥، ١٨١، ١٨٥، ١٨٧، مجهول: العيون والحدائق ٣: ٣٣٥، ٣٣٤، الإدريسي: نُزهة المشاق ٣: ٦٥٠ - ٦٥١، ابن الأثير: الكامل ٥: ٤٤٧، ٦: ٤٧٩، ياقوت: مجم البلدان ٥: ١٩٣، ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٤١، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦١، أبو الفداء: تقويم البلدان ٣٨٥، ابن الشحنة: الدر المنتخب ١٩٥، الصفدي: تحفة ذوي الألباب ١: ١٤٨، الحميري: الرّوض المعطار ٥٤٥، موستراس: المعجم الجغرافي ٤٦٨.
(٢) الَّذي في صحاح الجوهري بالتخفيف، ضبط قلم. الصحاح ٣: ١١٦٢.
(٣) الصحاح ٣: ١١٦٢.
[ ١ / ٣٧٥ ]
ولَمَّا قرأتُ المَقَامات الحَرِيرِيَّة على شَيْخنا أبي اليُمْن الكِنْدِيّ، فقَرأتُ عليه: أزْمَعتُ عن مَلَطِيَّة مطيَّة البَيْن (a)، وكانت مَضْبُوطة في نُسْخَتِي كذلك بخَطِّ أبي المُعَمَّر الأنْصاريّ وعليها خَطّ الحَرِيرِيّ، فقال لي شَيْخُنا أبو اليُمْن: مَلَطْيَة لا غَير؛ لا يجوزُ غيرها.
ثُمَّ قَرَأتُ عليهِ بعد ذلك: أخْبَركم أبو مَنْصُور مَوْهُوب بن أحْمد بن مُحمَّد بن الخَضِر الجَوَالِيْقِيُّ، فأقَرَّ به، قال فيما تَلْحَنُ فيهِ العَامَّةُ (^١): ممَّا يُخَفَّفُ، والعَامَّةُ تُشَدِّدُهُ؛ وهي مَلَطْيَةُ.
وأخْبَرنا شَيْخُنا أبو اليُمْن إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخبرَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن علِيّ الخَطِيب (^٢)، قال: حَدَّثَنِي مُحمَّد بن عليّ الصُّوْرِيّ، قال: قال لي عَبْد الغَنِيّ بن سَعيد الحَافِظُ: ليسَ في المَلَطيِّينَ ثِقَةٌ.
وكَتَبَ إلينا أبو المُظَفَّر عَبْد الرَّحِيْم السَّمْعانيّ من مَرْو، يذكُرُ عن أبيه أبي سَعْد عَبْد الكريم بن مُحَمَّد السَّمْعانيّ أنَّه قال في ذِكْر ملَطْيَة (^٣): بَنَى هذه المَدِينَة الإسْكَنْدَر. قال: وسَمِعْتُ أنَّ أكثر مَنْ خَرَجَ منها من المُحَدِّثِيْن كانُوا ضُعَفَاء.
قلتُ: وقد خَرَجَ منها جَمَاعةٌ من المُحَدِّثِيْن، وهي الآن في أيْدِي المُسْلِمِيْن، وهي مَدِينَةٌ عَامِرَةٌ كَبِيرَةٌ حَصِيْنَةٌ.
وقد ذَكَرها أبو زيْد أحمدُ بن سَهْل البَلْخِيّ، في كتاب صفة الأرْض والأقاليِم والمُدُن وما تَشْتَمل عليهِ (^٤)، قال: ومَلَطْيَة مَدِينَةٌ كبيرةٌ؛ من أكْبَر الثُّغُور الّتي دونَ
_________________
(١) (a) في مقامات الحريري ٣١٠: "أنخت بملطية مطيَّة البين".
(٢) الجواليقي: تكملة إصلاح ما تغلط فيه العامة ٥٣.
(٣) تاريخ بغداد ٧: ٦٣٣، ١٤: ٤٥٦.
(٤) السمعاني: الأنساب ١٢: ٤٢١ - ٤٢٢.
(٥) البَلْخِيّ: صور الأقاليم ورقة أ.
[ ١ / ٣٧٦ ]
جَبَل لُكَام، وتَحْتَفُّ (a) بها جبالٌ كَثِيْرة الجَوْز، وسَائر الثِّمَار مُبَاح لا مَالِكَ لَهُ، وهي من قُرَى بَلَدِ الرُّوم على مَرْحَلَةٍ.
نَقَلْتُ من كتاب البُلْدان، تأليفُ أحْمَد بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب (^١)، قال: وللثُّغُور الجَزَرِيَّة من المُدُن: مَرْعَش والحَدَث وزِبَطْرَة وسُميسَاط وحِصْنٍ مَنْصُور وحصْن زِيَاد (^٢) ومَلَطْيَة، وهي المَدِينَةُ العُظْمَى، وكانتْ مَدِينَةً قَدِيْمَةً فأخْرَبَتْهَا الرُّوم، فبَنَاهَا أبو جَعْفَر المنصُور سَنَة تِسْعٍ وثلاثين ومائة، وجَعَل عليها سُورًا واحدًا بلا فَصِيْل، ونَقَل إليها عدَّة قَبَائِل من العَرَب، فهي سَبْعة أسْباعٍ: سُبْعٌ لسُلَيْمِ وسَائر قَيْسٍ، وسُبعْ الهَواسيَّة، وسُبعْ الراعيَة (b) والجَعاونَة، وسُبعْ تيْم، وسُبْع رَيعة، وسُبعْ اليَمَنَ، وسُبع هَوَازِن.
ومَلَطِيَّة في مُسْتَوىً من الأرْض تُحيط بها جِبَال الرُّوم، وماؤُهَا من عُيُونٍ وأوْدِيَة ومن الفُرَاتِ.
أخْبَرَنَا أبو الحَسَن مُحمَّد بن أحْمَد بن عليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحمَّد القَاسِم بن أبي القَاسِم، قال: أخْبَرنَا أبي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (^٣)، قال: أخْبَرَنَا أبو غَالِب المَاوَرْدِيّ، قال: أخْبَرَنَا مُحمَّد بن عليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد اللّه النَّهَاوَنْدِيّ، قال:
_________________
(١) (a) البَلْخِيّ: وتحيف. (b) مهملة في الأصل، ويمكن أن تقرأ أيضًا: البراعبة، الراعية، اليراعية، وكذا تقليب المثناة التحتيّة على الوجوه الثلاثة، صورتها الراعته.
(٢) ضمن الضائع من كتاب البلدان لليعقوبي.
(٣) حصن زياد: حصن يقع في أرمينية في أقصى ديار بكر من بلاد الرُّوم، وكان يسمى أيضًا: خرتبرت، بينه وبين ملطية مسيرة يومين، وبينهما الفرات، ويعرف اليوم باسم: خربوط. ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٢: ٤٠، ابن سباهي زاده: أوضح المسالك ٧٩، لسترنج: بلدان الخِلَافَة الشرقية ١٤٩، محمود شيت خطاب: بلاد الجَزِيرَة ٤٠.
(٤) تاريخ ابن عساكر ٣٧: ٣٠٠.
[ ١ / ٣٧٧ ]
أخبرَنَا أحْمَد بن عِمْران، قال: حَدَّثنا مُوسَى، قال: حَدَّثنا خَلِيفَة، قال (^١): وفيها - يعني سَنة أربعين ومائة - وجَّهَ أبو جَعْفَر عَبْدَ الوهَّاب بن إبْرَاهِيم بن مُحمَّد بن عليّ لبناء مَلَطْيَة، فأقام عليها سَنَةً حتَّى بَنَاهَا وأسْكنها النَّاس.
قَرَأتُ في كتاب البُلْدان، تأليفُ أبي جَعْفَر أحمد بن يَحْيَى بن جَابِر البَلاذُرِيّ (^٢)، وحَكَاهُ عَمَّنَ حدَّثَهُ من أهل الشَّام، قالوا: وَّجه عيَاض بن غَنم حَبِيْبَ بن مَسْلَمَة الفِهْرِيِّ من سُمَيْسَاط (a) إلى مَلَطِيَّة ففَتَحَها، ثمِّ أُغلِقَتْ. فلَّا ولي مُعاوِيَةُ الشَّام والجَزِيرة، وجَّه إليها حَبِيْب بن مَسْلَمَة، ففَتَحَها عنْوَةً، ورَتَّبَ فيها رَابِطَةً من المُسْلِمِيْنَ مع عَامِلهَا، وقَدِمَها مُعاوِيَة وهو يُريد دُخُول الرُّوم، فَشَحَنَها بجماعةٍ من أهْل الشَّام والجزِيرَة وغيرها، وكانت طَريق الصَّوائِف.
ثمّ إِنَّ أهْلَهَا انتقلُوا عنها في أيَّام عَبْد اللّه بن الزُّبَيْر، وخَرجَت الرُّومُ فَشَعَّثَتها ثمّ تَرَكَتْها، فنَزَلها قَوْمٌ من النَّصَارى؛ من الأرْمَن والنَّبَط.
فَحَدَّثَني مُحمَّد بنُ سَعْد، عن الوَاقِدِيّ في إسْنَادِه، قالوا: كان المُسلِمُونَ نَزلُوا طُرَنْدَة بعد أنْ غَزَاهَا عَبْدُ اللّه بن عَبْدِ المَلِك سَنَة ثلاثٍ وثمانين، وبَنوا بها مَسَاكنَ، وهي من مَلَطِيَّةَ على ثلاث مَرَاحِل، وَاغِلَة في بلادِ الرُّوم، ومَلَطِيَّة يَوْمئذ خَراب ليس بها إلَّا ناسٌ من أهل الذِّمَّة من الأرْمَن وغيرهم، فكانت تأتيهم طالعَةٌ من جُنْد الجَزِيرة في الصَّيْفِ، فيُقِيْمُونَ بها إلى أنْ ينزل الشِّتَاءُ وتَسْقُط الثُّلُوج، فإذا كان ذلك، قَفَلُوا.
فلمَّا وَلي عُمَر بن عَبْد العَزِيْزِ، رَحَّلَ أهل طُرَنْدَة عنها وهم كارهُون، وذلك لإشْفَاقه عليهم من العَدُوّ، فاحْتَملُوا فلَم يدعُوا لهم شيئًا حتَّى كَسَرُوا خَوَابِيَ الخَلِّ والزَّيْت، ثمّ أنْزَلَهم مَلَطِيَّة، وأخْربَ طُرَنْدَة، ووَلَّى على مَلَطْيَة جَعْوَنَة بن الحَارِث، أحَدُ بَني عَامِر بن صَعْصَعَة.
_________________
(١) (a) فتوح البلدان: شمشاط.
(٢) ابن خياط: تاريخه ٤١٨، ونقله أيضًا ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٥: ١٩٢ - ١٩٣.
(٣) فتوح البلدان ٢٦١ - ٢٦٢.
[ ١ / ٣٧٨ ]
قالُوا: وخَرَج عشرُونَ ألفًا من الرُّوم في سَنَة ثلاثٍ وعشرين ومائة، فنزلُوا على مَلَطْيَةَ، فأغْلَق أهْلُهَا أبْوَابهَا، وظَهَر النِّسَاءُ على السُّور، عليهنَّ العَمَائمُ يُقاتِلْنَ، وخرَجَ رَسُول لأهْل مَلَطْيَة مُسْتَغيثًا، فرَكِبَ البَرِيدَ وسَار حتَّى لحَقَ بهِشَام بن عَبْد المَلِك وهو بالرُّصَافَةِ، فنَدَبَ هِشَامٌ النَّاس إلى مَلَطْيَةَ، ثمّ أتاه الخَبَر بأنَّ الرُّوم قد رَحَلَت عنها، فَدَعَا الرَّسُول فأخْبَرَهُ، وبعثَ معَهُ بخَيْلٍ ليُرَابَط علجها، وغَزَا هِشَامٌ نفسُه، ثمّ نَزَل مَلَطْيَةَ وعَسْكَر عليها حتَّى بُنِيَت، وكان مَمَرُّه بالرَّقَّةِ؛ دَخَلَها مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، ولَم يتقلّدْهُ قبل ذلك في أيَّامِهِ.
قال الوَاقِدِيُّ (^١): ولمَا كانت سَنَةُ ثلاثٍ وثلاثين ومائة، أقْبَل قُسْطُنْطِيْن الطَّاغِيَة عَامِدًا لمَلَطِيَّة، وكَمْخ (^٢) يَوْمئذٍ في أيْدِي المُسْلِميْنَ، وعليها رَجُل من بني سُلَيْم، فبعثَ أهْلُ كَمْخ الصَّرِيْخَ إلى أهل مَلَطْيَة، فَخَرَج إلى الرُّوم منهم ثمانمائة فَارِس، فواقَعتهم خَيْل الرُّوم فَهَزَمَتْهُم، ومَال الرُّومِيُّ فأنَاخَ على مَلَطْيَةَ فحصَر مَنْ فيها،
_________________
(١) النقل عن فتوح اللاذري ٣٦٣ - ٣٦٤.
(٢) كَمْخ kemach: تقع شمال مَدِينَة سميساط، على خط العرض ٣٩.٣٦ والطول ٣٩.٠٢، وهي من الثُّغُور الجَزَرِيَّة، وعدّها خليفة بن خياط من بلاد الجَزِيرَة، وسماها الزوقنيني "قمح"، وهي مَدِينَة حصية على نهر الفرات من غربيه، تقع عل الطريق بين ملطية وزبطرة. وقد بقى متنازعًا عليها بين المُسْلِمين والروم طيلة العهد الأمويّ، يغلب طيها الرُّوم فيفتحها المسلمون، واستمرت على هذه الحال إلى أن فات دولة بني العبَّاس، فتم فتحها في عهد المنصرر سنة ١٤٩ هـ/ ٧٦٦ م، ثمّ أخذها الرُّوم سنة ١٧٧ هـ/ ٧٩٣ م وتمكن عامل شمشاط من استردادها، وبقيت في يد المُسْلِمين إلى أن وقعت الفتنة في الأمين والمأمون، فهرب أهلها واستولى عليها الرُّوم، فلمّا انتهت الفتنة وتمكن عبد الله بن طاهر من القضاء على الثورات التي وقعت في بلاد الشَّام استطاع فتحها من جديد، وهي اليوم مَدِينَة تركية جنوب أرزنكان في ولاية خربوت لواء دَرسِم. انظر: ابن خياط: تاريخ ٤٢٤، الزوقيني: تاريخ ١٢٥، ابن خرداذبة: المسالك ٩٧، قدامة: الخراج ١١٥، ٣١٦، الإدريسي: نُزهة المشتاق ٢: ٨١٢، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦١، ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٤: ٤٧٩ (وسأل ياقوت واحدًا من أهلها فسماها له: "كماخ" بزيادة ألف)، موستراس: المعجم الجغرافي ٤٢٦، لسترنج: بلدان الخِلَافَة ١٥١.
[ ١ / ٣٧٩ ]
والجَزِيرَة يَوْمَئذٍ مَفْتُونَة، وعَامِلَها من قِبَل بَني العبَّاس مُوسَى بن كَعْب بحَرَّان، فَوَجَّهُوا رَسُولًا لهم، فلم يُمْكنْهُ إعانتَهم (a)، وبَلَغَ ذلك قُسْطُنْطِيْن الطَّاغية، فقال لهم: يا أهْلَ مَلَطْيَةَ؛ إنِّي لم آتُكُمُ إلَّا على عِلْمٍ من أمركُم، وشَاغِل من سُلْطَانِكُم (b)، انْزِلُوا على الأمَانِ، وأخْلُوا المَدِينَة أهْدِمها (c) وأَمْضِي عَنْكم، فأَبَوا عليه، فوضَع عليها المَجَانِيْقَ، فلمَّا جَهَدَهُم البَلَاءُ وأشْتَدَّ عليهم الحِصَار، سألُوه أنْ يُوَثقَ لهم، فَفَعَل، ثمّ اسْتَعَدُّوا للرِّحْلةِ وحَمَلُوا ما اسْتَدَفَّ (d) لهمِ، وألْقُوا كَثِيْرًا ممَّا ثَقُل عليهم في الآبار والمَخَابِئ، ثُمَّ خَرَجُوا، وقامَ (e) لهم الرُّوم صَفَّيْن من باب المَدِينَةِ إلى مُنْقَطع آخرهم مُخْترطي السُّيُوف، طَرَف سَيْف كُلّ إمرئٍ منهم مع طَرف سَيْفِ الّذي يُقابِله حتَّى كأنَّها عقَد قنطَرَة، ثمّ شَيَّعُوهُم حتَّى بَلَغُوا مأمنهُم، وتوجَّهُوا نحو الجَزِيرَة، فتفرَّقُوا فيها، وهَدَم الرُّوم مَلَطِيَّةَ، فلم يبْقُوا منها إلَّا هُرْيها (f)، فإنَّهم شَعَّثُوا منه شيئًا يسيرًا، وهَدَمُوا حِصْن قُلوذَيَة.
فلَمَّا كانت سنَة تِسْعٍ وثلاثين ومائة، كَتَبَ المنَصُور إلى صالح بن عليّ يأمرُهُ ببناءِ مَلَطْيَة وتَحْصِينها، ثمّ رَأى أنْ يُوَجِّه عَبْد الوهَّاب بن إبْرَاهِيم الإمام وَاليًا على الجَزِيرَة وثُغُورها، فتَوَجَّه في سَنَة أرْبعينَ ومائة ومعَهُ الحَسَنُ بن قَحْطَبَة في جُنُودِ أهْل خُرَاسَان، وقَطع البُعُوث على أهل الشَّام والجَزِيرَة، فتَوافَى معَهُ سَبْعُونَ ألفًا، فعَسْكر على مَلَطِيَّة، وقد جَمَعَ الفَعَلَةَ من كُلِّ بَلْدَةٍ، فأخَذ في بنائها، فكان الحَسَن بن قَحْطَبَة ربَّما حَمَلَ الحَجَر حتَّى يُناولَهُ البنَاءَ، وجَعَل يُغدِّي النَّاسَ ويُعَشِّيْهم من مالهِ مُبْرِزًا
_________________
(١) (a) فتوح البلدان: إغاثتهم، وفي نسخة منه ما يوافق المثبت. (b) فتوح البلدان: وتشاغل سلطانكم عنكم. (c) فتوح البلدان: أخرجها. (d) فتوح البلدان: ما استدقَّ، بالقاف وصوابه الفاء، حملوا ما استدَفَّ لهم: أي ما تهيَّأ لهم حمله وأمكن وتسهَّل. لسان العرب، مادة: دفف. (e) فتوح البلدان: وأقام. (f) فتوح البلدان: إِلَّا هُرْيًا.
[ ١ / ٣٨٠ ]
مَطَابِخَهُ، فغاظ ذلك عَبْد الوهَّاب، فبَعَثَ (a) إلى أبي جَعْفَر يُعلمه أنَّه يُطْعِم النَّاسَ، وأنَّ الحَسَن يُطْعمُ أضْعَاف ذلك التِمَاسًا لأنْ يَطُولَه ويُفْسِد ما يَصْنَع ويُهجِّنه بالإسْرَاف والرِّيَاء، وأنَّ لَهُ مُنَادِينَ يُنادُونَ النَّاس إلى طَعامِه، فكَتَبَ إليهِ أبو جَعْفَر رَحْمةُ الله عليه: يا صَبِيّ، يُطْعِمُ الحَسَنُ من مَالِه، وتُطْعِمُ من مالي فيَفْضُلكَ، ما أُتِيْتَ إِلَّا من صِغَر خَطرك، وقِصَر (b) هِمَّتِكَ، وَسَفَه رأيك! وكَتَبَ إلى الحَسَن: أنْ أطْعِم ولا تَتَّخذ مُنادِيًا. وكان الحَسَنُ يقُول: مَنْ سَبَقَ إلى شُرْفَةٍ فَلَهُ كَذَا، فَجَدَّ النَّاسُ في العَمَل حتَّى فَرَغُوا من بناء مَلَطِيَّة ومَسْجِدهَا في ستَّة أَشْهرٍ، وبُني للجُنْدِ الّذين أُسْكِنُوها لكُلِّ عِرَافَةٍ بَيْتَان سفليَّان، وعليَّان (c) فَوْقهما، وإِصْطَبْل، والعِرَافَة: عَشَرة نَفَرٍ إلى الخَمْسَة عَشَر، وبَنَى لها مَسْلَحَةً على ثلاثين مِيْلًا منها، ومَسْلَحَةً على نَهْرٍ يُدْعَى قُباقِب، يَدْفَع في الفُرَاتِ، وأسْكن المَنْصُور مَلَطْيَةَ أرْبَعة آلاف مُقَاتِل من أهْلِ الجَزِيرَة، لأنَّها من ثُغُورهم، على زيَادَة عَشَرةِ دَنَانِير في عَطَاءِ كُلِّ رَجُلٍ، ومَعُونَة مائة دِيْنار سوى الجُعْل الّذي يَتَجَاعَلَهُ القَبَائِل، ووضَعَ فيها شِحْنَتها من السِّلاح، وأقْطَعَ الجُنْدَ المَزَارِع، وبني حِصْن قلوْذَيَةَ (d)، وأقْبَل قُسْطُنْطِيْن الطَّاغِيَة في أكثر من مائةِ ألْفٍ، فنَزَل جَيْحَان، فبلغَهُ كثرة العَرَب، فأحْجَم عنها.
قال (^١): وفي سَنَة إحْدَى وأربعينَ ومائة، غَزَا مُحمَّدُ بن إبْرَاهِيْم مَلَطِيَّة في جُنْد من أهل خُرَاسَان، وعلى شُرْطَتِهِ المُسَيَّب بنُ زُهَيْر، فرابَطَ بها لئلَّا يَطْمَع فيها العَدُوّ فيراجع إليها مَنْ كان باقيًا من أهْلها، وكانت الرُّوم عرضت لَمَلَطِيَّة في
_________________
(١) (a) فتوح البلدان: فكتب. (b) فتوح البلدان: وقلَّة، وفي نسخة منه ما يوافق المثبت. (c) فتوح البلدان: عُلِّيَّتان، ومثله عند ابن الفقيه: كتاب البلدان ١٦٣، نقلًا عن الوَاقِدِيّ. (d) فتوح البلدان مجودًا: قَلُودِيَة، وعند ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٤: ٣٩٢: قَلَوْذِيَة، والمثبت مع ضبطه من الأصل، ويوافق: ابن الفقيه: كتاب البلدان ١٦٣، قدامة: الخراج ٣١٨، ابن شدَّاد: الأعلاف الخطيرة ١/ ٢: ٤١.
(٢) فتوح البلدان ٢٦٥.
[ ١ / ٣٨١ ]
خِلَافَة الرَّشِيدِ فلم تَقْدِر عليها، وغَزَاهم الرَّشِيد فأشْجَاهُم وقَمَعَهُم. وقد سَمِعْتُ مَنْ يذكُر أنَّه كان مِع عَبْد الوهَّاب بن إبرَاهِيم، نَصْر بن مالِك، وكان نَصْر بن سَعْد الكَاتِب موْلَى الأنْصَار معَهُ أيضًا، وقال: [من الطّويل]
تَكَنَّفَكَ النَّصْرَان: نَصْرُ بن مالِكٍ … ونَصْرُ بنُ سَعْدٍ، عَزَّ نَصْرُكَ من نَصْرِ