ويَظْهرُ في تَضاعِيْفِ التَّراجم الَّتي تضمَّنها كتابُ ابنِ العَدِيْم اهْتمامٌ منه في لقاءَ العُلَماءِ والأدَباءِ والمَشايخ، سواءً في حَلَب أو في الحَواضِرِ الَّتي سافرَ إليها، أو بالمُكاتَبَةِ والمُراسَلة، وجَمَعَتْهُ بهؤلاءِ الأعْلَامِ مَجالسُ عِلْمٍ ومُحاضرةٍ ومُحادَثة، وضَّمَن كتابَه تفاصِيْلَ بعض هذه المَجالس.
ونَشَأتْ بينه وبينَ ياقُوت الحَمَويّ صَدَاقةٌ وصُحْبةٌ طَويلةٌ، وأَثنى كُلُّ منهما على الآخرِ في كُتُبهما، وكان ياقُوت قد أقامَ بحَلَب في آخر سِتِّ سَنواتٍ من حَياتِه بعد رَحْلةٍ طَويلةٍ من التَّقَلُّبِ في البِلَاد، فتَوطَّدَتْ بينهما صُحْبةٌ مُمتدَّةٌ، وكان ياقُوت يترَدَدُ إلى مَنْزلِهِ (^٥).
_________________
(١) المقتطف من أزاهر الطرف ٩٨، ١٩٩، القرشي: الجواهر المُضية ٣: ٦٣٥، السيوطي: حسن المحاضرة ١: ٤٦٦.
(٢) الزركشي: عقود الجمان ورقة ٣٣٧ ب.
(٣) الحسيني: صلة التكملة ١: ٤٦٩، ابن كثير البداية والنهاية ١٣: ٣٣٦، المقريزي: المقفى الكبير ٨: ٧٣٥.
(٤) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣.
(٥) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٩، ٢٠٩١.
[ ١ / ٢٨ ]
وجَمَعتْهُ كذلك عَلاقةٌ وَطِيدةٌ بالمُبارَكِ بن أحمد المَعْرُوف بابن الشَّعَّار المَوصِليّ (ت ٦٥٤ هـ) - وكان ابنُ الشَّعَّارِ كَثيرَ التَّردُّدِ إلى حَلَب، وتُوفِّيَ بها - وزَارَهُ في مَنْزلِه بحَلَب في ١٨ ربيع الآخر سَنة ٦٣٤ هـ، وسنة ٦٣٥ هـ، وسنة ٦٤٠ هـ (^١).
وفي عام ٦٤٣ هـ، وأثْناءَ إقامَةِ ابن العَدِيْم في القَاهِرهِ رَسُولًا من المَلِك النَّاصِر صَلَاح الدِّين يُوسُف صاحِب الشَّام إلى السُّلْطانِ الصَّالحِ نَجْمِ الدِّين أيُّوب، تَعرَّفَ إلى ابن سَعِيد المَغْربيِّ، ونَشَأتْ بينهما الصَّدَاقةُ، وعَرف كُلٌّ منهما فَضْلَ الآخرِ، فعَرَضَ عليه ابن العَدِيْم مُرافَقتَهُ إلى حَلَب، ولقاءَ صاحِبها المَلِك النَّاصِر، فاسْتجابَ لدَعْوتِه (^٢)، وأقامَ بحَلَب من سَنة ٦٤٤ هـ حتَّى رَحِيلِه عنها سَنَة ٦٤٧ هـ مُتوجِّهًا إلى دِمَشْق، واسْتَفادَ من خِزَانَةِ كُتُبهِ الغَنِيَّةِ في بَعْضِ ما أَوْردَه في إكْمالِه لكتابِ المُغْرِب، وهو الكتابُ الَّذي تَعاوَرَ على تأْلِيفه في مُدَّةِ ١١٥ سَنة ستَّةُ مُؤلِّفين كان آخرَهُم ابنُ سَعِيْد، وكَتَبَ ابنُ سَعِيد لخِزَانَة الصَّاحِبِ ابن العَدِيْم بين عامي ٦٤٥ - ٦٤٧ هـ نُسْخةً بخَطِّهِ من كتابِ المُغْرِب، وقَيَّدَ على غِلَافِ كُلِّ جُزءٍ من أجْزائِها: "نَسَخَهُ بخَطِّه برَسْم الخِزَانَة الجلَيلَة الصَّاحِبيَّة الكَماليَّة، عَمَّرَها اللهُ بدَوام مَالِكها، سَيِّدِ الأصْحابِ، رَئيس صُدُور الشَّام، عَلَم العُلَمَاء، الصَّاحِبِ الكَبير كَمال الدِّين بن أبي القَاسِم بن أبي جَرادَة
_________________
(١) ابن الشعار: قلائد الجمان ٣: ٢٧، ٤: ٢٣٤، ٢٦٩، ٧: ٢٠٤.
(٢) ابن سعيد: المغرب في كل المغرب ٢: ١٧٢ - ١٧٣، ووصف ابن سعيد في كتابه المقتطف من أزاهر الطرف إقامته بحلب لأول وصوله لها، قال: "ولما وصلت معه - أي ابن العديم - إلي حلب، أنزلنى فى دار ببستان ماء جار. وقال لى: أنت أندلسى، وقد عرفت أن دياركم لا تخلو من هذا، ورتَّب من المشاهدة والطعام الجارى فى كلّ يوم ما يكفي. قال لى: هذا يَكُفُّك عن أن تَشْرَه مع خدمة السلطان إلى طلب شئ حتى يكون هو المبتدئ، فصَدِّقْ ارْتِهاني فيك، فإنّي وصفتك له بالحسب والنزاهة. فلزمت ذلك. فكان فيه فوق ما أمّلته ولم يلزمني إلا الصبر". ابن سعيد: المقتطف ١٩٩ - ٢٠٠، وانظر لسان الدين بن الخطيب: الإحاطة في أخبار غرناطة ٤: ١٥٥ - ١٥٦.
[ ١ / ٢٩ ]
العُقَيِليّ، خلَّدَ اللهُ إحْسانه، وعَطَّرَ شُكْره زَمانه، مُكمل تَصْنيفه عليّ بن مُوسَى بن مُحمَّد بن عَبْد المَلِك بن سَعِيْد" (^١).
ويقولُ الإمامُ شَرَفُ الدِّين الدِّمْياطِي: "صَحِبتُه بضْعَةَ عَشرَ عامًا، مَقامًا وحَضَرًا، وانْتِقالًا وسَفَرًا، ورَافقتُه من بغداد إلى دمَشْقَ كَرَّتين، وأخَذْتُ عنه في البلَادِ والمنازِل من حَدِيثِه وعِلْمِه ونَثْرِه ونَظْمِه، وَأخَذَ عنِّي أيضًا بسُرَّ مَن رَأى وغيرها، وأَرْدَفني على بَغْلتِه … وكان بارًّا بي، مُحْسنًا، يُؤثُرني على أقْرَاني، ويُقدِّمني على أبناءِ […]، وعَدَّلني تَعْديلًا ما عُدِّله أحدٌ من أمْثالي؛ ذلك أنَّ قاضيَ القُضَاةِ بدمَشْق الْتَمَسَني منه، فامْتَنعَ امْتناعًا شَدِيدًا، لسببٍ جَرَى من القاضي، فطَفَقَ الرَّسُولُ يتَضرَّعُ إليه ويَسْألُه حتَّى أَذِنَ" (^٢).
وكانت له صِلَةٌ بالمُلُوك والأُمَراءِ ببلَادِ الشَّام والدِّيَارِ المِصْريَّة، وكان يَغْشَى مَجالسَهم في سِنٍّ مُبَكِّرةٍ، يَذكُرُ وهو يُتَرْجِم لنَفْسِه عن سِنيّ العِشْرينيَّات من عُمرِه: "وكان المَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِي بن صَلَاح الدِّين صَاحِبُ حَلَب كثيرَ الإكرام لي، وما حَضَرتُ مَجْلسَهُ قطّ فما أقْبَلَ على أحَد إقْبَالَهُ عليَّ مع صِغَرِ السِّنِّ" (^٣)، ورَوَى عن المَلِكِ الظَّاهِر غازي بن يُوسُف بن أَيُّوب (ت ٦١٣ هـ) بقراءتِه عليه بقَلْعةِ حَلَب، حَدِيثًا مُسْندًا، أَوْردَهُ في الجُزءِ الأوَّلِ من كتابِهِ عندَ الكَلامِ على فَضائلِ الشَّامِ وحَلَب، وعَاصَرَ ثلاثةَ مُلُوكٍ من بني أيُّوبَ ممَّن مَلَكُوا حَلَب: المَلِكَ الظَّاهِر غازي (ت ٦١٣ هـ)، ثُمَّ ابنهُ المَلك العَزِيز غِيَاث الدِّين مُحمَّد (ت ٦٣٤ هـ)، وآخرَ مُلُوكِهم المَلِك النَّاصِر صَلَاح الدِّيَن يُوسُف (ت ٦٥٨ هـ)، وكان له اتِّصالٌ أيضًا
_________________
(١) المغرب لابن سعيد (قسم مصر) مقدمة التحقيق ١: م ٥٨، ١٤٧. وكان الشاعر يحيى بن عبد العظيم الجزار يلازمه إذا قدم إلى مصر. ابن شاكر: فوات الوفيات ٣: ١٢٧، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢: ٤٢٤، الزركشي: عقود الجمان ورقة ٣٣٨ أ، المقريزي: المقفى الكبير ٨: ٧٣٦.
(٢) معجم شيوخ الدمياطي ٢: ورقة ١١٧ ب - ١١٨ أ، وأثبته الذهبي في تاريخه ١٤: ٩٣٨.
(٣) ياقوت: مجم الأدباء ٥: ٢٠٨٥.
[ ١ / ٣٠ ]
بمُلُوكِ دِمَشْقَ وحِمْصَ وحَمَاة وغيرِهم منِ مُلُوكِ الأطرافِ والنَّواحِي، وتَرَسَّلَ فيما بينهم، وعندما تولَّى المَلِكُ النَّاصِرُ المُلْكَ سَنَةَ ٦٤٣ هـ أرْسَلهُ إلى أخيهِ المَلِكِ الصَّالح أحمد ابن المَلِك الظَّاهِر صاحِب عَيْنَتاب يَسْتَحلفُهُ لابْنه بعدَ نفسه (^١). وأشارَ ابنُ العَدِيْم لهذه الزِّيارةِ في كَلامهِ على ما وَرَدَ من الكتابةِ القَديْمةِ على الأحْجَارِ بحَلَب (الجزء الأوَّل):
"وحَضَرْتُ بقَلْعَة الرَّاوَنْدَان عندَ المَلِكِ الصَّالح أحمد ابن المَلِك الظَّاهِر غَازِي بن يُوسُف بن أيُّوب، فحَكَى أنَّ عندَه ببلد الرَّاوَنْدَان قَرْيَة، وأشارَ سيدِه نحو الغَرْب … ".
ومَدَحَهُ الكثيرُ من الشُّعَراءِ والأُدَباءِ، وقِيْلَتْ فيه قَصائدُ مُفْردةٌ، فمَّن مَدحَهُ: أمينُ الدِّينِ ياقُوتُ العالِم (^٢)، وياقُوتُ بن عَبْد الله الحَمَويّ (^٣)، وعليُّ بن عُثمان الإرْبليّ (^٤)، وعَبْدُ الرَّحمن بن أحمد بن القَصْريّ (^٥)، وعليُّ بن مَحْمُود بن أبي الشُّكْر البَغْداديّ السَّرْخسِيّ (^٦)، والقَاسِمُ بن القَاسِمِ بن عُمَر الوَاسِطيّ (^٧)، ويَحْيَى بن خالِد بن مُحمَّد القَيْسَرانيّ (^٨)، وأبو زَكَريَّاء يَحْيَى بن غَانِم الخَزْرجيّ (^٩)، وإسْحاق بن عليّ الكاتِب الحَمَويّ (^١٠)، وأبو الوَليد مُحمَّد بن سَعِيد بن مُحمَّد بن الجَنَّان الشَّاطِبيّ (^١١)، وعَلَمُ الدِّين يُوسُف بن عَبْد العَزِيز بن المُرَصِّص في قَصائدَ عَدِيدةٍ
_________________
(١) ابن واصل: مفرج الكروب ٥: ١١٦، اليونيني: ذيل مرآة الزمان ٣: ١٣٥.
(٢) ياقوت: معجم الأدباء ٥: ٢٠٨٧ - ٢٠٨٨.
(٣) معجم الأدباء ٥: ٣٠٩١.
(٤) ابن حبيب: درة الأسلاك في دولة الأزاك (آيا صوفيا)، ورقة ١٥ ب.
(٥) ابن الشعار: قلائد الجمان ٣: ٣٩٥ - ٣٩٦.
(٦) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٤١.
(٧) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٣٥٦.
(٨) ابن الشعار قلائد الجمان ٧: ٢٣٣ - ٢٣٤، ٢٣٦ - ٢٣٨.
(٩) ابن الشعار: قلائد الجمان ٨: ٣٤.
(١٠) ابن حبيب: درة الأسلاك (آيا صوفيا)، ورقة ١٥ ب.
(١١) ابن سعيد الغربي: المغرب في حلي المغرب ٢: ٣٨٣.
[ ١ / ٣١ ]
وطَويلَةٍ (^١)، ويَحْيَى بن عَبْد العَظِيم الجَزَّار الَّذي مَدَحَهُ بَرائيَّة طَويلة، وانْتَخَبَ لهُ ومن مُخْتارِ شِعْرِه ممَّا انْتَقاهُ من ديوانِه وسَمَّاهُ تَقْطِيف الجَزَّار، وأهْدَاهُ لخِزانة كَمال الدِّين بن العَدِيْم (^٢)، والبَهاء زُهَيْر (^٣)، وابن سَعِيد المَغْربيّ في عدَّة قَصائد (^٤).