قيل: إنَّ أَمِيرَ المُؤمِنِين هارُون الرَّشِيد، رَحْمة الله عليه، كانَ وَرَدَ أَنْطاكِيَةُ، فاسْتَطابَها جدًّا، وَهَمَّ بالمَقام فيها، وكَرِهَ ذلك أهْلُها، فقال له شيخٌ منهم، وصَدَفهُ (a) عن الصُّورة: يا أَمِير المُؤمِنِين؛ ليْسَت هذه مِنْ بُلدانك، قال: وكيف؟ قال: لأنَّ الطِّيْبَ الفاخِرَ يتَغيَّر فيها حتَّى لا يُنْتَفع به، والسِّلاح يَصْدَأُ فيها، ولو كان من قَلْعِ الهِنْد، فتركَها ورَحَلَ عنها.
ويُقال: إنَّ أَنْطاكِيَةُ كَثِيْرة الفَأْر، وقد ذَكَر ذلك أبو عَمْرو القَاسِم بن أبي دَاوُد الطَّرَسُوسِيّ في أُرْجُوزَةٍ له، فقال في ذكر أَنْطاكِيَةُ: [من الرجز]
والبَقُّ لا يَدْخلُها ويَتَّصل … لكن بها فأرٌ عظيمٌ كالوَرَل
_________________
(١) (a) في الأصل: وصَدّقهُ، فخففها بإزالة الشدة، وشطب إحدى نقطتي القاف: وصَدَفه. وعند ابن الفقيه (البلدان ١٦٥)، وابن شداد (الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٨٨): وصَدَقَه، والصواب ما أثبت بالفاء؛ أي أمالَه عن وجهته وجعله يعرض عنها، يقال أصْدَفني عنه كذا أيَّ: أمالني، وصَدَفَ عنه: عدل وأعرض. لسان العرب، مادة: صدف.
(٢) سورة يس، الآيتان ٢٦ - ٢٧.
[ ١ / ٢٢٥ ]
أنْبَأنَا عَبْد المُحْسِن بن عَبْد الله الخَطِيب، عن أبي عَبْد الله الحُسَيْنُ بن نَصْر بن خَمِيْس، قال: أخْبَرَنَا أبو المَعَالِي ثابتُ بن بُنْدَار بن إبْرَاهِيْم البَقَّال، قال: أخْبَرَنَا أبو عَليّ الحَسَن بن الحُسَيْنُ بن دُوْمَا النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو عَليّ مُحمَّد بن جَعْفَر بن مَخْلَد البَاقَرْحِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحمَّد الحَسَن بن عَلُّويَة القَطَّان، قال: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْل بن عِيسَى العَطَّار، قال: حَدَّثَنَا إسْحَاق بن بِشْر أبو حُذَيْفَة، عن ابن سَمْعَان، قال: بلَغَني عمَّن له علمٌ بالعِلْم الأوَّلِ أنَّ كُلّ رجُل بعثَهُ سَمْعُون بعد عِيسَى إلى أُناسٍ أو بَلْدةٍ، أقام عندَهُم حتَّى ماتَ في بلادهم، واتَّبَعُوه ما خلا يُحْنَّى وتُومان؛ بُعثَا إلى أَنْطاكِيَةُ فلم يُجيبُوهما، وقَتَلُوا مَنْ آمنَ بهما واتَّبَعَهُما، وَعَدَوا عليهما، وأرادُوا قَتْلَهُما، وقَتَلُوا حَبِيبًا النَّجَّار، فأخذَهُم اللهُ بالصَّيْحَة. وكانت أوَّل مَدِينَة أَهْلكَها اللهُ بعد عِيسَى أَنْطاكِيَةُ.
قال أبو حُذَيْفَة إسْحَاق بن بِشْرٍ: وقال الحَسَنُ: إنَّ مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ من مَدائِن جَهَنَّم.
قُلتُ: ظَنَّ أبو حُذَيْفَة أنَّ الحَسَن أرادَ بقوله: إنَّ مَدِينَة أَنْطاكِيَةُ من مَدَائِن جَهَنَّم، أَنْطاكِيَةُ الشَّام، فذَكَر ذلك عَقِيبَ ذِكْر حبيب النَّجَّار وأخذ أهل أَنْطاكِيَةُ بالصَّيْحة، وليس الأمر كذلك؛ بل المُراد من أَنْطاكِيَةُ التي ذكَرَها الحَسَن: أَنْطاكِيَةُ المُحْتَرِقة، وهي أَنْطاكِيَةُ الرُّوم، لِمَا نَذْكره ونُبَيِّنَهُ، وأخْذ أهل أَنْطاكِيَةُ بالصَّيْحة لعُتُوِّهم وتَكْذيبهم، لا يدُلُّ على عَدَم الفَضِيْلة، فإنَّ مَكَّة أشْرَف البِقَاع وقد كذَّب أهلُها رسُول الله ﷺ، فانْتَقَم الله منهم، ونصَره عليهم، بل عُقُوبَة الجاني في الموضِع الشَّريف ألْيَق بحال الجاني، ألَا ترَى إلى أصْحاب الفِيْل كيف انْتَهَكُوا حُرْمَة الحَرَم؟ فأهلكَهُم اللهُ تعالَى كما أَخْبَر في كتابهِ بقَوْله تعالَى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ (^١)، فكان ذلك
_________________
(١) سورة الفيل، الآيات ٣ - ٥.
[ ١ / ٢٢٦ ]
زِيَادة في شَرف الحَرَم، فهذا فيما نحن فيه. ألَا تَرى إلى ما حَكيناهُ فيما تقدَّم من تَسْميتها مَدِينَة الله، أنَّه لَمَّا خُسِفَ بها رأي رجُلٌ صالِحٌ في نَوْمهِ قائلًا يقول: تكتبُ على أبْواب المَدِينَة: الله معنا، فسُمِّيت مَدِينَة الله.
والدَّليلُ على أنَّ المُراد بقول الحَسَن: أَنْطاكِيَةُ الرُّوم، ما أخْبَرَنَا الشَّيْخ الإمام أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (^١)، قال: أخْبَرَنَا أبو الحُسَيْنُ عَبْد الرَّحْمن بن عَبْد الله بن الحَسَن بن أبي الحَدِيْدِ، قال: أخْبَرَنَا جَدِّي أبو عَبْد الله، قال: أخْبَرَنَا أبو المُعَمَّر المُسَدَّد بن عليّ بن عَبْد الله بن العبَّاس بن أبي السّحيس (a) الحِمْصِيّ، قَدِمَ علينا، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر مُحمَّد بن سُلَيمان بن يُوسُف الرَّبعِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحمَّد عَبْد الرَّحْمن بن إسْمَاعِيْل الكُوْفيّ، قال: حَدَّثَنَا إدْرِيس بن سُلَيمان بالرَّمْلَةِ، قال: حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمن بن خَالِد بن حَازِم، قال: حَدَّثَنَا الوَلِيد بن مُحمَّد، عن الزُّهْرِيّ، عن سَعيد بن المُسَيَّب، عن أبي هُرَيْرَة قال: قال رسُول اللهِ ﷺ (^٢): أرْبَعُ مَدَائن في الدُّنْيا من الجَنَّة: مَكَّة والمَدِينَة وبَيت المَقْدِس ودِمَشْق، وأرْبع مَدَائِن من النَّار: رُوْمِيَّة وقُسْطَنْطِينِيَّة وأَنْطاكِيَة وصَنْعاء. قال إِدْرِيس: يعني أَنْطاكِيَةُ المُحْتَرِقة.
وقد جاءَ في رِوَايَة أُخْرى مُصرَّحًا في الحَدِيْثِ بأنَّها أَنْطاكِيَةُ المُحْتَرِقة؛ أخْبَرَنَا بذلك الفَقِيه (b) العالم شَرَف الدِّين أبو مَنْصُور عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الحَسَن الدِّمَشْقِيّ بها، قال أخْبَرَنَا عَمِّي (c) أبو القَاسِم بن أبي مُحمَّد، قال: أخْبَرَنَا أبو عَليّ
_________________
(١) (a) كذا في الأصل وك، وفي تاريخ ابن عساكر (٣٣: ٣٠١) بالجيم المعجمة: السجيس. (b) كلمة غير واضحة، والاستدلال عليها من تكرار الأخذ عنه في بقيَّة أجزاء البغية. (c) قوله: "أخْبَرَنَا عمي" غير واضحة في الأصل، ووجه الاستدلال عليها كسابقتها.
(٢) تاريخ ابن عساكر ١: ٢٢٠.
(٣) الربعي: فضائل الشَّام ٢٨ (رقم ٥٣) وفيه: "من مدائن النار".
[ ١ / ٢٢٧ ]
الحَسَنُ بن المُظَفَّر بن السِّبْط، وأبو عَبْد الله الحُسَيْن بن مُحمَّد بن عَبْدِ الوهَّاب البَارع ببَغْدَاد، وأُمُّ البَهَاء فاطِمَةُ بنتُ عليّ بن الحُسَيْن العُكْبَرِيَّة بدِمَشْق، قالوا: أخْبَرَنَا أبو الغّنائِم مُحمَّد بن عليّ بن عليّ بن الدَّجَاجيّ، قال: أخْبَرَنَا عليّ بن عُمَر بن مُحمَّد الحَرْبِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو السَّرِيّ سَهْل بن يَحْيَى. وقال ابنُ السِّبْط: ابن يَحْيَى بن سَبَأ الحَدَّاد - قال: حدَّثنا سَعيدُ بن عُثْمان الرَّازيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِد بن يَزِيد، عن مُحمَّد بن مُسْلِم الطَّائِفيّ، عن مُحمَّد بن مُسْلِم الزُّهْرِي، عن سَعيد بن المُسَيَّب، عن أبي هُرَيْرَة، قال: قال رسُول اللهِ ﷺ (a): أربع مَدَائن من مَدَائن الجَنَّة، وأرْبَع مَدَائن من مَدَائِن النَّار، فأمَّا مَدَائن الجنَّة: فمَكَّةُ والمَدِينة وبَيتُ المَقْدِس ودِمَشْقُ، وأمَّا مدائن النَّار: فالقُسْطنطينيَّة وطَبَرِيَّة وأَنْطاكيَّة المُحْتَرِقة وصَنْعاء.
وذكَر أحمد بن يَحْيَى بن جابر البَلاذُرِيّ (^١): أنَّ أَنْطاكِيَة المُحْتَرقة ببلادِ الرُّوم، أحرقَها العبَّاس بنُ الوَلِيد بن عَبْد المَلِك.
وقال أبو عَبْدِ الله السَّقَطِيّ: ليس هي صَنْعاء (اليَمَن) (b) وإِنَّما هي صَنْعاءُ بأرض الرُّوم.
وقد جاءَ في رِوايَةٍ أخْرى بدل طَبَرِيَّة: الطُّوَانة؛ وهو الصُّحيحُ.
_________________
(١) (a) الربعي: فضائل الشام ٢٩ (رقم ٥٤) وفيه "بدل طبرية: "الطوانة"، وورد في هامش الصفحة نص بخط عسر القراءة ومباين لخط النسخة، منه: "قال لي بعض الثقاة: أنه لما عمر سور حلب وجد فيه أثر عظم مطروح إلى … تحت الأرض داخل … سور … ثم ولما كان ملك طم بعضه وهو معمول بالحجار معقود على حجارة وفي وسطه أبواب [أو: أوان] حديد صغار ومالك وحفائر … ". (b) كلمة أفسدتها الرطوبة في الأصل، والتعويض منك ومن فضائل الشام للربعي ٢٩، وتاريخ ابن عساكر ١: ٢٢١، وتهذيبه البدران ١: ٤٧.
(٢) فتوح البلدان ٢٣٣.
[ ١ / ٢٢٨ ]
قَرَأتُ في كتاب الحَافِظ لمَعَارف حَرَكات الشَّمْس والقَمر، والأقالِيْم وأسماء بُلدانها، تأليفُ أبي الحُسَيْن أحمد بن جَعْفَر بن مُحمَّد بن عُبيد الله المُنَادي، وأظُنُّه بخَطِّه، والنُّسخة مقرُوءة عليه، قال: بَلَغَنا عن يزيد بن عبد الله الخَوْلانِيّ، عن كَعْب الأحْبَار أنَّه قال: خَمْسُ مَدَائِن في الدُّنيا من مَدَائِن الجَنَّة، وخمْسُ مَدَائِن في الدُّنْيا من مَدَائِن النَّار، فأمَّا مَدَائِن الجنَّة: فحِمْصُ، ودِمَشْق، وبَيتُ المَقْدِس، وبَيْتُ جِبْرِين، وظَفَار اليَمَن. وأمَّا مَدَائِن النَّار: فالقُسْطَنْطِيْنِيَّة وعَمُّورِيَّة وأَنْطاكِيَة وتَدْمُر وصَنْعاء اليَمَن.
قال أبو الحُسَيْن بن المُنَادي: هذه ليسَت أَنْطاكية الشَّامِ، ولكنَّها أَنْطاكِيَةُ الرُّومِ.
وأخْبرَنِي من أثِقُ به، وكَتَبَهُ لي بخَطِّه، قال: قَرَأتُ في مجموع جَمَعَهُ رَشَاء بن نَظِيف، قال: وأظُنُّه بخَطِّه، قُلتُ: وأخْبرَنَا به إجَازَةً أبو البَرَكَات الحَسَن بن مُحمَّد بن الحَسَن، عن عَمِّه أبي القَاسِم الحَافِظ (^١)، قال: أنْبَأنَا أبو القَاسِم النَّسِيب، عن رَشَاء بن نَظِيف، قال: حَدَّثَني أبو سَعيد مُحمَّد بن أحمد بن عُبَادَة البَيْرُوتيِّ، بمَدينَة دِمَشْق، قال: حدَّثَني عَبْدُ المُؤْمن بن المُتَوكِّل، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد الرَّحْمن مَكْحُول، قال: حدَّثنا العبَّاسُ بن الوَلِيد بن مَزْيَد، عن أبيهِ الوَليد، عن عُرْوَة، عن ثَوْبَان مَوْلَى رسُول اللهِ ﷺ، قال: تَثُور بَنُو الأصْفَر بالعَرَب، فتكُون بينهم وَقْعَةٌ في مَوْضِعٍ يُقالُ له الرَّأسُ واللَّفئكة (a)، فتَسيل (b) فيه دماءٌ حتَّى تخوض الخَيلُ في الدِّماء إلى أَرْسَانها (c). قال ثوبان مَوْلَى رسُول اللهِ ﷺ: يا رسُول الله أفمن قِلَّةٍ؟ قال: إنَّما تكثر الأعْمال (ة) السُّوء، وليَنْزعَ
_________________
(١) (a) في الأصل ياءٌ مثناة تحتية وفوقها همزة، وفي ك وابن عساكر (٥١: ٦٠): اللفيكة. (b) تاريخ ابن عساكر: فيسفك. (c) تاريخ ابن عساكر: أرساغها. (d) تاريخ ابن عساكر: أعمال.
(٢) تاريخ ابن عساكر ٥١: ٦٠.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الله المهابَة من صُدور أعدائكُم منهم، وتكونوا في عَينهم كغُثَاء السَّيْل، ويَفتَحُون الملعُونَتَينِ (a). قال ثَوْبَانُ مولى رسُول اللهِ ﷺ: يا رسُول الله، وما المَلْعُونَتانِ؟ قال: أَنْطاكِيَةُ وصَيْدَا.
وهذه أيضًا أَنْطاكِية المُحْتَرِقة أيضًا. واللهُ أعْلَمُ - لأنَّهُ قد وَرَدَ أنَّها من مَدَائِن النَّار. أمَّا أَنْطاكِيَة الشَّام، فقد جاءَ في فَضْلها من الأخْبار والآثار ما نَذكُره إنْ شَاءَ اللهُ.