وهي مَدِينَةٌ حَسَنَةُ البناءِ، صَحيحةُ الهَوَاء، كَثِيْرة المياه والأشْجَار، يانعَةُ البُقُول والثِّمَار، وأهلُها خِلَقٌ حَسَنَة، ويُقال إنها كانت مَدِينَة الكَهَنَة، ودُورها وأسْوارها مَبنيَّة بالحِجارَة، ولم تزل أسْوارها في أكْمل عمَارَة إلى أنْ حَصَرها المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أَيُّوب في سَنة [سَبْع وتِسْعِين وخَمْسِمائَة] (a).
ولَمَّا فتحَها خرَّب حِصْنها، وكان حِصْنًا مانِعًا، وهو الّذي حَصَرهُ بلك بن أُرْتُق وصاحبها إذ ذاك حَسَّان (^٢)، فقُتِلَ (^٣) عليها، وبقي السُّور على حالهِ، وإذا انْهَدم
_________________
(١) (a) بياض في الأصل و"ك" قدر سطر، والتعويض من: زبدة الحلب ٢: ٦١٨، وتاريخ ابن الفرات ٤/ ٢: ١٩٨، ٢٢٤، وفي الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ١٠٩: في رجب سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
(٢) منبج: مدينة من مدن محافظة حلب تتبع إليها العديد من القرى والنواحي، تقع على خط العرض ٣٦.٣١ والطول ٣٧.٥٧، إلى الغرب من جسر منبج، وهي مدينة قديمة بقرب نهر الفرات على بعد نحو ١٥ كم، وإلى الشمال الشرقي من حلب على بعد نحو ٨٠ كم، أو مسيرة يومين باعتبارات الجغرافيين القدامى، وتبعد عن ملطية أربعة أيام، وهي حصينة عليها سور قديم، وبقعتها في أرض منبسطة. انظر: ابن خرداذية: المسالك ٧٥، ابن الفقيه: البلدان ١٦٦، ١٨٠، اليعقوبي: البلدان ٣٦٣، (وفيه أنها على الفرات، وكلامه هذا على التقريب، إلا أن يكون خلط بينها وبين جسر منبج، إذ أن بينها وبين الفرات ١٥ كم)، قدامة: الخراج ١٧٧، ١٨٧، ابن رستة: الأعلاق النفيسة ٨٣، ١٠٧، الإصطخري: مسالك ٦٥، ٦٧، ابن حوقل: صورة الأرض ١٨٠ - ١٨١، ١٨٥، ١٨٧، المقدسي: أحسن التقاسيم ١٥٤، ١٩٠، الإدريسي: نزهة المشتاق ١: ٣٧٨، ٢: ٦٥١، ابن جبير: الرحلة ٢٢٣، ياقوت: معجم البلدان ٥: ٢٠٥ - ٢٠٧، ابن العديم: زبدة الحلب ١: ٣٤، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦٣، ٤١٢، أبو الفداء: تقويم البلدان ٢٧٠ - ٢٧١ (وكانت منبج وسورها خراب في زمنه)، أبو الفداء: اليواقيت والضرب ٣٠، الحميري: الرَّوض المعطار ٥٤٧، موستراس: المعجم الجغرافي ٤٦٨، زكرياء: جولة أثرية ٢١٧، طلاس: المعجم الجغرافي ٥: ٣٤٨ - ٣٥٠،٣٨٣ - ٣٧٧، N. ELISSEEFF، El ٢: Manbidj، Vi، pp
(٣) الأمير حسَّان بن كمشتكين التركي البعلبكي، ويقال: المنبجي (ت ٥٤٩ هـ)، وانظر خبر محاصرة بلك له في منبج وسجنه في ترجمته التالية (الجزء الخامس)، وأيضا عند ابن الأثير: الكامل ١٠: ٦١٩، ٦٥٠، ١١: ١٠٩ - ١١٠،، ابن العديم: زبدة الحلب ١: ٤١٤ - ٤١٦، النويري: نهاية الأرب ٢٧: ٧٧.
(٤) الذي قُتل: بلك بن بهرام بن أرتق، ومقتله سنة ٥١٨ هـ؛ أتاه سهم قتله، وتخلَّص حسان من سجنه. انظر المصادر المتقدمة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
منهُ شيء لا يُعْمر، فلمَّا مات المَلِك الظَّاهِر، جاء كَيْكَاوُس ملك الرُّوم وفي صُحْبته المَلِك الأفْضَل عليّ بن يُوسُف، أخو المَلِك الظَّاهِر، فاسْتولَى على المَدِينَة، ورَمَّ ما تَشَعَّثَ من سُورها، وفَتَحَ تلّ باشِر من يد ابن دَلْدرم، واسْتدعَى أتَابِك طُغْرِل المَلِك الأشْرَف مُوسَى بن المَلِك العادِل من حِمْص ليَدْفع كَيْكَاوُس، فجاء وخَرَجَ بعَسْكر حَلَب إلى الباب، واتَّفق للعَسكَرَيْنِ وَقْعَة أُسِرَ فيها جَمَاعة من أُمَراءِ الرُّوم، فانْدَفعِ كَيْكَاوُس عن البلادِ، فاسْتعادَها المَلِكُ الأشْرَف، فشَعَّثَ أتَابِك طُغْرِل سُور مَنْبِج عند ذلك تَشْعيثًا فاحشًا، وتداعَت أرْكانه، وبَني منهُ الخان الّذي جدَّده أتَابِك للسَّبيل، وهو موضع الحِصْن الّذي (a) خرَّبه المَلِك الظَّاهِر، وأخذَ أهل البَلَدِ من حِجَارَة السُّور أحْجارًا كَثِيْرة لعَمَائِرهمِ، فلم يبقَ منه إلَّا ما يمنَع الغَارة، وأمَّا البَلَد فإنَّه عَامِرٌ، آهِلٌ، كَثِيرُ الخَيْراتِ، ومَعايشهم وافرة جدًّا، لا سِيَّما في اسْتخراج ماء الوَرْد والخِلَاف (^١) والإبْرَيْسَم.
وكان اسْمُها أوَّلًا: سُرْياس، ثمّ سُمِّيت: أبروقليس، فسمَّاها كِسْرَى: مَنْبه، وعُرِّبت فقيل: مَنْبِج.
قَرَأتُ في تاريخ وقع إليَّ، ذَكَرَ جامعُه أنَّه انْتَسَخهُ من كُتُب شتَّى، ومن التَّوْراة اليُونانِيَّة والسُّرْيَانيَّة، ومن تاريخٍ للرُّومِ وغيرهم (^٢)، قال: وفي سَنة خَمْسين
_________________
(١) (a) " الذي" مكررة في الأصل.
(٢) شجر الخِلاف: الصَّفْصاف، وقيل: ضربٌ منه. لسان العرب، مادة: صفف.
(٣) لعله كتاب "العنوان المكلل بفضائل الحكمة، المتوَّج بأنواع الفلسفة، الممدوح بحقائق المعرفة"، لمؤلفه أغابيوس بن قسطنطين، الذي تسمية المصادر العربية: محبوب المنبجي (ق ٤ هـ/ ١٠ م)، وما أورده ابن العديم من أوصاف تدل على أنه هو المراد، وبرد في فاتحة كتاب المنبجي: "إعلم أن هذا الكتاب المبارك جمعه مصنفه وألفه من كتب الله المقدسة ومن كتب الفلاسفة والحكماء إلخ"، وقد أثنى المسعودي (التنبيه ١٥٤) على عمل المنبجي ووصفه بأنه "أحسن كتاب في تاريخ الملوك والأنبياء والأمم والبلدان". وإذا تقرر هذا، فإن نقل ابن العديم عنه - أو بواسطة غيره - كان على وجهٍ خاطئ ومُضْطرب، فإنَّ بختنصر (نبوخذ نصر) لم يحكم سوى ٤٥ سنة، والإشارة عنده تؤرّخه في سنة خمسين من حكمه، ثم =
[ ١ / ٢٣٨ ]
من مُلْكهِ - يعني مُلْك بُخْتَنَصَّر - قُتِلَ فِرْعَون الأعْرَج ملك مِصْر واسْمُه يُوياقيم (a)، قال: وكان فِرْعَون قد أحْرَق مَدينة مَنْبِج، ثمّ بُنِيت بَعْد ذلك، وسُمِّيت أبروقليس، وتفسيره: مَدِينة الكَهنَة.
أخْبَرَنَا أبو المُظَفَّر عَبد الرَّحِيم بن عَبد الكريم بن مُحمَّد بن منصور السَّمْعانيّ في كتابه إليَّ من مَرْو، قال: أخْبَرَنَا أبي أبو سَعد (^١)، إجازَةً إن لم يَكُن سَمَاعًا، قال: ومَنْبِج بناها كِسْرَى حين غلب على نَاحيةٍ من الشَّام ممَّا كان في أيْدِي الرُّوم، وسمَّاها مَنْبِه، وبنَى بها بيت نَار، ووكَّل به رجُلًا يُسمَّى يَزْدَانِيَار (b) من وَلد أَرْدَشِيْر بن بَابَك (c)، وهو جَدُّ سُليمان بن مُجَالِد الفَقِيه.
ومَنْبِه بالفارسيَّة: أنا أجود، فأَعْرَبت العَرَبُ مُنْبِه مَنْبِج، وقال: إنَّما سُمِّيت ببَيْت نَار مَنْبِه، فغلَب على اسْم المَدِينَةِ.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرنا أبو مَنْصُور مَوْهُوبُ بن أحمد بن مُحمَّد بن الخَضِر الجَوَالِيْقِيُّ، قال: ومَنْبِج اسم البَلد، أعْجَميُّ، وقد تكلَّمُوا به، ونسَبُوا إليه الثِّياب المَنْبَجَانِيَّةَ (d).
_________________
(١) (a) مهملة الأول، والإعجام من تاريخ الطبري ١: ٥٣٦، والعبر لابن خلدون ٣: ٢٥٩ - ٢٦٠ (ضمن مشجر بني داود)، وفي تاريخ ابن الوردي ١: ٤٤: يهوياقيم. (b) أنساب السمعاني: يزداينار، وعند ابن شداد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ١٠٦: يزدجرد. (c) أنساب السمعاني: نائب. (d) كذا بفتح الباء، وهي نسبة على غير قياس، وكلام ابن الجواليقي مثبتٌ بنصه في كتابه المُعرَّب من الكلام الأعجمي ٣٢٥. = إن اسم يوياقيم (أو يواقيم) هو اسم لأحد ملوك بني إسرائيل وليس اسم لفرعون (انظر تاريخ الطبري ١: ٥٣٦). ونص كلام المنبجي: "وفي سنة خمسة من مُلك يواقيم، قتل بختنصر فرعون الأعرج، ملك مصر، … وفي ذلك الزمان خرب فرعون مدينة منبج التي كانت على الفرات فلما بنيت ثانية سُمِّيت إيروبولس، أعني مدينة الكُهَّان". انظر Agapius de Menbidj: Kitab Al - Unvan، Vol ll/l. ٦٧ - ٦٦ Pp، وتاريخ ابن الوردي ١: ٤٥.
(٢) السمعاني: الأنساب ١٢: ٤٤٠.
[ ١ / ٢٣٩ ]
قُلت: ويُقال الأَنْبَجانِيَّة أيضًا، وقد جاءَ في الحديث: [أتُوْني بأنْبجَانِيَّة أبي جَهْمٍ] (a).
وقال: أبو زَيْد أحمَد بن سَهْل البَلْخيّ، في كتاب صُورة الأرض والمُدُن (^١): وأما مَنْبِج فهي مَدِينةٌ في بَرِّيَّة، الغَالِب على مَزَارعها الأعْذَاءُ، وهي خِصْبَة. وبقُربها سَنْجَة (^٢)، وهي مَدِينَةٌ صَغِيرَة، بقربها قَنْطَرَة حِجارَة، تُعْرفُ بقَنْطَرة سَنْجة، ليسَ في الإسْلام قَنْطَرَة أعْجب منها.
وقَرَأت في كتاب أحْمد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ، في المَسَالِك والمَمَالِك (^٣)، في الطَّريق من بلاد الرُّوم إلى الشَّام في بعض مَسَالكه، قال: ثمّ ارْجع إلى الحوزة (b)، فمنها طريق إلى بُحيَرَة سماطى ثمّ بعَقَبة بيغاس (^٤)، إلى علُّو وهي الفُرَات، ثمّ إلى سُرْياس وهي مَنْبِج.
_________________
(١) (a) ما بين الحاصرتين بياض في الأصل مِقْدَاره أزيد من نصف سطر، والمدرج من حديث متفق عليه، أخرجه مسلم في صحيحه ١: ٣٩١ (رقم ٦١، ٦٢)، وصحيح ابن حبان ٦: ١٠٦. (b) في "ك": الحورة.
(٢) البلخي: صور الأقاليم ورقة ٢٤ أ.
(٣) سَنْجة: مدينة صغيرة تقع قريبًا من كيسوم، موضعها من نواحي بهنسي وكيسوم، وجعلها كل من الإصطخري وابن حوقل - خطأ أو على التقريب - بقرب مَنْبِج، ونهر سنجة يسمى الآن "بُلَم صو" وعليه قنطرة من عجائب الدنيا يضرب المثل بها، مبنية بالحجر المشذب، تسمى قنطرة سنجة. انظر: ابن الفقيه: البلدان ١٠٩، ١٥٦، ٥١٧، الإصطخري: مسالك ٦٢، ابن حوقل: صورة الأرض ١٨١ المسعودي: التنبيه ٦٤، مجهول: حدود العالم ١٧٥، الإدريسي: نُزهة المشتاق ٢: ٦٥١، ياقوت: معجم البلدان ٣: ٢٦٥، ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ١٠٥، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٤١٢، لسترنج: بلدان الخلافة ١٥٦.
(٤) كتاب المسالك والممالك للسرخسي (ت ٢٨٦ هـ) من الكتب التي لم تصلنا، ذكره ابن الساعي وابن أبي أصيبعة في تعدادهما لكتب ابن الطيب السرخسي، ونقل عنه ابن العديم في العديد من المواضِع في هذا الجزء، وأعاد ذكر الكتاب في ثنايا ترجمته لابن الطيب السرخسي (الجزء الثاني)، قال: "ووقَفت على كتاب المسالك والممالك من تَصنيف أحمد بن الطَّيِّب، وقد أوْردت منه فوائد في صَدْر كتَابنا هذا في ذكر البُلدان المُتَعِلّقة بحلب". انظر: ابن الساعي: الدر الثمين ٢٦٣، ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء ٢٩٤.
(٥) مهملة الأول والثاني، وتأتي فيما بعد برسم بغراس، وهي عقبة في طريق الثغور يقال لها أيضًا: عقبة النساء.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وذكَر أحْمدُ بن أبي يَعْقُوب بن وَاضِح الكَاتِب، في كتاب البُلْدان، في تَعْدَادِ كُوَر جُند قِنَّسْريْن والعَوَاصِم، فقال (^١): وكُورة مَنْبِج وهي مَدِينَةٌ قديمَةٌ، افْتُتِحَت صُلْحًا، صَالَح عليها عَمْرُو بن العَاصِ وهو من قِبَلِ أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، وهي على الفُرَاتِ الأعْظَم، وبها أخْلَاطٌ من النَّاس من العَرَب والعَجم، وبها مَنازل وقُصُور لعَبْد المَلِك بن صالح بن عليّ الهاشِميّ.
قُلتُ: قوْله: وهي على الفُرَات، خَطَأٌ؛ لكنَّ جِسْر مَنْبِج (^٢) على الفُرَات.
وقيل: إنَّ عِياض بن غَنْم فَتَحَ مَنْبِج صُلحًا على مِثل صُلْح حَلَب.
وذكَر البَلاذُرِيُّ، قال (^٣): ولم تَزَل قِنَّسْرِيْن وأَنْطاكِيَة ومَنْبِج وذَواتها جُنْدًا، فلمَّا اسْتُخلف هارُون بن المَهْدِي أفْرَد قِنَّسْرِين بكُورها فصَيَّرِ ذلك جُنْدًا واحدًا، وأفرد مَنْبِج ودُلُوْك ورَعْبَان وقُورس وأَنْطاكِيَة وتِيْزِيْن، وسَمَّاها العَوَاصِم؛ لأنَّ المُسْلِمِينُ يَعْتَصِمُون بها، فتَعْصمَهم وتَمْنَعهم إذا انْصَرفوا من
_________________
(١) ضمن الضائع من كتاب ابن واضح اليعقوبي.
(٢) جسر منبج، وهي أول مدينة ثغرية تقع في أقصى جهة الشرق من جند قنسرين، وهي مدينة صغيرة تقع غربي نهر الفرات، في سهول حلب الشرقية، وشمال شرقي مدينة حلب على بعد ١١٥ كم، وتبعد عن منبج نحو ٣٠ كم إلى جهة الشرق منها، وعن بالس أربعة أيام، وهي مدينة حصينة، وذكر البلاذري أن الجسر استحدث في خلافة عثمان بن عفان لمرور الصوائف، وتسمى الآن قلعة النجم، وقد وهم الشريف الإدريسي بالقول إن قنطرة سنجة هي ذاتها جسر منبج، ونهر سنجة يرفد الفرات قريبًا من سميساط، وبين جسر منبج وسميساط مسافة بعيدة. انظر: المسعودي: التنبيه ٣٨٥، الإصطخري: مسالك ٦٢، ٧٦، ابن حوقل: صورة الأرض ١٨١، ٢١٠، ٢٢٧، الإدريسي: نُزهة المشتاق ٢: ٦٥١، ابن سعيد: بسط الأرض ٨٨، ياقوت: معجم البلدان ١: ٣٢٨، ٤: ٣٩١، ابن شدَّاد، الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ١١٠ - ١١١، الوطواط: مناهج الفكر ١: ٣٦٣، لسترنج: بلدان الخلافة ١٣٩، زکرياء: جولة أثرية ٢٣٢، موستراس: المعجم الجغرافي ٤٦٩، طلاس: المعجم الجغرافي ٥: ٤٠٦ - ٤٠٧، محمود شيث خطاب: بلاد الجزيرة قبل الفتح وفي أيامه ٣٤.
(٣) فتوح البلدان ١٨٠.
[ ١ / ٢٤١ ]
عدوِّهم (a) وخَرجوا من الثُّغُور، وجَعل مَدِينَة العواصم مَنْبِج، فسَكَنها عَبْدُ المَلِك بن صالِح بن عليّ في سَنة ثلاثٍ وسَبْعِين ومائة، وبنَى بها أبْنيتَهُ.
وذكَر قُدامة في كتاب الخَرَاج (^١) نحوًا من ذلك.
وقَرَأتُ في كتاب ابن حَوْقَل النَّصِيْبِيّ (^٢): مَدينة مَنْبِج، وهي خِصْبَة، كَثِيْرة الأسواق، قَدِيمةٌ، عظيمة الآثار، وهي ذات سُورٍ أزَليٍّ رُوميٍّ، وبقُربها أيضًا مدينة صَنْجة (b)، وهي مَدِينَةٌ صَغِيرةٌ، بقُرْبها قَنْطَرَة حِجَارَة تُعْرفُ بقَنْطَرَة صَنْجة، ليس على الإسْلام أعْجب بناءً منها، يقال: إنَّها من عجائب الزَّمان.
قال (^٣): وجِسْر مَنْبِج مَدينةٌ صَغيرةٌ، لها زرْع سَقي ومَباخِس، وماؤُهَا من الفُرَاتِ، حَصِيْنة، وزروعُها سَقي، نَزِهَةٌ، ذاتُ مياهٍ وأشْجارٍ، وهي قريبةٌ من الفُرَاتِ، وقد قاربَت أن تَخْتَلَّ وتَخْرَب.
قال البَلاذُريُّ في كتاب البُلْدانِ (^٤): وقَرْيَة جِسْر مَنْبِج، ولم يكن الجِسْر يومئذٍ، إنَّما اتُّخِذَ في خِلَافَة عُثْمان بن عَفَّان ﵁ للصَّوَائَف، ويُقال: بل كان لَهُ رَسْمٌ قديم.
وقال (^٥): قالوا: وأتى أبو عُبَيْدَة حَلَب السَّاجُور، وقدَّم عِيَاضًا إلى مَنْبِج، ثمّ لحقَهُ وقد صَالح أهلَها على مِثل صُلْح أَنْطاكِية، فأنفَذَ أبو عُبَيْدَة ذلك.
_________________
(١) (a) فتوح البلدان: من غزوهم. (b) تقدم ذكرها بالسين، وهما لغتان فيها، والذي في نشرة ابن حوقل بالسين.
(٢) قدامة: الخراج ٢٩٩.
(٣) صورة الأرض ١٨١، وتختلف النسخة التي ينقل عنها ابن العديم قليلًا عن النشرة المتداولة الآن.
(٤) صورة الأرض ١٨١، وفيه اختلاف يسير.
(٥) فتوح البلدان ٢٠٥
(٦) فتوح البلدان ٢٠٤
[ ١ / ٢٤٢ ]
قَرَأت بِخَطِّ عليّ بن هِلال الكَاتب، المَعْرُوفُ بابنِ البَوَّاب: لمَّا دَخَلَ الرَّشيد مَنْبِج، قال لعَبْد المَلِك بن صالح. وكان أوْطَنَها -: هذا منزلُك؟ قال: هو لك، ولي بك، قال: كيف بناؤه؟ قال: دُون منازل أهْلِي، وفَوْقَ مَنازل النَّاس، قال: فكيف طِيْب مَنْبِج؟ قال: عَذْبَةُ الماء، غَذِيَّةُ الهواءِ، قليلةَ الَأدْوَاء، قال: فكيف ليلُهَا؟ قال: سَحَرٌ كُلُّهُ (^١).
وفي رواية أُخْرى من غير خَطِّ ابن البَوَّاب، قال: إنَّها لطَيِّبة؟ قال: بك طابَتْ، وبك جَمُلَتْ (^٢).
وقَرَأتُ في تاريخ مُحمَّد بن الأزْهَر الكَاتِب (^٣): يقال إنَّ الرَّشِيد لمَّا وَصَلَ مَنْبِج، قال: لَهُ - يعني لعَبْد المَلِك بن صالح: كيف مَدِينتكَ؟ قال: عَذْبَةُ الماءِ، بارِدةُ الهَواءِ، صُلْبَةُ المَوْطَأِ، قليلَةُ الأدْوَاءِ، قال: كيف ليلُهَا؟ قال: سَحَرٌ كُلُّه.
وقال له يَوْمًا: يا أبا عَبْد الرَّحْمن؛ ما أحْسَن بلادَكُم! قال: وكيف لا يكون ذلك، وهي بَرِّيَّة حَمْراءُ، وشملةٌ صَفْراءُ، وشجرةٌ خَضْراءُ، فيافي فُيُّح، وجِبَال وُضَّح. فالْتَفتَ الرَّشِيدُ إلى الفَضْلِ بن الرَّبْيِع فقال له: ضَرْبُ السَّوْط أسْهل من هذا الكلام!.
_________________
(١) انظر محاورة الرشيد وعبد الملك بن صالح عند: المسعودي: مروج الذهب ٤: ٢٧١، الآبي: نثر الدر ١: ٤٤٦، ياقوت: معجم البلدان ٥: ٢٠٦، ابن العديم: زبدة الحلب ١: ٧١، ابن شداد، الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ١٠٥، أبو الفداء: اليواقيت والضرب ٥١، الحميري: الروض المعطار ٢٧١.
(٢) انظره عند الثعالبي: ثمار القلوب ٥١٣، العسكري: المصون في الأدب ٢١٧.
(٣) يسمي ابن العديم كتاب ابن الأزهر هذا باسم: كتاب الأحداث، ونقل عنه في مواضع عديدة، إضافة إلى كتاب آخر في التاريخ لابن الأزهر اشترك في تأليفه مع عبد الله بن الحُسَيْن الكاتب المعروف بالقطربلي، أمَّا ابن الأزهر - أو ابن أبي الأزهر، حسبما يرد ذكره في بعض المصادر - فيشترك اسمه مع أسماء اثنين آخرين لهما كتب في التاريخ، هما: أبو عبد الله بن محمد الأزهر الأخباري (وفيات الأعيان ٦: ٤٠٢ - ٤١٥)، وأبو بكر محمد بن أحمد بن أبي الأزهر البوسنجي (ت ٣٢٥ هـ)، ولم تقطع المصادر بنسبة كتاب الأحداث لأيّ واحد من هؤلاء الثلاثة. انظر تفصيل ذلك عند: إحسان عباس: شذرات من كتب مفقودة ٢١ - ٢٧. وانظر ما يقارب رواية ابن الأزهر - المذكورة أعلاه - في المصادر التي تقدمت في الرواية قبلها، فيما ورد بخطّ ابن البوَّاب.
[ ١ / ٢٤٣ ]
أنْبَأنَا أحْمد بن عَبْد الله الأسَدِيّ، عن الحَافِظ أبي طَاهِر الأصْبَهَانِيّ، عن أحمد بن مُحمَّد بن الآبِنُوسِيّ، عن أبي الحُسَيْن أحمد بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عبُيَد الله المُنَادِي، قال: يُقال (^١): إنَّ ما من بناءٍ بالحِجَارَة أبْهَى (a) من كَنِيْسَة الرُّهَا، ولا بناءٌ بالخَشَب أَبْهَى من كَنِيْسَة مَنْبِج؛ لأنَّها بطاقات من خَشَب العُنَّابِ، ولا بناءٌ بالرُّخَامِ أبْهَى من قُسْيَان أَنْطاكِيَة، ولا بناءٌ بطاقاتِ الحِجَارة أبْهَى من كَنِيْسَة حِمص، ولا بناء بالآجُر والجِصِّ أبْهَى من إِيْوَان كِسْرى بالمَدَائن، ولا منارةٌ أعْجب بناءً من مَنارة الإسْكَنْدَرِيَّة.
نَقَلْتُ من خَطِّ أبي جَعْفَر أحمد بن جُبَيْر في رِحْلَته (^٢): ذِكْرُ مدينة مَنْبِج، حَرَسها الله: بلدةٌ فَسيحة الأَرجاء، صَحِيْحة الهَواء، يَحْويها (b) سُورٌ عَتِيق، مُمتَدّ الغاية والانْتهاء، جَوُّها صَقيل، ومُجْتَلَاها جَمِيل، ونَسيْمها أرِج النَّشْر عَليل، نَهارها يَنْدى ظِلُّه، وليلُهَا - كما قيل فيها - سَحَرٌ كُلُّه، يَحفٌّ بغربيِّها وشرقيِّها بَساتِيْن مُلْتَفَّة الأشْجار، مُختلفَة الثِّمَار، والماء يَطَّرد فيها، ويتخَلَّل جميعَ نَواحِيها.
قَرَأتُ في رسالة أبي المُظَفَّر إبْرَاهِيْم بن أحمد بن اللَّيْث الأذْريّ (^٣)، بخَطِّ أبي طَاهر السِّلَفِيّ الحافظ: ورحلنا منه - يعني من نَهر السَّاجُور - إلى مَنْبِج، فرأيته ثَغْرًا قد تشَعَّثَ سُورُه، وبَلَدًا قد اخْتَلَّت أُمُوره، إلَّا أنِّي رأيتُ لهُ ظاهِرًا حَسنًا أدِيْمهُ، وجَوًّا طيِّبًا نَسِيْمهُ، فلم أَلُمْ صديقَنَا الطَّائِيّ (^٤) على قَوْلِه: [الكامل]
في نِعْمةٍ أوْطَنْتُها وأقمتُ في … أفْيَائها فكأنَّني في مَنْبِج
_________________
(١) (a) قيدها في الأصل حيثما ترد: أبهأ؛ بهمز في آخرها، وتقدم التعليق عليها. (b) كذا في الأصل، وعند ابن جبير: يحف بها.
(٢) تقدم بعض كلام ابن المنادي في الكلام على أَنْطاكِيَة، ونَسَب ابن الفقيه هذا القول للروم، وأورده في كتابه البلدان ١٨٠.
(٣) رحلة ابن جبير ٢٢٣.
(٤) زار إبراهيم بن أحمد بن الليث الأذري بلاد الشام في سنة ٤٣٢ هـ، ونزل بحلب، وكتب رسالة لبعض الكُتَّاب بأصبهان، يذكر فيها مَن لقي من العلماء، وينقل ابن العديم عن هذه الرسالة في العديد من المواضع.
(٥) يقصد البحتري، انظر البيت في ديوانه ١: ٤٠٥.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ولأبي فِرَاس الحَارِث بن سَعيد بن حَمْدان التَّغْلِبيّ يَصفُ مُنْتَزَهات مَنْبِج، وقد أنْشَدَنا بعض قوْله والدي ﵀، قال: أنْشَدَنا أبو المُظَفَّر سَعيد بن سَهْل بن مُحمَّد الفَلكِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحمد بن مُحمَّد، قال: أنْشَدنا أبو مَنْصُور بن طَاهِر، قال: أنْشَدَنا مُحمَّدُ بن عُمَر المُتكلِّم، قال: أنْشَدنا أبو فِرَاس لنَفسه، فذكَرَ بيْتَين من شعره، والأبيات (^١): [من مجزوء الكامل]
قِف في رُسُوْمِ المُسْتَجَا … ب وَحَيِّ أكْنَافَ المُصَلَّى
فالجَرْس فالمَيْمُوم (a) فَالسُّـ … ــقْيا بها فالنَّهْرُ الأعْلى
تِلكَ الملاعب والمَنَا … زِلُ لا أرَاها اللهُ مَحْلا
حيثُ الْتَفَتَّ وجَدَّتَ (b) مَا … ءً سَائِحًا وسَكَنْتَ ظِلَّا
تَرَ (c) دار وادي عَين قَا … صِرَ مَنْزلًا رَحْبًا مُطِلَّا
وتَحُلُّ بالجِسْر الجِنَا … نَ وتَسْكُنُ الحِصْنَ المُعَلَّى
يَجْلُو (d) عرائِسُهُ لَنَا … مَرْجٌ أحسَّ (e) العَيش سَهْلَا
والماءُ يَفْصِلُ بَين زَهْـ … ــرِ الرَّوْضِ في الشَّطَّين فَصْلَا
كبسَاطِ وَشْيٍ جَرّدَتْ … أيْدِي القُيُون عليه نَصْلَا
السُّقْيَا: قَريةٌ كثيرة المياه والبَسَاتين على باب مَنْبِج، هي وقفٌ على بني البُحْتُرِيّ الشَّاعر، وهي في أيْدِيهم إلى الآن (f).
_________________
(١) (a) الديوان: فالجوسق الميمون، ياقوت: معجم البلدان ٣: ٢٢٨: فالجُرْس فالميمون. (b) الديوان: رأيت. (c) في الأصل: نر. (d) في الأصل: يحلو، وفي الديوان: تجلو. (e) معجزه في الديوان يتبع البيت الذي يليه، وروايته: اجتنينا العيش سهلا. (f) كتب ابن العديم هذا التعريف بقرية السقيا في هامش النسخة توضيحًا لما ورد في البيت الثاني من قصيدة الحمداني.
(٢) ديوان أبي فراس الحمداني ٢٣٩، ابن شداد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ١٠٥.
[ ١ / ٢٤٥ ]
قُلتُ: وجِسْر مَنْبِج الآن تحت قَلْعَة نَجْم، وهي قَلْعَة صَغِيرَة على الفُرَات، والجِسْر في ذَيْلها، وهي قَلْعَة حسنَةُ المَنْظر، مَحْمُودة المَخْبَر، كان لها رَبَضٌ صَغير، ومَسْجِدٌ لطيفٌ، فأقْطعَها المِلِكُ الظَّاهِر بَدْر الدِّين أَيْدَمُر عَتِيقَهُ عند مَوْته، وأخذَ ولاية قَلْعة حَلَب منه، فَعَمَرها، وبَنى في الرَّبَض مَسْجِدًا جامعًا، وجَعَل فيهِ مِنْبَرًا وخَطيبًا، وبنَي سُوقًا حَسنًا، فعَظُم الرَّبَض، ورَغِب النَّاس في المَقام فيهِ، وعُوِّض عن قَلْعَة نَجْم باللَّاذقِيَّة، وجُعل في القَلْعَة والٍ من جهة السُّلْطَان المَلِك النَّاصِر، أعزَّ الله نَصْره، وفي البَلَدِ وَالٍ، فكَثُرت العَمَائِر في الرَّبَض، وبُنيت فيه منازل كَثِيْرة، فاتَّسَعت أرجاؤُه، وكثُر بناؤُه، وصَار مِصْرًا من الأمْصَار، ومَقْصَدًا للمَعاشِ من سائر الأقْطار.
والقلعة مَنْسُوبة إلى نَجم غُلَام جِنِّي الصَّفْوَانيِّ، وكانت لبني نُمَيْر، وآخر مَنْ كان بها مَنْصُور بن الحَسَن بن جَوْشَن بن مَنْصُور النُّمْيرِيّ، من ولد الرَّاعِي عُبَيْد بن الحُصَيْن الشَّاعر، فقُتِل مَنْصُور وأُخِذَت القَلْعَة منهم، وخَلَّف ولدًا اسمهُ نَصْر، فأضَرَّ وعُمره أربع عشرة سنة، وقال الشِّعْر، وانْتَقل إلى بَغْدَاد بعد أنْ تغلَّب التُّرْك على ديارهم، فقال ولده يَذْكُر أباه، وأنْشَدَنيها أبو الحَسَن المُبارك بن أبي بَكْر بن مَزْيد الخَوَّاص البَغْدادِيّ بها عَنْهُ: [من الكامل]
لا تبعدَنَّ حسام دَوْلَةِ عَامِرٍ … من لَيْثِ مَلْحَمَة وغَيْث عَطَاء
أنْحَى على شمْلِ العَشِيْرَة بعده … ريبُ الزَّمان بفُرقةٍ وتناء
وَسَنَذْكُر تَرْجمة نَصْر (^١) في الأسْماء إنْ شَاء اللهُ تعالى.
وقد ذكَرها القَاضِي الفَاضِل عَبْد الرَّحِيْم بن عليّ بن البَيْسَانِيّ في بعض رَسائله فقال (^٢): وجئنا قَلْعَة نَجْم، وهي نَجْم في سحاب، وعُقَاب في عِقَاب، وهَامَة لها الغمامَة عَمامَة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قُلامَة.
_________________
(١) ترجمة نصر بن منصور الخيري في الضائع من أجزاء الكتاب.
(٢) هذا النص مما يستشهد به على بلاغة التشبيه؛ أورده الصفدي: نصرة الثائر على المثل السائر ٢٦٨، والنويري: نهاية الأرب ١: ٤٠٢، ٨: ٢، (وفيه بقية الرسالة).
[ ١ / ٢٤٦ ]