هذا الكتابُ من الكُتُبِ الَّتي شَرَعَ ابنُ العَدِيْم في تألِيْفها في زَمَنٍ مُبَكّرٍ من حَياتِه، ابتدأَ في تَأليفهِ في أوَّلِ شَبابِه، وسِنهُ لَم تحاوز الثَّامنةَ والعشْرين، قبلَ أنْ تَصْرِفَهُ المَشَاغِلُ والأسْفارُ والتَّرَسُّلُ للملُوك عن التَأليفِ، فقدَ ذَكرَه ياقُوت ضمن مُؤلَّفاتِه في ترجَمتِه له، وتقدَّمَتِ الإشارةُ إلى أنَّ ياقُوتَ قيَّدَ تَرْجَمَةَ ابن العَدِيْم على صَفحاتِ كتابِه مُعْجَم الأُدَباء في حُدُودِ سَنَةِ ٦١٩ هـ، قال: "وله كتابُ تاريخ حَلَبَ في أخْبارِ مُلُوكِها، وابْتداءَ عِمارتها، ومَن كان بها من العُلَماءَ، ومَن دَخَلَها من أهْل الحَديث والرِّوايةِ والدِّرايةِ والمُلُوك والأُمَراء والكُتَّاب" (^٢).
وتقدَّمتِ الإشارةُ أيضًا إلى أنَّ العَلَاقةَ جَمَعَتْ بين ياقُوتَ وابن العَدِيْم بحَلَبَ في السَّنَواتِ الأَخِيرة من حَياةِ ياقُوت (٦١٨ - ٦٢٦ هـ)، فيكُونُ ابْتداءُ تأليفِهِ لهذا الكتابِ في تلك المُدَّةِ، أو قبلَها بيَسِير، ويَذْكُرُ الذَّهَبيُّ أنَّ ابنَ العَدِيم ذَكَرَ في تَاريخِه أنَّهُ دَخَلَ مع وَالدِهِ على المَلِكِ الظَّاهِر غازِي، "وأنَّه هو الَّذي حَسَّنَ له جَمع تاريخٍ لحلَب" (^٣). وكانتْ وَفاةُ المَلِكِ الظَّاهِرِ في ٢٠ جُمادَى الآخرة ٦١٣ هـ،
_________________
(١) منشورات دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٨٨ م.
(٢) معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٦.
(٣) الذهبي: تاريخ الإسلام ١٤: ٩٣٨، ولم نقف على إشارة ابن العديم التي ذكرها الذهبي في المتبقي من أجزاء البغية.
[ ١ / ٩٨ ]
ووَفاهُ وَالدِه عَقِبَهُ بنحوِ شَهْرين (٢٧ شَعْبان) من السَّنةِ نَفْسِها، وإشارةُ الذَّهَبيِّ هذه تُرْجِعُ فِكْرَةَ تأليفِ الكتاب - ورُبَّما الشُّرُوع به فِعْلًا - قَبْل سَنَة ٦١٣ هـ.
وبَقِيَ الكتابُ إلى ما قَبْل سَنَة وخَمْسَة أشْهُر من وَفاةِ مُؤلِّفه (وتَحْديدًا بعد ذي القَعْدَة سَنة ٦٥٨ هـ) مَوْضِعًا للزِّيادةِ والإلْحاقِ والاسْتِدراك، ووَالى العَمَلَ فيه وإدْخالَ ما يتوَفَّرُ له من بيانات أو مَعْلوماتٍ أو تَرَاجمَ جَديدة وَقَعَتْ له فيما بعد، إذ تَتَوفَّرُ فيه تَراجم لأعْلَامٍ من أهْل حَلَب ومن الطَّارئينَ عليها، وذِكرُ أخْبارٍ وحَوَادثَ ووَفيات أعْلَامٍ وَقَعَت في أواخِرِ عِقْد الخَمْسينيَّات من القَرْن السَّابِع الهِجْريّ، فترْجَمتُهُ للقاضِي أحمد بن يَحْيَى المَعْرُوف بابن سَنيِّ الدَّوْلَةِ (الجزء الثَّالث) كانتْ بعد وَفاتِه في ١٠ جُمادى الآخرة سَنَة ٦٥٨ هـ أي بعد سَيْطَرةِ هُولَاكُو على حَلَب، ألْحقها ابنُ العَدِيْم بهامشِ النُّسْخَةِ. بينما نَجِدهُ يُوردُ تَرْجَمَةً لأحمدَ بن عَبْد الوَاحِد بن مِرَى الحورَانيّ، ويَذْكُرُ فيها خَبَرًا وَقَعَ بعد هذا التَّاريخ بنحو خَمْسَة أشْهُر مُدْرَجًا في المَتْن (الجزء الثَّاني):
"ثمّ قَدِمَ الدِّيَارَ المِصْرِيَّةَ من المَدِيْنةِ، على سَاكنها الصَّلاةُ والسَّلام، في ذِي القَعْدَة من سَنَةِ ثَمانٍ وخَمْسِين وسِتّمائة رَسُولًا من صاحبها إلى قُطُز المُعِزِّيّ … وكنتُ إذ ذاك بمِصْر، فحضَرَ إليَّ وعلَّقتُ عنه فَوَائِدَ وشَيئًا من شِعْرِه، وسألْتُه عن مَوْلدِه، فقال: عُمري الآن سَبْعة وسَبْعُون سَنةً، وكان سُؤالي إيَّاهُ في رابع وعشْرين من ذي القَعْدَة من سَنَةِ ثَمانٍ وخَمْسِين وستّمائة".
[ ١ / ٩٩ ]
نموذجُ إلحاقات وزياداتِ المُؤلِّف في مُنْتَصفِ سَنَة ٦٥٨ هـ
[الجزء الثالث، الورقة ١٢١ أ من نُسْخةِ الأصْل]
[ ١ / ١٠٠ ]