ولد كمال الدين عمر بمدينة حلب (^٣)، واختلف في سنة مولده بين من يقول سنة ٥٨٦ هـ (^٤)، وقائل - وهم الأكثر - في العشر الأول من ذي الحجة سنة ٥٨٨ هـ (^٥)، وهي السنة التي قيدها ابن العديم لمولده في الترجمة التي صنعها بنفسه
_________________
(١) ابن شداد: الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٩٦.
(٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٩٠.
(٣) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١١، معجم شيوخ الدمياطي ٢: ورقة ١١٨، القرشي: الجواهر المُضية ٢: ٦٣٥، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩، الزرکشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٧ ب.
(٤) وهذا التاريخ ارتضاه ابن السابق الحموي (ت ٨٧٧ هـ)، متملك كتاب بغية الطلب، فقيده في ترجمته للمؤلف على طرة غلاف الجزء الأول، (انظر نص ترجمة ابن السابق الحموي، وصورتها فيما يلى)، والصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٢، ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٢٣٦، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٣٩، الزركشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٧ ب، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩، وفيه: في العشر الأول من سنة ٥٨٦ هـ، إسماعيل البغدادي: هدية العارفين ١: ٧٨٧، وأرخ الذهبي وابن العماد مولده في سنة بضع وثمانين وخمسمائة. العبر ٣: ٣٠٠، شذرات الذهب ٧: ٥٢٥.
(٥) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٣، ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٤، اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١١، ٢: ١٧٧، الدمياطي: معجم الشيوخ ٢: ورقة ١١٨، ابن الفوطي: مجمع الآداب ٤: ٢١١، الذهبي: تاريخ الإسلام ١٢: ٨٦٦، النويري: نهاية الأرب ٣٠: ٧٧، القرشي: الجواهر المُضية ٢: ٦٣٥، ابن قطلوبغا: تاج التراجم ١٦٦، السيوطي: حسن المحاضرة ١: ٤٦٦، الزركلي: الأعلام ٥: ٤٠.
[ ١ / ٢١ ]
لياقوت، وسأله الشريف عزُّ الدين الحُسَيْنيّ عن مولده فقال بمثله (^١)، بينما أورد الذهبي القولين وأضاف لهما قولا آخر: "ولد سنة ثمان أو ست أو ثلاث وثمانين وخمسمائة" (^٢)، وشَذَّ المَقْريزيُّ عن الجميع فأرَّخَ مولده في سنة ٥٨٩ هـ (^٣).
وفي سن السابعة من عمره، ألحقه والده بالمكتب ليتلقى تعليمه الأوَّليَّ مع أقرانه (^٤)، فختم القرآن حفظا وعمره تسع سنين، وقرأه بالعشر عندما بلغ السنة العاشرة من عمره (^٥)، وذكر ابن العديم في ترجمة شيخه أبي اليمن الكندي - الآتية في الجزء التاسع من هذا الكتاب - شيئا من أوَّليَّاتِ تعليمه، يقول:
"وكان سألني - أي الكِنْدِيُّ - وأنا أقرأ عليه: كم كان عمرك حين ختمت القرآن؟ فقلت له: تسع سنين، فتعجب من ذلك، وقال: كذلك أنا ختمته ولي تسع سنين! وأخرج إلى مفردات للشيخ أبي محمد وعليها خطه بقراءته عليها، وأراني خط الشيخ أبي محمد له، على بعضها أنه ختم القرآن عليه وهو ابن تسع، وجمعه بالعشر وهو ابن عشر، فذكرت له أني جمعته بالعشر ولي عشر سنين! ".
وكان لوالده الشيخ أحمد بن هبة الله - وهو قاض وخطيب - تأثير كبير في تعليمه الأوَّليِّ، وكان يأمل له أن يكون مدرسا لا قاضيا (^٦)، فتعلم على والده الذي كان يُرَغِّبُهُ في حفظ المتون الفقهية بما يرغب به أمثاله من الصغار كالدراهم وخلافه، فحفظ كتاب اللُّمَعِ في أصول الفقه لأبي إسحاق الشِّيرازيّ (ت ٤٧٦ هـ)، وقرأه على شيخ حلب وقتها ضياء الدين الحسين بن هبة الله المعروف بابن دُهْن الحَصَى (ت ٦٠٨ هـ)، وحفظ في مدة يسيرة مختصر الإمام القُدُوريّ (ت ٤٢٨ هـ) (^٧).
_________________
(١) الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩.
(٢) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧.
(٣) المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٥.
(٤) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٣.
(٥) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٤، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٣، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٥.
(٦) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٤، وانظره أيضا في ترجمة والده أحمد من كتاب البغية (الجزء الثالث).
(٧) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٥.
[ ١ / ٢٢ ]
وتعلم أيضا في أوَّليَّاتِه على عمه أبي غانم محمد بن هبة الله، وسمع منه الحديث، وسمع على جماعة من أهل حلب والطارئين عليها والواردين إليها، فسمع من الشيخ الإمام افتخار الدين عبد المطلب بن الفضل الهاشمي، كبير الحنفية، وعمر بن طَبَرزد، وأبي القاسم بن الحَرَسْتانيّ، وهبة الله بن طاوس، والشمس أحمد بن عبد الله العطار، وأبي عبد الله بن البناء، وثابت بن مُشَرَّف، وأبي منصور بن عساكر الفقيه، وبَهْرام الأتابكيّ، وأحمد بن أبي اليُسْر، وأبي محمد بن البُن، وابن صَصْرَي، وابن راجح، والشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد، والشيخ فخر الدين بن تيمية، وعبد العزيز بن هِلَالة، ومحمد بن عمر العثماني، وأبي على الأوقي، وأبي محمد بن علوان، وخلق كثير بحلب، ودمشق، والقدس، والحجاز، والعراق (^١).
ورحل به والده إلى بيت المقدس مرتين: سنة ٦٠٣ هـ، وسنة ٦٠٨ هـ، فمر في طريقه على دمشق، والتقى فيها ببعض علماء ذلك الوقت، كالشيخ تاج الدين الكِنْدِيّ (ت ٦١٣ هـ) وغيره؛ كان التقاه بدمشق في النَّوبتَيْن (^٢). وقال في ترجمته (الجزء التاسع):
"دخلت إليه داره بدمشق في سنة ثلاث وستمائة مع والدي، وقرأت عليه المقامات الحَرِيرِيَّة وغيرها من كتب الأدب، ولما شرعت في قراءة المقامات عليه أعجبته قراءتي، وسألني: أتحفظها؟ فقلت له: لا، فمال إلى واعتنى بأمري، وكان يأذن لي كلما جئت إليه. ولما عزمت على العود إلى حلب قال لي: اجعل في نفسك أن تعود إلينا، فأثَّر كلامه عندي، وآثرت الرِّحْلَةَ إليه، وكان والدي ﵀ لا يسمح بمفارقتي، إلى أن سمح بأن يزور البيت المقدس فاستصحبني
_________________
(١) الحسيني: صلة التكملة لوفيات النقلة ١: ٤٦٩، الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧.
(٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٣، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٢، المقريزي: المقفي الكبير ٨: ٧٢٥، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩، الزرکشي: عقود الجمان ورقة ٢٣٧ ب.
[ ١ / ٢٣ ]
معه، ووصلت معه إلى دمشق، ودخل إلى الشيخ ﵀، فقرأت عليه عدة من كتب الأدب والحديث في سنة ثمان وستمائة، ثم عدت من البيت المقدس، وكنت أتردد إليه وأسمع منه بقراءاتي وقراءة غيري في سنة تسع وستمائة".
وتفَقَّه على الشيخ محمد بن يوسف بن الخَضر الحلبي المعروف بقاضي العَسْكر (ت ٦١٤ هـ) (^١)، وفي كتابه البُغْيَة ذِكْرٌ للكثير من مشايخه، وبيَانٌ لما أخذه عنهم، وخبر اجتماعه بهم.
وكان ابتداء طلبه للحديث وسماعه في سنة ٦٠٤ هـ، حسبما يذكر في ترجمة حنبل بن عبد الله الرُّصَافيّ (الجزء السادس):
"دخلت دمشق زائرا البيت المُقَدَّسَ في سنة ثلاث وستمائة، وحنبل بها، فلم أسمع منه شيئا لأنني لم أكن طلبت الحديث حينئذ؛ لأن أول طلبي الحديث كان سنة أربع وستمائة".