أمَّا مَوارِدُ ابن العَدِيم ومَصادرُه الَّتي اتَّكَأَ عليها في وَضْعِ كتابِه الكَبير في التَّاريخ، فهي من الكَثْرةِ ما يَضِيقُ المقامُ عن تَعْدادِها أو إجْمالِ مَوِضُوعاتِها، وقد اسْتَوْعَبَتْها - أو كادَتْ - دِراسَةٌ أُعدِّت لنَيْلِ رُتْبَةٍ عِلْميَّةٍ بجامِعَةِ دِمشْق (^١)، وفيها مُلَاحَقَةٌ وتَتَبُّعُ للمَصادِرِ والأجْزاء الَّتي اطَّلَعَ عليها المُؤلِّفُ ونَقَلَ عنها، وبَحْثٌ في مَوارِده الشَّفَويَّةِ والكتابِيَّة الَّتي أخَذَ منها.
وتقدَّمَ الإلْمَاعُ إلى بَعْضِ مَصادِرِه فيما مَرَّ من هذا العَرْضِ السَّريع، وقد ارْتَأيتُ أنْ لا أُخْلِيَ التَّعْريفَ بالكتابِ من نَظْرةٍ عامَّةٍ على أبْرَزِ مَصادرِ ابن العَدِيْم وموضُوعاتها، بما يَكْشِفُ سَعَة إحاطَتِه بمَصَادِر عَمَلِه، وغِنَى خِزَانته وتَفَرُّدها.
ويُمكنُ التَّمْييزُ بين مَصادرِه الَّتي اتَّكَأ عليها في إعْداد المجلَّدةِ الأُوْلَى من كتابِه، وهي الَّتي جَعَلَها كالمُقَدِّمة للكتابِ، وتعرَّضَ فيها لجُغْرافيةِ الإقْليِم وذِكْرِ نَواحيه وخَواصِّه، وبينَ المصادرَ الَّتي اسْتَخدمهَا في الأجْزاءِ، التَّالية الَّتي تَرْجَمَ فيها لكُلِّ
_________________
(١) موارد ابن العديم التاريخية ومنهجه في كتاب بغية الطلب في تاريخ حلب، رسالة دكتوراه، إعداد مريم محمد خير الدرع، بإشراف الأستاذ الدكتور سهيل زكار، جامعة دمشق، كلية الآداب، ٢٠٠٤ م.
[ ١ / ٩٣ ]
مَن اتَّصَلَتْ له عَلاقةٌ بإقْليمِ حَلَب خلالَ القُرُون السَّبْعةِ الأُوْلَى من عُمْر الدَّوْلَةِ الإسْلاميّة. وهي مَصادرُ تَتَوزَّعُ بين المُشاهَدَةِ والمَقْرُوءةِ (المَكْتُوبة) والمَسْمُوعةِ، تاريخيَّةٍ وجُغْرافيَّةٍ وأدَبيَّةٍ وغير ذلك ممَّا يتَّصِلُ بغَرَضِ الكتاب.
غير أنَّ ما يَسْتَوجبُ الإشارةَ إليه هُنا، أنَّ كثيرًا من هذه المَصادر لَم تَصِلْنا إلَّا بوَسَاطَةِ المُتَبقِّي من كتاب ابن العَدِيْم، ومنها نُصُوصٌ طَويلةٌ من كُتُبٍ مَفْقُودةٍ، تقدَّمَ الإلْماعُ إلى بَعْضِها، ونَذْكرُ تاليًا أبْرزَ المَصَادرِ على وَجْهِ الانْتِقاءِ والإجْمالِ لا الاسْتِقْصَاء والتَّفْصِيل:
فمنها في حَقْلِ الجُغرافيَة: "كتابُ رِحْلة المُعْتَضِدِ لقِتَالِ خُمَارويه" الَّتي قيَّدَها مُرافِقُه ابنُ الطَّيِّب السَّرْخَسيُّ، ونُصُوصٌ مُتَقَطِّعَةٌ من كتابِ المَسَالك "العَزِيزيّ" للمُهَلبيّ، و"رِحْلةُ الطَّبِيْب ابن بُطْلَان"، و"كتابُ نُزْهَةِ النُّفُوس، وأُنْسُ الجلَيس" للفَيلَسُوف ابن الزَّيَّات، ورُوزنَامج مُحَمَّد في أحمد بن الحَسَن الكاتِب المُتَضمِّن رِحْلته من بلادِ أَذْرَبِيْجان إلى الحَجِّ وعَوْدِه منهُ، وكتاب أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن أحمد الجَيْهانِيّ في المسَالِك والممَالِك.
وكان من مَصادرِه في قِسْمِ التَّراجِم كتابُ تاريخ بَغْداد للخَطِيب البَغْداديّ، وكتابُ سَلَفهِ الحَافِظ ابنُ عَساكِر الآخذ فيه أيضًا عن الخَطِيبِ البَغْدادِيّ، وذُيُولُ كتابِ تاريخ بَغْداد: للسَّمْعانيّ ومُحِبّ الدِّين بن النَّجَّار، وكُتُبُ السِّيْرةِ، ومعاجمُ الشُّيُوخ، والمصَادرُ التَّاريخيَّة التَّقْليديَّة المُعْتَبرة كتاريخ الطَّبَريّ، وفُتُوح البُلْدان وأنْسَابِ الأشرَاف للبَلَاذُريّ، وتاريخ نَيْسابُور لأبي عَبْدِ الله الحاكِم، وهو كتابٌ كَبيرٌ مَفْقُودٌ، وَصَلَنا مُلَخَّصٌ له صَنَعَهُ أحمد بن مُحمّد المَعْرُوف بالخلَيْفة النَّيْسابُوريّ (كان حيًّا سَنَة ٧١٧ هـ)، لَم يتَضَمَّنْ من مادَّتِه إلَّا النَّزْرَ اليَسيرَ، ويُمْكَنُ القَولُ بمَزيدِ الاطْمئنان - بعدَ مُقارَنةِ نُقُولِ ابن العَديم من تاريخ الحاكِم - أنَّ التَّلْخِيصَ أقْرَبُ لفِهْرِست
[ ١ / ٩٤ ]
التَّراجم منه تَلْخِيصًا (^١)، وتاريخ أبي إسْحاق إبْراهيم بن حَبِيْب السَّقَطِيّ المُسَمَّى بلَوَامِع الأُمُور، وتاريخ المُسَبّحيّ، وتاريخ الأثَارِبيّ المَوسُوم بـ"كتاب المُفوَّف"، أو: "سِيْرَة الفِرِنْج"، وتاريخ العُظَيْميّ الكَبير المُسَمَّى "المُؤصَّل على الأصْل المُوَصَّل"، ولعلَّ ابنَ العَدِيْم هو الوَحِيدُ الَّذي قيَّدَهُ وسمَّاهُ لنا بهذا العُنْوان، والتَّذْكرة التَّاريخيَّة الَّتي جَمَعَها أبو غالِب هَمَّام بن الفَضْل بن جعفَر بن عليّ بن المُهذَّب ممَّا وَجدَهُ في التَّوَاريخِ المُتقدِّمةِ، ومُؤلَّفات أُسْرة بني مُنْقِذ التَّاريخيَّة والأدَبيَّة من كُتُب ورَسَائلَ ومَدَارج وتَعْليقاتٍ، إضافةً إلى تقييدات تاريخيَّة وَقَعَتْ له ولم يَقِفْ على اسْمِ مُؤلِّفيها أو جامِعيها.
وفي نُقُولِ ابن العَديم ما يُعِيدُ الاعْتِبارَ لبعضِ الكُتُبِ الَّتي نُسِبَتْ خطأً لغير أصْحابِها، فنَقَلُه عن تاريخ البَلْخيّ المَوسُوم بالبَدْءَ والتَّاريخ؛ والّذي نُشِرَ مَنْسُوبًا للمُطَهَّر بن طاهِر المَقْدِسيّ، ونَقَلَ عنه ابنُ العَديم نُصُوصًا في سَبْعةِ مَواضِعَ من الجُزءَ الأوَّل، يُؤكِّدُ أنَّه كتاب البَلْخيّ لا المَقْدسيّ.
واعْتَمد أيضًا كُتُبَ تَرَاجِمِ الشُّعَراءَ ودَواوينَ الشِّعر ومجَامِيْعِه، وبعضُها مُتَداولٌ والبَعْضُ الآخر مَفْقُود مثل كتابِ المُسْتَنِير للمَرْزُبانيّ، وكتابِ الرَّبيع لغَرْس النِّعْمَة، جَعَلَهُ مُؤلِّفُهُ على هَيْئةِ نِشْوارِ المُحاضَرةِ للتَّنُوخيّ. وكان من مَصادِرِه المُهِمّةِ في تَراجِمِ شُعَراءَ المَعَرَّة تلكَ المَجاميع الشِّعْريَّة الَّتي تحَصَّلَ عليها، ونَقَلَ عنها، مثل: مَرَاثِي المُهَذّب المَعَرِّيّين، ومَراثي أبي العَلَاء المَعَرِّيّ.
واعْتَمدَ أيضًا كُتُبَ رِجالِ الحَديث كثِقاتِ ابن حِبَّان، وضُعَفاءَ العُقَيْلِيّ، وضُعَفاءَ ابن شَاهِين، والحِلْيَةِ لأبي نُعَيْم الأصْبهانيّ، وكُتُب الطَّبَقاتِ: طَبَقات خَلِيْفَة وابن سَعْد، والفِهْرَست للنَّدِيْم.
_________________
(١) تلخيص تاريخ نيسابور للحاكم مطبوع.
[ ١ / ٩٥ ]
وكانتْ كُتُبُ الأنْسابِ من أبْرزِ مَصادرِه، مثلُ: كُتُبِ ابن الكَلْبِي والزُّبَيرِ بن بَكَّار وابن حَزَم، وكتابِ دِيْوان العَرَبِ وجَوْهرةِ الأدَب وإيْضَاح النَّسَب للنَّسَّابةِ الأَسَدِيّ، وكتاب نُزْهَة عُيُون المُشْتاقِيْن إلى وَصْف السَّادة الغُرّ المَيامِيْن لأبي الغَنائِم عَبْد الله بن الحَسَن الزَّيْديّ النَّسَّابَة (كان حيًّا سَنَة ٤٠٠ هـ)، وكتاب الجَوْهَر المَكْنُون في الأنْسَاب، وكتاب نُزْهَةِ القَلْب المُعَنَّى في نَسَبِ بَني المُهَنَّا، كلاهُما لمحمَّد بن أسْعد الجَوَّانِيّ النَّسَّابة، وكتاب المَجْدِيّ في أنْسَابِ الطَّالِبيِّيْن، لأبي الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ العَلَويّ العُمَرِيّ، المَعْرُوف بابنِ الصُّوْفيّ، وكتاب أدَب الخَوَاصّ، وكتاب الإيْناس في عِلْم الأنْساب كلاهُما للوَزير المَغْربيّ، وصَلنا كتَابُ الإيناس ووصَلَنا الجُزءُ الأوَّل من كتابِ أدَبِ الخَواصِّ، وأغْلَبُ نُقُولِ ابن العَديْم من أدَب الخوَاصِّ تقَعُ ضمْن الضَّائع من كتابِ الوَزير المغْربيّ، وأيضًا كتاب الإكْمالِ لابن مَاكُولا، والأنْساب للسَّمْعانيّ، وغيرها العَدِيد من كُتُب الأنْساب الَّتي اعْتَمدَها ابنُ العَديم في تأليفِ كتابهِ، وبعْضُها اليَومَ في حُكْمِ الضَّائِع.
ووظَّفَ ابنُ العَدِيْم الوَثِيقةَ المَكْتُوبةَ والأشْعارَ والأرَاجِيزَ وحتَّى النُّقُوشِ والسِّكَّةِ المَضْرُوبةِ في الكتابةِ التَّاريخيَّة، فاسْتفادَ من أُرْجُوزةِ الأعْلَام لأبي عَمْرو القاسم بن أبي داوُد الطَّرَسُوسِيّ، والَّتي انْفَرَدَ بذِكْرِها واسْتِخلَاصِ الإفاداتِ منها عن أوْضَاعَ الثُّغُور - خاصَّة طَرسُوس - وأحْوَالِ زُهَّادها وعُبَّادِها، ووَثَّق ما اطَّلَعَ عليه من كتاباتٍ في جامع أنْطاكِية، يقُولُ (الجُزء الأوَّل):
"والمَسْجِدُ الجامعُ الّذي كان بأَنْطاكِيَة للمُسْلِمينَ، هو إلى جانبِ القُسْيَان، ودَخَلْتُ أنْطاكِيَة في سَنَةِ ثلاثَ عَشرةَ أو أرْبع عشرةَ وستِّمائة، ودَخَلتُ بِيْعَةَ القُسْيَانِ، فوجدْتُ بجانبِها مِحْرَابَ المُسْلِمِيْنَ على حالِهِ، وفي سُقُوفِه آياتُ القُرْآنِ مَكتُوبةً في النَّقشِ، وهي على ما ذَكَرهُ ابنُ بُطْلان من الصُّورةِ، وبِيْعَةُ القُسْيَان مُزَخْرفةٌ بالرُّخَام والفُسَيفِساءَ".
[ ١ / ٩٦ ]
ويَقُولُ في الجُزءَ الخامِس في تَرْجَمَةِ الحَسَن بن طَاهِر العَلويّ النَّسّابَة (ت ٣٣٦):
"ولمَّا زُرْتُ الخَليلَ ﷺ في سَنَة سَبْعٍ وثَلاثين وسِتَّمائة، مَضَيْتُ من زِيَارتِه إلى مَشْهَدِ اليَقِيْن فزُرْتُه، ورَأيْتُ في مَغَارةٍ عندَ بابِ المشْهَدِ قبرًا يَزُوره النَّاسُ، مَكْتُوب عنده على لَوْح من الرُّخَام نقشًا: هذا قَبْرُ فاطِمَة بنت الحَسَن بن طَاهِر بن يَحْيَى بن الحَسَن، وعلى لَوْح آخرَ من الرُّخَام لذلك القَبْر مَكْتُوبٌ نَقْشًا في الحَجَر [من البسيط]
أسكنتَ مَنْ كان في الأحْشَاء مَسْكنُه … بالرَّغم منِّي بين التُّرْبِ والحَجَرِ
يا قبر فاطِمَةٍ بنت ابن فاطِمَةٍ … بنْت الأئمَّة بنْتِ الأنْجُم الزُّهُرِ
يا قَبْرَ بنْت الزَّكِيّ الطَاهِر … الحَسَن بن طَاهِرٍ من نَماه أطْهَرُ البَشَرِ
يا قَبْر كَم فيك من دِيْن ومن وَرَع … ومن حَيَاءٍ ومن صوْن ومن خَفَرِ
وعلى اللَّوْحَ بخَطِّ النَّقَّاشِ الّذي نَقَشَ اللَّوْحَيْن: صَنَعَهُ مُحَمَّد بن أبي سَهْل النَّقَّاشُ بمِصْرَ، وصَاحِبةُ القَبْرِ هي بنْتُ الحَسَن بن طَاهِر هذا، واللهُ أعْلَمُ".
* * *
إنَّ النُّصُوصَ والقِطَعَ المُهِمَّةَ الَّتي انْفَرَدَ ابنُ العَدِيْم بحِفْظِها، والَّتي شَكَّلَتْ جُزءًا من مَصادرِهِ في تأليفِ الكتابِ، أثْبَتها بعدَ أنْ تَتَبَعَها بالنَّقْدِ والتَّصْويبِ والشَّرْح والتَّقْريبِ، هي على قَدْرٍ كَبيرٍ من الأهميَّة، وهي تُعِيْنُ في إعادةِ النَّظَرِ لبَعْض الدِّراساتِ الَّتي تَناولت حَرَكةَ التَّدْينِ التَّاريخيِّ والتَّأليف عُمُومًا حتَّى القَرْنِ السَّابِع الهِجْريّ، وتُسَاهِمُ في رَصْدِ الضَّائِعِ من هذا التُّراثِ، وقد جَمَعَ المَرْحُومُ الدكتور إحْسان عبَّاس بعضَ نُصُوصِ الكُتُبِ الضَّائِعةِ ممَّا وَجَدة عند
[ ١ / ٩٧ ]
ابن العَدِيْم خاصَّةً، واقْتَصرَ فيها على جَمع مادَّةِ ثلاثينَ كتابًا فَقَط من تلكَ الَّتي نَقَل عنها ابنُ العَديم، فجاءَتْ في مُجلَّدٍ أسْماهُ "شَذراتٌ من كُتُب مَفْقُودة" (^١)، كانَ مُعَوَّلُهُ فيه على كتابِ ابن العَدِيْم وبَعْضِ الكُتُب المُسَاعِدة.