وَصَلَت جُمُوعُ التَّتَار إلى الشَّام في مَطْلعِ عام ٦٥٨ هـ، وكان نُزُولهُم على حَلَب في الثَّاني من صَفَر من تلك السَّنَةِ، ووَقَع الاسْتيلاءُ عليها فِى التّاسِع منه (^١)، فكُتِبَ الجلَاءُ على أهْلِها، وهَرَبَ كثيرٌ منهم وتفرَّقوا في النَّواحي، وبيع بعضُهم فِي جَزائِر الفِرِنج وبلادِ الأرْمَن، ولَم يَسْلَمْ ممَّن كانَ بحَلَبَ إلَّا مَن دَخَلَ البُيوتَ الَّتي كان مع أهْلِها فَرَاماناتٌ من هولَاكُو (^٢)، وكان ممَّن هَرَبَ عن حَلَب: صاحبُها المَلِكُ النَّاصِرُ الّذي رَحَل إلى غَزَّة والعَريْش (^٣)، وتوجَّه بعضُ مَن سَلمَ إلى مِصْر،
_________________
(١) اليونيني: ذيل مرآة الزمان ١: ٣٥٠، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المالك) ١: ٢٢٩ - ٢٣٠، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٩٢، النويري: نهاية الأرب ٣٧: ٣٨٧.
(٢) النويري: نهاية الأرب ٢٧: ٣٨٧، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٣) العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٢٣٢، تاريخ ابن الوردي ٢: ٢٩٢، المقريزي: السلوك ١/ ٢: ٤٢٣.
[ ١ / ٤٧ ]
مثل كَمال الدِّين بن العَديْم ووَلده مَجْد الدِّين (^١)، وقُتِلَ من أُسْرةِ بني العَدِيْم بعضُ أعْيانِها منهم: مُحمَّد بن يَحْيَى بن مُحمَّد بن أبي جَرادَة، ابن العَدِيْم (^٢).
وبعدَ أن تَصَدَّت العَساكِرُ المِصْريَّةُ بقيادة المَلِك المُظَفَّر قُطُز لجُموعِ التَّتَارِ، وهَزيمةِ هُولاكُو في مَعْركةِ عَيْن جالُوت (٢٥ رَمَضان ٦٥٨ هـ) وجَلاءِ المَغُولِ عن بلاِد الشَّام، عادَ ابنُ العَدِيْم إلى حَلَب ليَرَى ما حلَّ بها من التَّدْميِر والخَرَابِ، وَتشْريدِ أهْلِها، وقَتْل أعْيانِها، فقالَ في ذلك قَصِيْدَةً طويلةً، منها (^٣):
وعن حَلَب ما شِئْتَ قُلْ من عَجائِب … أحَلّ بها يا صَاح إنْ كُنْت تَعْلَمُ
فيَا لكَ من يَوْمٍ شَدِيدٍ لغامُهُ … وقد أصْبَحتْ فيه المسَاجد تُهْدَمُ
وقد دُرِسَت تلك المُدارِسُ وارتَمَتْ … مَصاحفُها فوق الثّرى وهي تُهْضمُ
فلم يُطِقِ المقام بها، وكَرَّ رَاجِعًا نحو مِصْر، شَيْخًا نافَ على السَّبْعينِ من عُمرِه، وعاشَ بمِصْر الأشْهُرَ الأخيرةَ من حَياتِه.
وفي أبياتٍ أرْسَلها ابنْ العديْم إلى ابْنه عَبْد الرَّحمن، يَشْرَحُ فيها حالَهُ وقد أتْعَبهُ السَّفَرُ والتَّرْحالُ، لَم نَقفْ على مُناسَبةِ نَظْمها، ونُقَدِّرُ أنَّ تَوْقيتَها في أعْقابِ تَدْميرِ حَلَب، وبعدَ ارْتِحاله الأخير إلى مِصْر، اسْتِمدادًا من نَفَسِ الأبْياتِ، وشُعُوِر قائِلها بالضِّيْقِ والغُرْبةِ، يَقُولُ فيها (^٤):
هذا كتَابي إلى مَنْ غابَ عن نَظَري … وشَخْصهُ في سَوَاد القَلْبِ والبَصَرِ
ولا يمنُّ بطَيْفٍ منه يَطْرقُني … عندَ المَنامِ ويأتِيْني على قَدَر
ولا كتابٌ له يَأتي فأسْمَعُ من … أنْبائه عنهُ فيه أطْيَبَ الخَبَرِ
_________________
(١) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧١، ٢٧٣.
(٢) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٢٧٧، ٢٨١.
(٣) أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر ٣: ٢١٥، بدر الدين العيني: عقد الجمان (قسم المماليك) ١: ٣٤٠
(٤) فوات الوفيات ٣: ١٢٩ الزركشي: عقود الجمان ٢٣٨ أ.
[ ١ / ٤٨ ]
حتَّى الشّمالُ الَّتي تَسْري على حَلَب … ضَنَّت عليَّ فلم تخْطرْ ولَم تَسِر
أَخُصَّهُ بتَحيَّاتي وأُخبرُهُ … أنِّي سَئمتُ من التَّرْحالِ والسَّفَر
أَبِيْتُ أرْعَى نُجُومَ اللَّيل مُكْتئبًا … مُفكرًا في الَّذي ألْقى إلى السَّحَر
وليسَ لي أربٌ في غير رُؤْيَته … وذاكَ عنديَ أقْصَى السُّولِ والوَطَرِ