الدَّاعَي للكَلام على خَطِّ ابن العَدِيمِ هو ارْتبَاطُهُ بكتابِ بُغْيَةِ الطَّلَب، ووقُوع الشَّكّ في كَوْنِه من خَطِّهِ، إذ لا تَخْلو تَرْجمَةُ لابن العَدِيْم في المَصَادر من الإشَارةِ إلى جَوْدةِ خَطِّهِ وحُسْنهِ حتَّى غَدَا مَضْربًا للمَثَل، وكانتْ له قُدْرَةٌ على تقلِيدِ خَطِّ عليّ بنِ هِلَال بن البَوَّاب الكتابِ المَشْهُور بحيث لا يُفرَّقُ بينهما، بِل إنَّه فاقَه وفَاقَ أبْناءَ زمانِه في البَراعَةِ وحُسْنِ الخَطّ، وبَلغَ الغايَةَ القُصْوَى في جوْدَتِه وإتْقانه (^٨)، وقيلَ إنَّه لَمْ يَكْتُبْ أحَدٌ بعد ابن البوَّاب كخَطِّه (^٩)، "وكَتَبَ مُصْحَفًا بخَطِّه ومجمُوعًا من خَطّ ابن البوَّاب وأهْداهمُا إلى السُّلْطانِ المَلِك الأشْرَف مُوسَى ابن المَلِك العادِل أَبي بَكْر بن أيُّوب" (^١٠)، وباعَ النَّاسُ من خَطِّ ابن العَدِيْم شَيئًا كَثيرًا على أنَّه خَطّ ابن البوَّاب (^١١).
وأطالَ ياقُوت الكَلامَ على خَطِّهِ، قال: "وأمَّا خَطُّهُ في التَّجْويدِ والتَّحْرير والضَّبْطِ والتَّقْييد فسَوَادُ مُقْلَة لأبي عَبْد اللّه ابن مُقْلَة، وبَدْرٌ ذو كمال عند عليّ بن هِلَال" … "فهو أكْتَبُ من كُلِّ مَن تَقَدَّمَهُ بعد ابنِ البوَّاب بلا شَكّ" (^١٢) … "وشاعَ
_________________
(١) كشف الظنون ١: ٣٤٩.
(٢) در الحبب ١: ٩ - ١٠.
(٣) مُعْجَمُ الأدباء ٥: ٢٠٨٢، ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٣٣٣، الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩، اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٥١٠، ٣: ١٧٨، ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٣٣٦، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٤٠، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٢٠٩، واللافت أن أغلب أسرة بني العديم وآبائه وأعمامه يشار إليهم بجودة الخط والبراعة فيه.
(٤) ابن الفوطي: جمع الألقاب ٤: ٢١١.
(٥) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٣٣٤.
(٦) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٣: ١٧٨.
(٧) مُعْجَمُ الأدباء ٥: ٢٠٨٣.
[ ١ / ١١٩ ]
ذِكْرُه في البلَادِ، وعُرِفَ خَطُّهُ بين الحاضِر والبَادِ، فتَهادَاهُ المُلُوكُ، وجُعِلَ مع اللَّآلئ في السُّلُوكِ … فممَّا رَغِبَ في خَطِّهِ أنَّه اشْتَرى وِجْهَةً واحدةً بخَطِّ ابن البوَّاب بأرْبَعين دِرْهَمًا، ونَقَلَها إلى وَرقَةٍ عَتِيْقةٍ، فذَهَب بها وادّعى أَنَّها بخَطِّ ابن البوَّاب وباعَها بستِّينَ دِرْهمًا زِيَادةً على الَّذي بخَطِّ ابن البوَّاب بعشْرين دِرْهمًا، ونَسَخَ لي هذه الرُّقْعَةَ بخَطِّهِ، فدَفَع فيها كُتَّابُ الوَقْت - على أَنَّها بخَطِّه - دِيْنارًا مصْريًّا ولَم يَطِبْ قَلْبِي ببَيْعها، وكَتَبَ لي أيضًا جُزءًا فيه ثلاثَ عَشرِةَ قائمةً نَقَلَها من خَطِّ ابن البوَّاب، فأُعْطِيتُ فيها أرْبَعين دِرْهمًا ناصِريَّة قِيْمتُها أرْبَعةُ دنانِيْر ذَهَبًا فلم أفْعَلْ، وأنا أعْرِفُ أنَّ ابن البوَّاب لَم يكُن خَطّه في أيَّامِه بهذا النِّفَاق، ولا بلَغَ هذا المقْدَارَ من الثَّمَن".
ويُضِيفُ ياقُوتُ أنَّ خَطَّ ابن العَدِيْم كان مَطْلبًا للاسْتِهْداء، "فممَّن كَتَبَ إليهِ يَسْتَرفده شَيئًا من خَطِّهِ سَعْدُ الدّين مَنُوجَهر المَوصليّ، ولقد سَمِعتُهُ مِرَارًا يَزْعم أنَّهُ أكْتَب منِ ابن البوَّاب، ويَدَّعِي أنَّه لا يَقُوم أحدٌ في الكتابةِ ويُقِرُّ لهذا كَمال الدِّين بالكَمَال، فوجَّه إليهِ على لسَان القاضِي أبي عليّ القِيْلويّ، وهو المَشْهُورُ بصُحْبَةِ السُّلْطان الأشْرَف، يَسْأله سُؤالَهُ في شَيءٍ من خَطِّهِ ولو قَائمة أو وِجْهَة. وممَّن كَتَبَ إليهِ يَسْتَرفده خَطّه أمينُ الدِّين ياقُوت المعرُوف بالعالِم، وهو صْهرُ أمين الدِّين ياقُوت الكاتِب الَّذي يُضْربُ به المَثَلُ في جَوْدَةِ الخَطِّ وتخرَّجَ به أُلُوف، وتتلْمَذَ له مَن لا يُحْصَى" (^١).
وأجادَ ابنُ العَدِيْم من الخطُوطِ الخَطَّ المَنْسُوب (^٢)، وهو نَوْعٌ من خَطِّ المُحَقَّقِ، لا خَطًّا قائمًا بذَاتِه، ضُبِطَتْ فيه قِياسَاتُ الحُرُوفِ بالنُّقَاطِ المُرَبَّعةِ على نِسَبٍ هَنْدَسيَّةٍ مُعَيَّنة (^٣)، فيَجيءُ كُلُّ حَرْف بمَقاييسَ مُتَناسِقَةٍ، وأَبْعادٍ مَضْبوطة بإحْكام تُفضِي إلى جَمالِ الشَّكل والتَّوازن والانْسِجَام بين الحُرُوف والكَلِمَات والسُّطُور.
_________________
(١) مُعْجَمُ الأدباء ٥: ٢٠٨٦ - ٣٠٨٧.
(٢) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧، ابن شاكر فوات الوفيات ٣: ١٣٦، الصفدي: الوافي بالوفيات ٣٣: ٤٣٣، ابن حبيب: درة الأسلاك، ورقة ١٥ ب.
(٣) انظر عن تطور الكتابة المنسوبة: نصار منصور الخط المحقق ودوره في كتابة المصحف الشريف (ضمن كتاب بحوث ودراسات مهداة إلى محمد عدنان البخيت، الجامعة الأردنية، ٢٠١٣ م)، ٣٧٩ وما بعدها.
[ ١ / ١٢٠ ]
وأتْقَنَ ابنُ العَدِيْم أيضًا خَطّ النَّسْخ وخاصَّةً قلَم الحَواشِيّ، وقيلَ إنَّهُ هو الَّذي اخْتَرعه (^١)، وقَلَم الحَواشِي هو "الخَفِيفُ من خَطِّ النَّسْخ" (^٢)، وعرَّضَ فَتحُ الدِّين عَبْد اللّه بن مُحمَّد بن القَيْسَرانيّ بهذا في شِعْره بقَوله: [من الوافر]
بوَجْهِ مُعَذِّبي آيَاتُ حُسْنٍ … فقُلْ ما شئْتَ فيه ولا تُحَاشِي
ونُسخةُ حُسْنهِ قُرِئت وصَحَّت … وها خَطُّ الكَمَال على الحَواشِي (^٣)
ولا زَالَ مِحْرَابُ المَدْرَسةِ الحلويَّةِ بحَلَب إلى اليَوم شَاهِدًا على بَرَاعةِ ابن العَدِيْم في الخَطِّ، من خِلَالِ ما كَتَبَهُ على أطْرَافِ المِحْرَاب (^٤).
هذا مُجمَلُ ما أوْرَدَتْهُ المَصادرُ عن خَطِّ ابن العَدِيْم، وفيها من الثَّنَاءِ عليه الشَّيءُ الكَثِيرُ، حتَّى نَصَّبُوه إلى جانِبِ كبار الخطَّاطِيْنَ كابن مُقْلَة وابن البوَّاب، ووَردَ في مَصادِر ترجَمته كذلك أَنَّه كَتَبَ أجْزَاءَ كتابهِ بُغْيَة الطلَب بخَطِّهِ الرَّائِق، والنُّسْخَةُ الَّتي وَصَلتنا منِ الكتابِ بخَطِّهِ كما يشيرُ أغلبُ الدَّلائل - بالرَّغْم من خُلوّ كامِلِ أجْزائها من حَرْدِ مَتنٍ - خاصةً بلاغات السَّمَاع والقِراءة على هَوامِشها: "بَلَغَ وَلداي عَبْد الرَّحمن ومُحمَّد من أوَّله قرَاءة وسَماعًا .. " (^٥)، غير أنَّ خَطَّ النُّسْخَةِ لا يُطابِقُ الأوْصَافَ المُسْبَغَةَ على خَطِّ مُؤلِّفها، فهي - كما يَظْهَرُ من النَّماذجِ الَّتي تأتي تِلو هذه الدِّراسة - مَكْتُوبة بخَطٍّ
_________________
(١) ابن شاكر فوات الوفيات ٣: ١٣٦، الصفدي: الوافي بالوفيات ٣٣: ٤٣٣، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٣٠٩.
(٢) النويري: نهاية الأرب ٩: ٣٣٣.
(٣) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٧، ابن حبيب الحَلَبيِّ: درة الأسلاك، ورقة ١٥ ب، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٧: ٣٠٩.
(٤) انظر نص ما كتبه على المحراب، وصورته، عند الطباخ: إعلام النبلاء ٤: ٤٦١ - ٤٦٣.
(٥) جاء على غلاف الجزء الخامس من كتاب بغية الطلب: "كتاب من تاريخ حلب لابن أبي جرادة، وهو الأستاذ البليغ الناظم الناثر الوزير الصاحب كمال الدين بن العديم كاتم السر رحمه اللّه تعالى وشكر صنيعه، وهو بخطه الصَّحيح المليح"، وذكر السخاوي في عصيله للنسخ التي كانت في ملك ابن السَّابق الحموي أنها بخط المؤلف. انظر: الإعلان بالتوبيخ ٢٢٨.
[ ١ / ١٢١ ]
عادي يَخْلو من مَسْحَةِ الجَمَالِ، وليسَ فيه آثارُ التأنُّقِ والتَّزْويقِ، ولا يشُير القَلَمُ الَّذي كُتِبَت به الأجْزاءُ إلى بَراعَة كاتِبه، بل إنَّ خَطَّ الصَّفَديّ وابن حَبِيْب الحَلَبيِّ وغيرهما، وخُطُوط النُّسَخ الخِزائنيَّة اَلَّتي كَتَبها نُسَّاخٌ عادِيُّون، أجْمَلُ منها بكَثِير، بالرَّغم من أنَّهُ خَطٌّ مُتَناسِقٌ على دَرَجةٍ من البَيان والوُضُوحَ في رسْم الحُرُوف.
وكُتِبَ على غِلَافِ الجُزءَ الخاَمِس من كتابهِ التَّذكرَة أيضًا أنَّهُ بخَطِّهِ، وهو مَكْتُوبٌ بخُطوطٍ مُخْتَلِفةٍ، أغلبها بخَطٍّ مُغايرٍ لخَطِّ نُسْخَةِ البُغْيَة، خَطٍّ رَدِيءٍ وفيه مَظْهَرُ الاسْتِعْجاَل، وكاَن الشَّيْخُ الزّركلي قد أوْرَدَ في تَرْجَمتِه لابنَ العَدِيْم صُورةً من هذا الكتاب، وتشَكَّك في نِسبَة الخَطِّ إليهِ (^١).
ويَظْهَرُ أنَّ الأجْزاءَ الَّتي بين أيْدينا من البُغيَة الإبْرَازِةُ الثَّانيةُ من الكتاب، اسْتَوْعَبَ فيها الزِّيادَاتِ والإضَافاتِ الَّتي قيَّدَها على مُسوَّدتِه الأُولَى، لكنَّه وَالَى الزِّيادة عليها، وتَنَزَّلَتْ - لكَثْرةِ الإضافاتِ ومَواضع البَياضِ - مَنْزَلةَ المُسَوَّدَةِ، ولعلَّها لَمْ تكُنْ في اعْتِبارِ مُؤلِّفها المُبيَضَةَ النِّهائيَّةَ، فكَتَبَها بخَطٍّ عادي ولَمْ يتَجَمَّلْ به، ويَعْضُدُ هذا بعضُ الدَّلائلِ التَّالية:
١ - كَثْرةُ الإلْحاقاتِ والزِّيادات في الهامِش، ووجُودُ بعف الطَّيَّارات المفرَدِةِ في أَوْرَاقٍ مُلْحَقة، مَمَّا يتضمَّنُ تَرَاجِمَ جَدِيدة أو رِوَاياتٍ وأخْبار، خاصَّةً تلك الَّتي تَحَصَّلَتْ له من كابِ التَّكملَةِ للمُنْذريّ، والَّذي يبدو أنَّهُ اطَّلعَ عليه في وقْتٍ مُتأخِّر على تأليفِ الكتاب، فنَقَلَ عنه في مَواضعَ عَدِيْدَةٍ أدْرَجَها في هامِشِ الكتاب.
٢ - كَثْرةُ الإصْلَاحاتِ والتَّصْويبات والضَّرْبِ وبعض المُخْرَجَات.
٣ - تَصْحِيحُ مَواضعِ تَرْتيب التَّراجم والإشارةِ في الهامِش إلى وُجُوبِ نقلها إلى مَواضِعها تقدِيمًا وتأخِيرًا على تَرْتيبِ الحُروف ألفبائيًّا.
_________________
(١) الزركلي: الأعلام ٥: ٤٠.
[ ١ / ١٢٢ ]
٤ - كَثرةُ مَواضع البيَاض والفَراغَاتِ الَّتي أَبْقاها المُؤلِّفُ لتَعْمِيرها فيما بعد باسْتِكمالِ بَيَاناتِ أو إدْرَاجٍ رِوَاياتٍ أو إثْباتِ تَواريخ الوَفاةِ أو إدْخَال بعض الأَحْداث، أوَ اسْتِكمال من غَفلَ عنه من أسْماءَ الأعْلَام عندما يتحصَّلُ ما يستَوفي النَّقْصَ، ولم يتهيأَ ذلك. وكَثِيرة، أغْلَبُها في الجُزءِ الثَّامن وتَصِلُ إلى ثَلاثِ صفحاتِ مُتَتاليةٍ أحْيانًا في التَّرْجَمَة الوَاحِدةِ، ولذا حَرِصْتُ على الإشارَةِ إلى مَوَاضعَ هذه التَّوقُّفاتِ في مَوْضِعِها من الكتاب.
٥ - تَكْرارُ بَعْض التَّراجمِ بذَات النَّصّ سهوًا، مثالُه تَرْجَمَةُ أبي عَبْد اللّه بن جِبَاءَة المَعَرِّيّ في الجزءَ العاشِر (الكُنَى).
٦ - عَدَمُ ترقِيم الأجزاءَ كما هي العادَةُ في المُؤلَّفاتِ الَّتي تَتَعدَّدُ فيها الأجْزَاءُ، وعَدمُ تَضْمينها حرْدَ مَتنٍ يتَضَمَّنُ تاريخَ الفَرَاغ من نَسخِها.
٧ - وآخرُ الأدِلَّةِ على أنَّها إبْرَازةٌ ثانية في حُكْمِ المُسَوَّدَةِ، إدْرَاجَهُ لبَعْضِ الأخبارِ أو الحكاياتِ في تَراجِم لا تتصلُ بها، وتَنبُّه المُؤلِّفِ للخَطَأ بعد كِتَابتها، فأشارَ إلى وقُوعَ السهوِ، ولو كانت مُبيَضَتَهُ الأخيرة لألْحقَها في مَواضِعِها الصَّحِيْحَة، مِثَالُه ما وقع في الجزءَ السَّابع في ترجَمتي: خَالِد بن يَزِيْد القَسْريّ، وترجمَةِ خسرُو فيرُوز المَلِكِ العَزِيز.