قَرَأتُ بِخَطِّ أبي عَمْرو القَاضِي: حَدَّثَني مُحمَّد بن أحمد الزّمام، قال: سَمِعْتُ عَبْد الله بن كلُرْت يقُول: ما زال أوَّلُونا يقُولُونَ: لم يُعْرَفِ الجِهَادُ فيما مَضَى في شيءٍ من أرْض الثُّغُور - يعني: طَرَسُوس، وأذَنَةَ، وعَيْن زُرْبَة - إنَّما كان حِصْن ثَابِت بن نَصْر بمَدِينَة المِصِّيْصَة في آخر أيَّام بَني أُمَيَّة، وأوَّل أيَّام بني العبَّاس، يَخْرجُ منه أرْبعمائة فَارِس صُلَحَاءُ، إذا أَقْلَبُوا (b) حَوَافِر خُيُولهم لتُنْعَلَ للغَزْوِ، قَلَبُوا بذلك قُلُوبَ بَطَارِقَةِ قُسْطَنْطِينيَّة خَوْفًا منهم وجَزَعًا.
قال: وقد غَزَا مُحمَّد بن عَبْد اللهِ أَمِير المُؤمِنِين المَهْدِيّ، ﵀، فلم تك هناكَ طَرَسُوس ولا أَذَنَة ولا عَيْن زُرْبَة، وإنَّما كان هذا الحِصْن لا غير.
وقَرَأتُ بِخَطِّه أيضًا حَدَّثَني أبو الحَسَن العَدْل عليّ بن الحُسَيْن الحَذَّاء، وأبو بَكْر غَانِم بن يَحْيَى بن عَبْد البَاقِي، قالا: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم يَحْيَى بن عَبْد البَاقِي،
_________________
(١) (a) ساقطة من "ك". (b) كتب ابن العديم في الهامش: صوابه: قلبوا.
(٢) حصن ثابت بن نصر: تم بناء هذا الحصن في عهد عبد الملك بن مروان سنة ٨٤ هـ/ ٧٠٣ م؛ بناه على يد ابنه عبد الله في الموضع الذي أقيمت عليه فيما بعد مدينة المصيصة، وكان يسمى حصن ثابت، ويرد في المصادر أن الخليفة عمر بن عبد العزيز (حكم ٩٩ - ١٠١ھ / ٧١٨ - ٧٢٠ م) أظهر الرغبة في عدم اتخاذ الحصون في الثغور، وأنه أراد هدم حصن ثابت وهدم الحصون التي بينها وبين أنطاكية، خوفًا من محاصرة الروم لأهلها، فتراجع عن ذلك بمشورة بعضهم، أو أنه توفي قبل أن يتم ذلك، ولعل تسمية الحصن بـ "حصن ثابت" كانت في وقت متأخر عن زمن بني أمية، إذ لا يعقل أن ينسب لثابت هذا في سنة ٨٤ هـ/ ٧٠٣ م وهو المتوفي بالمصيصة سنة ٢٠٨ هـ/ ٨٢٣ م، ويعضد هذا أن البلاذري وقدامة عندما ذكرا هذا الحصن وأنه بني في الموضع الذي أقيمت عليه المصيصة فيما بعد لم يذكرا نسبته لثابت بن نصر. انظر: البلاذري: فتوح البلدان ٢٢٥، ١٧، قدامة، الخراج ٣٠٧ وما بعدها، ابن الشحنة، الدر المنتخب ١٧٩، لسترنج، بلدان الخلافة ١٦٣، الحياري: طرسوس "مدينة الثغور الشامية".
[ ١ / ٣٤١ ]
قال: كان حِصْن ثَابِت بن نَصْر مُشَحَّنًا بالأبْدَالِ يُجَاهِدُونَ الرُّوم، منهم يُوسُف بن أسْبَاط صَاحب سُفْيان الثَّوْرِيّ، كان أدْمَنَ الصَّوْمَ بهِ فَتَوَسْوَس.
وقَرَأتُ بِخَطِّه: حَدَّثَني عليّ بن إسْحَاق صَاحب العَرْض، قال: سَمِعْتُ أبا العبَّاس بن عُبْدُوس يقول: كان ابتداءُ أمْرِ الثَّغْر، وحُصُوْل المُسْلِمِيْن به، أنَّ نَفَرًا صَالحينَ سكنُوا حِصْنَ ثَابِت بن نَصْر بالمِصِّيْصَة كثُرت غَزَواتُهُم، وتَشَمَّر الرُّوم منهم لشِدَّةِ بأْسِهم، وعِظَم نكايتهم فيهم، منهم: يُوسُف بن أسْبَاط، وعليّ بن بَكَّار، وبعْدَهم: إِبْرَاهِيْم بن أدْهَم، وعَبْدُ الله بن المُبارَكِ، وأبو مُعاوِيَة الأَسْوَد وطَبقاتهم، وَقْتًا بعد وقت منْ لا يُحْصَى عَدَدًا، إلى أنْ شُحِنَت طَرَسُوس؛ كُلّهُم أهل فَضْلٍ وجِهَادٍ.
قُلتُ: وهذا ثَابِت بن نَصْر الّذي نُسِبَ هذا الحِصْنُ إليهِ، هو ثَابِت بن نَصْر بن مَالِك بن الهَيْثَم بن عَوْف الخُزَاعِيّ، أَخو أحمد بن نَصْر الشَّهِيْد (^١)، وكان فيه دِيْنٌ، وله حُسْن أثر في جِهَاد الرُّوم، ووَلِي الثُّغُور الشَّامِيَّة، وَسَنَذْكُر حَاله ونَسبَهُ في تَرْجَمَتِهِ (^٢) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى.
_________________
(١) يُعرف بالشهيد لأن الواثق قتله سنة ٢٣١ هـ لقوله بأن القرآن غير مخلوق، وكان أحمد من أهل العلم والديانة؛ يغشاه أهل الحديث، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. انظر عنه: الطبري: تاريخ ٩: ١٣٥ - ١٤٠، الأزدي: تاريخ الموصل ١٧٨، ٣٤١، المسعودي: مروج الذهب ٤: ٣٧٦، الثقات لابن حبان ٨: ١٤، ابن الأثير: الكامل ٧: ٢٠، سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ١٤: ٤١٣ - ٤١٨، النويري: نهاية الأرب ٢٢: ٢٦٥، ابن كثير: البداية والنهاية ١٠: ٣٠٣، ٣٠٥، (وخلط ابن كثير بين أحمد هذا وأبيه نصر)، الصفدي: الوافي بالوفيات ٨: ٢١٢، الذهبي: تاريخ الإسلام ٤: ٤٨٨.
(٢) ترجمته في الضائع من الكتاب، وانظر عنه وعن ولايته في الثغور وجهاده: اليعقوبي: تاريخ ٢: ٣١٣، ٣١٩، الطبري: تاريخ ٨: ٣٤٠، المسعودي: التنبيه والإشراف ١٩٠، ١٩٥، ابن حزم: جمهرة أنساب العرب ٢٣٦ (وفيه سياقة نسبه)، الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ٨: ١٥، وابن عساكر: تاريخ ٥٦: ٥١٦، ابن الجوزي: المنتظم ١٠: ١٨٢، ابن الأثير: الكامل ٦: ٢٠٨، الذهبي: تاريخ الإسلام ٥: ٤٣، الصفدي: الوافي بالوفيات ١٠: ٤٦٣، ابن كثير: البداية والنهاية ١٠: ٣٠٣.
[ ١ / ٣٤٢ ]