كان سُورًا مَبْنيًّا بالحِجَارَة من بناءِ الرُّوم، ولمَّا وصَل كِسْرَى أَنَوشَرْوان إلى حَلَب، واسْتَولَى عليها، شَعَّثَ سُورها عند الحَصَار، ثمّ رمَّ ما هُدِم منه، فبني بالآجُرّ الفارِسيّ الكِبَار، وشاهدتُ مَرَمَّته بالآجُرِّ الكِبار في الأسْوار الّتي بين باب الجِنَانِ وباب النَّصْر، وسَترها السُّور الثَّاني الّذي ابْتَناهُ المَلِكُ الظَّاهِر ﵀، فيما بين باب الجِنَان وباب النَّصْر، فلا يَبين الآن إلَّا لمَن يمرّ بين السُّورَين، وأظُنُّ أنَّ كِسْرَى أَنَوشَرْوان فتحَ حَلَب من هذه الجهة، فإنَّها كانت أضْعفَ مكانٍ في البَلَد، فلهذا كانت المَرَمَّةُ فيه دون غيره، وكان مَلِكها ومَلِك أَنْطاكِيَة الّذي أخذَها أَنَوشَرْوان من يده يُوسطِينيانُوس (a) مَلِك الرُّوم.
وفي أسْوارِ حَلَب أبْرِجَة عديدة، جَدَّدها مُلُوك الإسْلام بعد الفُتُوح، وأسْماؤهم مُكْتَتَبة عليها، وبنَى نور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي فَصِيلًا (^١) على مواضع من الباب الصَّغير إلى باب العِرَاق، ومن باب العِرَاق إلى قَلْعَةِ الشَّريف (^٢)،
_________________
(١) (a) في ك: موسطينيانوس، وللمزيد من وقائع الفرس والروم في هذه الحقبة، وما وقع بينهم من صلح وهدنة، انظر: تاريخ المنبجي ١٧٨ - ١٦٥ Pp ll./ Vol II، Unvan Kitab Al -:Agpius de Menbidj
(٢) الفَصيلُ: حائطٌ صغيرٌ دون الحصن أو دون سور البلد. لسان العرب، مادة: فصل.
(٣) قلعة الشريف: منسوبة لأبي علي الحَسَن بن هبة الله الحسيني الهاشمي، مقدم الأحداث بحلب، بناها سنة ٤٧٨ هـ، وتقع ما بين سرايا إسماعيل باشا وباب قنسرين، بنيت على الجبل الملاصق لمدينة حلب من قبليها، وسورها دائر مع سور المدينة. سبط ابن العجمي: كنوز الذهب ١: ٤٨٧، الغزي: نهر الذهب ١: ١٧، ٢: ٩ - ١٠، الأسدي: أحياء حلب وأسواقها ٣١٦ - ٣١٧.
[ ١ / ١٧٢ ]
ومن باب اليَهُود - الّذي يُقالُ لهُ الآن باب النَّصْر - إلى باب الجِنَان، ومن باب الأرْبَعِين إلى باب اليَهُود، جعل ذلك سُورًا ثانيًا قصيرًا بين يدي السُّور الكبير. وأمرَ المَلِك الظَّاهِر بتَجْدِيدِ سُور من باب الجِنَان إلى بُرْج الثَّعَابِين، وفتح الباب المستجدّ، فرفع الفَصِيْل وجدَّدَ السُّور والأبْرِجَة على عُلوّ السُّور الأوَّل، وكان يُباشِر العِمَارَة بنَفْسه، فصارَ ذلك المكان من أقْوَى الأماكِن.
ثُمَّ إنَّ أتَابِك طُغْرِل ابْتنى بُرْجًا عظيمًا فيما بين باب النَّصْر وبُرْج الثَّعَابِين، مُقابل أَتُونات الكِلْس ومَقَابِر اليَهُود.
ثُمَّ إنَّ المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين يُوسُف بن مُحمَّد، أعَزَّ اللهُ سُلْطانه، أمرَ بتَجْدِيد أبْرِجَة من باب الأرْبَعِين إلى البُرْج الّذي جدَّدَهُ أتَابِك، فجُدِّدَت أَبْرِجَة عَظِيمَة؛ كلّ بُرْج منها حِصْن مُفْرد، وسُفّحَ من السُّور والأبْرِجَة في المَيْل إلى الخَنْدَق فصارَ ذلك كلّه كالقَلْعَة العَظِيمَة في الارتفاع والحَصَانة، وأمرَ ببناء أبْرِجَة كِبَار من باب الجِنَان إلى باب قِنَّسْرِيْن، فقَوِيَت المَدِينَة بذلك قوَّة ظاهرةً.