الحمد لله رب العالمين، حمدًا يليق بجلاله، ويُوافي جزيل فضله وإفضاله، وتحيّاته الطيبات على رسوله وخليله محمد الأمين، خاتم النبيين وسيد المرسلين صلوات الله عليه وسلامه، والتحية لأهل بيته الطاهرين الطيبين، ورضي الله عن صحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،
فيحْفل تراثنا الإسلامي والعربي بكنوز فكرية مؤسسة على القيم التي ترسخت بعد مبعث النبي الهاشمي ﷺ، منها ما يتصل بعلوم الشرع وفقه الكتاب العزيز وسنة الرسول ﷺ، ومنها ما ينصرف إلى العلوم البحتة والتطبيقية، وعلوم الأدب واللغة واللسان، والتأريخ للأمم والشعوب والبلدان.
والكتاب، الذي بين أيدينا، الذي يُسعدني أن أتقدم به للعلماء المهتمين والباحثين في تراثنا الإسلامي، هو كتابٌ جامعٌ لجملة من العلوم والمعارف والفنون؛ وهو وإن كان موضوعه الأساسي الترجمة للأعلام والنَّابهين في شتَّى حقول المعرفة والآداب وأرباب الحُكم والسياسة ومن يجري مجراهم ممن اتصلت علاقتهم بإقليم حلب، إما بالسُّكني أو العبور منها، فإنه يشتمل على معارف متنوعة تتوزع بين علوم الدين ورواية الأحاديث وعلوم الأدب، منثوره ومنظومه، ومسالك البُلدان، خاصة ما يقع في شمال بلاد الشام، والتأريخ لحقبة ممتدة من تاريخنا الإسلامي.
[ ١ / ١١ ]
وفائدة الكتاب وأهميته بين أقرانه جليّة واضحة، يُدركها المشتغلون بالتاريخ جملة، لأصالة مادته وتفرده بكثير من المعلومات والأخبار التي لم ترد عند غيره، ومنهجه في نقد الروايات والنصوص وترجيح الصواب.
وينتمي كمال الدين بن العديم، مؤلف هذا الكتاب، إلى طبقة رفيعة من مؤرخي وكُتَّاب ذلك العصر، وهو أحد ثلاثة رفاق ساهموا - من غير قصد - في تهريب النُّصوص التُّراثيَّة وحمايتها من الضياع والتخريب إبان الأحداث التي تعرضت لها المنطقة بغزو التتار في منتصف القرن السابع الهجري، فقد ضمَّن ابن العديم وياقوت الحمويّ والوزير جمال الدين القفطيّ مُؤلّفاتهم وأعمالهم الأدبية ومدوناتهم - خاصّة في حقل التراجم - نصوصا طويلة ومقطوعات عديدة من كتب ضاعت وطوتها عوادي الدهر؛ فأعادت الاعتبار إليها، وعرَّفت بمحتوياتها ومضامينها.
وقد وجدَت مؤسّسة الفُرقان للتُّراث الإسلاميّ، ضمن دورها في نشر التراث وفهرسته ولَمّ شتاته، في هذا الكتاب ما يستوجب تبنّى تحقيقه ونشره كأحد المصادر التُّراثيّة المهمّة، وتقريب مادته وتيسيرها للدارسين والباحثين، فعهدت بهذا العمل إلى باحث كان قد درس المنطقة التي يتناولها هذا الكتاب، وكان موضوع أطروحته للدكتوراه يتصل بُجْند قنّسرين خلال القرون الثلاثة الأولى من عمر الدولة الإسلامية، وهو الجُنْد الضَّام لمدينة حلب وما يقع في حيزها.
واعتمدت هذه النشرة على أصول المؤلف الخطية المتبقية من هذا الكتاب، وهي النسخة التي لازمت المؤلف في آخر أيام حياته غِبَّ إقامته بالقاهرة، ويرد في دراسة المحقق الإشارة إلى أنها لا تمثل إلا نحو ثلث الكتاب، إضافة إلى نسخ متأخرة أعانت في الترجيح وفك المستغلق وتعمير السّقط.
[ ١ / ١٢ ]
وأخيرًا، يطيبُ لي أن أتقدَّم بأجزل عبارات الشكر والثناء، وأخْلص كلمات التنويه والتقدير إلى المحقق الشاب الدكتور المهدي الرّواضية، الذي قام بتحقيق هذا السّفر الكبير، سائلا المولى ﷿ أن يجزيه خير الجزاء، ومتمنيا له مزيدا من التَّألّق والنّجاح في المستقبل.
وختاما، نسأل الله ﵎ أن يكون هذا العمل، وهو جهد المُقلّ، عونًا للباحثين وخالصا لوجهه الكريم، وأن يرزقنا التوفيق في المقاصد كلها إلى طاعته ومرضاته، وأن يهدينا إلى سواء السبيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أحمد زكي يماني
رئيس
مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي
[ ١ / ١٣ ]