تَقيَّلَ ابنُ العَدِيْم - في مَنْهِجِه وخِطَّتِه - سَنَنَ الخَطِيب البَغْدادِيّ في كتابِه "تأريخَ مَدِينَة السَّلام"، وسَلَكَ منْهجه، ولعلَّ ابنَ العَديم ضَمَّن خُطْبَة كتابَ البُغْيَة، الَّتي ضاعَتْ بضَياعَ الأوْراقِ الأُولَى من الجُزءَ الأوَّل، جانبًا من خِطَّتِه، وطَرِيقَته، والغايةِ من تَصْنِيفِه الكتاب.
_________________
(١) محمود شاكر: المتنبي ٦٠٥ - ٦٥٦.
[ ١ / ٧٥ ]
إنَّ وجُودَ الجُزءَ الأوَّل بين أيْدينا، إضافةً إلى أجْزاءَ مُتَفرِّقَةٍ من نصْفِه الأوَّل، وكَذا الجُزء قَبْلَ الجُزئين الأخِيرَيْن منه، تُتِيحُ لنا مَعْرِفَةَ مَنْهجِه في التَّأَلِيفِ وتَرْتيبِ مادَّة الكتابِ، وإنْ كانَ ابنُ الشَّعَّارِ المَوصِليّ قد قرَّر بأنَّهُ سَلكَهُ على غِرَارِ كتاب بَغْداد: "حَذا فيه حَذْوَ تاريخ الخَطِيْب أبي بَكْر بن ثابِت"، (^١)، وألَّفَهُ على نَمطِه (^٢)، لَم يَشُذْ عنه حتَّى في مَداخِل الأبْوابِ والفُصُولِ الّتي تَسْبقُ مَجامِيع أسْماءَ التَّراجم، وإنْ خَالَفَهُ في التَّرْتيبِ في تَراجِم المحمَّدين الَّذين سَلَكهمِ الخَطِيبُ في أوَّلِ التَّراجمِ، عل عادَةِ بَعْض المُؤرِّخِين في تَقْديمهم على غَيْرهم، وتَقْديم العَبادِلَة على بَقيَّةِ العُبّاد تَبَرُّكًا بهم، بينما رَاعَى ابنُ العَدِيْم التَّرْتيبَ على حُرُوف المُعْجَم، فأَخَّرَ ذِكْرَهُم إلى مَوْضِعه.
وعَمَلُ ابن العَدِيْم أيضًا لا يبعُدُ عن طَرِيقَةِ ابن عَساكِر في كتابِه "تاريْخ مَدِينة دِمَشْق"، لكن اخْتِلَافَ مَشْرَبِ كُلٍّ منهما انْعَكَسَ جَليًّا على عَمَليهما، فابنُ عَساكِر - لتكوينه الحَدِيثي - حَشَدَ في كتابِه جُمْلَةً كثيرةً من الرِّواياتِ الَّتي تَعَدَّدَتْ فيها طُرُقُ النَّقْل والرِّوَايةِ وإنْ اتَفقَتْ في المَتْنِ والمَضْمُون، بينما كانَ ابنُ العَدِيْم أكْثَرَ انْتِقاءً وتَحْريرًا لنُقُولِهِ، وأحْرَصَ على جَوْهَرِ المادَّة، وإنْ لَم يُغْفِلْ مَصْدَرَ النَّقْل وسَنَدَ الرِّوايَة.
وفي الكتابِ الأوَّل الَّذي خَصَّصَهُ المُؤلِّفُ للكَلامِ على حَلَب وما يُجاورُها، وما فيها من أنْهارٍ وبُحيراتٍ ومَعالَمَ ومَشاهدَ، فإنَّهُ لَم يخْرُجْ عن مَنْهَجِ الحافظَيْن: الخَطِيبِ البَغْدادِيّ وابن عَساكِر، إذْ خَصَّصَ الخَطِيبُ الجُزءَ الأول من كتابِه للكلَام على مَدِينة بَغْداد وأوَّلِيَّةِ تَأسِيسها، وخِطَطِها، وفَضَائلِها، ومَحاسِن أهْلها، وذِكْر نَهْريها: دِجْلَة والفُرَات، وتَعْدَاد مَساجِدها، وجُسُورها، وما يتعلَّقُ بنَواحِي المَدِينة،
_________________
(١) ابن الشعار: قلائد الجمان ٤: ٢٣٣.
(٢) روزنثال: علم التأريخ ٢٣٣.
[ ١ / ٧٦ ]
ومَرافِقها المُختَلِفة (^١)، وخَصَّصَ الحافِظُ ابن عَساكِر المجَلَّدَيْن الأوَّلَيْن من كتابِه للحَدِيث عن مَدينةِ دِمَشْق وفَضائلِها ومَعالمِها، وقد أثْنَى ابنُ العَدِيْم على عَمَله، واسْتَفادَ منه، وأحَالَ على ما أوْرَده ابنُ عَساكِر في فَضَائل الشَّام، يقول (الجزء الأوَّل):
"وقد ذَكرَ الحَافِظُ أبو القَاسِم الدِّمَشْقِيّ في تاريخ دِمَشْقَ من فَضْلِه ما كَفَى، وأوْردَ في ذلك من الأحاديثِ والآثار ما أشْبَعَ القَولَ فيه وشَفَى، فإنَّه أطالَ فيما ذَكَرَهُ وأطْنَب، وأكْثَرَ النَّقْلَ فيما أوْردَهُ وأسْهَب، ومَدَّ عِنَانَ قَلمِهِ فيما سَطرَهُ وأطْلَقَهُ، وأوْسَعِ المجالَ في كُلِّ حَديثٍ أسْنَدَه وبيَّن طُرُقه، فاكْتَفَيْنا بما نقلَهُ وأوْردَهُ، واسْتَغنينا بما رواه في فَضْل الشَّام وأسْنَدَه، إلَّا إنَّا لم نَرَ إخْلاءَ كتابِنا هذا عن إيْرادِ شيءٍ من فَضْله، ولا إسْتَحْسنَّا تَركَ التَّنبيهِ على ما وَرَد فيه وفي أهْلهِ، فاقْتصَرنا من ذلك على القليل، واكْتَفَيْنا بالإشَارةِ إلى وَجْهِ الدَّليل".
وعليه فقد جَعَلَ ابنُ العَدِيْم الكتابَ الأوَّلَ من تارِيْخهِ كالمُقَدِّمةِ لعَمَله، بل إنَّهُ يُشُيرُ إليه في ثَنايا التَّراجمِ باسْم "مُقَدِّمة الكتاب"، أو "دِيْباجَته"، وعلى هذه المُقَدِّمَة مَدارُ بَقِيَّة الأجْزاء فيمَن تَرْجَم لهم، ويقُولُ روزنثال: "إنَّ ابنَ العَدِيْم يَسْتَحقُّ الذِّكْرَ لا لأَنَّ لبعضِ تَراجِمهِ خَصائِصَ تاريخيَّة، بل لأنَّ المُقَدِّمةَ التَّأريخيَّةَ لأحْسَنِ على يَده فَصْلًا ضَخْمًا عن جُغْرافيَّةِ شَمالي سُوريا، وأنَّها بُحِثَتْ تَبَعًا لأحْسَنِ المَصادِر وقُدِّمَتْ فيها مَعلُوماتٌ ثقافيَّة غَنِيَّة" (^٢).
واسْتنادًا إلى مُلاحَظةِ روزنثال هذه، فقد تَمَيَّزَ ابنُ العَدِيْم في هذه المُقَدِّمةِ عن سَلَفه الخَطِيب، البَغْدادِيّ وابن عَساكِر، إذ جَمَعَ مادَّةً جُغرافيَّةً وَاسِعة وقَيِّمة عن المَنْطقةِ الَّتي شَمِلَها إقْليمُ حَلَب، وهو المُعَبَّرُ عنه قَديمًا بجُنْدِ قِنَّسْرين
_________________
(١) ينظر في ذلك الدراسة الضافية للأستاذ الدكتور بشار عواد معروف في مقدمة تحقيقه للكتاب ١: ٧٥ وما بعدها.
(٢) روزنثال: علم التأريخ ٢٣٣ - ٢٣٤.
[ ١ / ٧٧ ]
ثُمَّ مَمْلكةُ حَلَبَ فيما بَعد، ورَصَدَ أقْوالَ الجُغْرافيِّيْن، ومُدَوَّناتِهم وإفاداتِهم، وحَفِظَ لنا نُصُوصًا غائبِة - أو في حُكْم الضَّائِعةِ - وكانتْ عَيْنُه البَصِيْرةُ نقَّادَةً لتلك الأخْبار والنُّقول، فعلى سَبيل المثال أطْلَعَنا ابنُ العَدِيْم على نُصُوصٍ جُغْرافيَّة للمُهَلبيّ ممَّا ضَمَّنَهُ كتابهُ المَسَالِك والمَمالِك، المَعْروف اخْتِصارًا بالعَزِيزيّ، والَّتي لَم تَصِلْنا إلَّا من طَريقه وبَعْضُها من طَريقِ صَدِيقه ياقُوِت الحَمَويّ، أَثْبَتَها وتَتَبَّعَها بالنَّقْدِ والتَّصْويبِ والشَّرْحِ والتَّوْضِيح. وحَفِظَ لنا بعض نصُوصِ رِحْلَةِ أبي الطَّيِّب السَّرْخَسِيّ (ت ٢٨٦ هـ) الَّتي رَافِقَ فيها الخليْفةَ المُعْتَضدَ بالله في سَفَره عام ٢٧١ هـ لقتالِ خُمَاروَيْه، إضافةً إلى نُصُوصٍ أُخْرَى للسَّرْخَسِي من كتابِه المَسالِك والمَمَالِك، ورِسَالته في البحارِ؛ المفقُودِ أصْلُهُما، وكتابِ المسَالِك والممَالِك لمُحمَّد بن أحمد الجَيْهانِيّ، ومثلُها عَشَراتُ الكُتُبِ والرَّسائل والمجامِيع الَّتي تفرَّدَ المُصَنِّف بذِكْرها والنَّقْل عنها.
وعلى غِرار ما فَعَلَهُ أسْلافُه الحافِظَان: الخَطِيب البَغْدادِيّ وابن عَساكِر وغيرهما ممَّن اعْتَني بالتَّأْريخ البُلْدانيّ، فقد اقْتَصَرَ في كتابهِ على ما يتَّصِلُ بمَدِيْنةِ حَلَب وما يَتْبَعُ إليها من قُرَى ونَواحٍ دُونَ سِواها من حَواضِرَ وأقاليمِ الدَّوْلَة، وأشارَ إلى جانِبٍ من الخِطَّة الَّتي رَسَمها لنَفْسِه في عِدَّة مَواضعَ، فبعد أنْ عدَّدَ المواضِعَ الَّتي تَنْدَرج ضمنَ أعْمال حَلَب، قال (الجزء الأوَّل):
"فهذه المُدُنُ والثُّغُورُ الَّتي أوْرَدنا ذِكْرَها في هذا الفَصْل هي شَرْطُ كتابنا هذا، وقد بيَّنَا أنَّها من أعْمَال حَلَب، وإنْ وقعَ الاخْتلَافُ في بَعْضِها، فلا بُدَّ من ذِكْرِها في هذا الكتاب، وذِكْر ما وَرَد فيها، وذِكْر مَنْ دَخَلَها أو اجْتَازَ بها، أو كان من أهْلِها إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى".
وفي كَلامِه على الإقْليم الرَّابع بحَسَبِ تَقْسِيمات الجغرافيِّين، وهو الإقليمُ الَّذي تقَعُ حَلَب ضِمْنه، وعندَ نقله من جُغْرافيا بَطْلَمْيُوس، وما عدَّدَهُ من أسْماءِ المُدن
[ ١ / ٧٨ ]
المشهُورةِ في الإقليم الرَّابع، انْتَخَبَ منها ما يتَّصِلُ بإقْليم حَلَب، قال (الجزء الأوَّل):
"قال - أي بَطْلميُوس -: وعَرْضُ هذه البُلْدانِ جميعها من ثلاثٍ وثلاثين دَرَجَةً إلى تسعٍ وثلاثين دَرَجَةً. وعَدَّ غيرَ هذه المواضع من المُدُن لم أكْتبها لأَنَّهُ لا يتَعَلَّقُ بذِكْرِها لي غَرضٌ، وانَّما غَرَضي منها ما ذَكَرتُه لأنَّهُ من أعْمَالِ حَلَب، حَرَسها اللهُ تعالى".
وفي كلامِهِ على ما يتعلَّقُ بحَلَبَ من المَلَاحِم (الجزء الأوَّل):
"وذَكَرَ ابنُ المُنادِي أشْياءَ من المَلَاحِم اخْتَصَرتُها أنا، وذكَرتُ ما يتَعلَّقُ بحَلَبَ وأعْمالِها".
ومثلُ ذلك في بابِ التَّراجم، فقد تَجاوَزَ عن التَّرْجَمَةِ لبعضِ أبْناءَ المنطقةِ ممَّن انْقَطَعتْ عَلاقَتُهم بها، ولا تَجْمَعُهم بها رَابِطةُ سُكْنى أو مُرُور؛ أمْثال أبي عليّ المُحَسِّن التَّنُوخِيّ (ت ٣٨٤ هـ)، فقد انتقَلَ أبُوه إلى العِرَاقِ فوُلِد له المحسِّن بالبَصْرَة، وبَقِي في العِراق، وكانت وَفاتُهُ ببَغْداد، وصَرَّحَ ابنُ العَدِيْم بأنَّهُ تَجاوز عن التَّرْجَمَةِ له أثْناءَ الكَلام على التَّنُوخيِّين بحَلَب ونَواحِيها، قال (الجزء الأوَّل):
"وأوْلَد أبو القَاسِم ببَغْداد ولده المُحَسِّن بن عليّ التَنُوخِيّ مُؤلِّف نِشْوار المُحَاضَرة، وكِتاب الفَرَج بعدَ الشِّدَّة، وليسَ هو من شَرْطِ كتابِنا هذا".
وعلى هذا النَّهْج سَلَك كتابهُ، وعلى قاعدةٍ مُقرَّرةٍ سارَ في تأْليفه، فجاءَ رَسْمُه مُطابقًا لاسْمه "تاريخ [إقْليم] حَلَب"، مُخْتصًّا بهذه البُقْعَةِ من بلادِ الشَّام، تَعْرِيفًا بمُدنِها وقُراها ومَعالمِها الطَّبيعيَّة، وتأْريخًا لحَوادثِ وأيَّامها، وتَعْريفًا برِجالها وعُلمَائها: من أهْل البَلَد أو الطَّارئين عليها.
وابنُ العَدِيْم؛ وقد قدَّمَ تَراجِمَ مُتَميِّزة؛ اسْتَقْصَى فيها أخْبارَ المتَرْجَم لهم، وتَتَبَّعَ أحوالَهم بحَسَبِ ما سَمحتْ به مَصادرُ العَصْرِ، وما تَوفَّر لدَيه من رِوَاياتٍ
[ ١ / ٧٩ ]
وأخْبار، فلَم يَكُنْ حصَّادًا للأخْبارِ، جَمَّاعًا لها من المَصادرِ؛ يَحْشُرها دون تَمْحيصٍ ولا تَثَبُّتٍ، بل عَمِلَ على الانْتِقاءَ، والتَّقْليل من التَّكْرار من خلالِ الإحَالةِ على أخْبارٍ تقدَّمَ ذِكْرُها عندَه واتَّصَلتْ بأكْثَرَ من عَلَم. وغَلَبَ عليه طابعُ المُؤرِّخ المُدَقِّق، فامْتَازَ بنَظْرتهِ النَّقديَّة الفاحِصَةِ الصَّارِمَة، فلم يَكُنْ نَاقِلًا للنُّصُوصِ والرِّواياتِ فقط؛ بل نَاقِدًا لها، ومُعلِّقًا على ما يُؤكِّدُ أو يَنْفي كَلامَ مَن تَقَدَّمَهُ، وهو أيضًا يُصحِّحُ ويَعْترضُ ويُؤيِّدُ، ويَعْضُد الأقوالَ أو يُضَعِّفُها، كُلُّ ذلك يَكْشِفُ عن نَفَسٍ تَأْريخيٍّ عَميق، وسَعَةٍ في الاطِّلَاعَ، وفي النَّماذِج التَّالية ما يُغْني عن الشَّرْح:
ففي تَرْجَمةِ المُتَنَبِّي (الجُزء الثاني) نَقَلَ ابنُ العَديم نصًّا من رسَالةِ ابن القَارِح (دَوْخَلَة)، يَذُمّ فيه المُتَنبِّي، مُسْتَنِدًا في ذلك إلى كتابٍ في التَّاريِخ اجْتَمعَ على تأْليفِه ابنُ أبي الأزْهَر والقُطْرُبُّلِيّ، ومَضْمُونُه: "أنَّ الوَزِيرَ عليّ بن عِيسَى جلسَ للنَّظَرِ في المَظَالِم، وأحْضَرَ مَجْلسَهُ المُتَنَبِّي وكان مَحْبُوسًا ليُخلي سَبيلَه، فناظرَهُ بحَضْرَةِ القُضَاةِ والفُقَهَاء، فقال: أنا أحْمَدُ النَّبِيَّ، ولي علامةٌ في بَطْنِي، خاتَمُ النُّبُوَّةِ، وكشَفَ عن بَطْنِه وأراهُم شَبِيهًا بالسَّلْعَةِ على بَطْنهِ، فأمرَ الوَزيرُ بصَفْعِه فصُفِعَ مائة صفْعَة، وضَرَبه وقَيَّده، وأمَرَ بحبسهِ في المُطْبَق". وبعد أنْ عادَ ابنُ العَدِيم إلى كتابِ التَّاريخ المُشَارِ إليه، وجَدَ القصَّةَ في حَوَادثِ سَنَة ٣٠٢ هـ، فحقَّق المَسْألةَ بالقَول:
"فبانَ لي أنَّ أبا الحَسَن عليّ بن مَنْصُور الحَلَبِيّ [دَوْخَلَة]، رأى في تاريخ ابن أبي الأزْهَر والقُطْرُبُّلِيّ ذِكْرَ أحْمَدَ المُتَنَبِّي فظَنَّهُ أبا الطَّيِّب أحْمَد بن الحُسَين، فوقعَ في الغَلَطِ الفَاحِشِ لجَهْلهِ بالتَّاريخ، فإنَّ هذه الوَاقِعَةَ مَذْكُورَةٌ في هذا التَّاريخ في سَنَة اثْنَتَيْن وثَلاثِمائة، ولم يكُن المُتَنَبِّي وُلدَ بَعْدُ، فإنَّ مَولدَهُ على الصَّحيح في سَنَة ثَلاث وثَلاثِمائة، وقيل إنَّ مَولدَه سَنَةَ إحْدَى وثَلاثِمائة، فيكونُ له من العُمْر سَنَة واحدةٌ. وأبو مُحَمَّد عبد الله بن الحُسَين الكاتب القُطْرُبُّلِيّ، ومُحَمَّدُ بن أبي الأزْهَر ماتا جميعًا قبلَ أنْ يَتَرعرعَ المُتَنَبِّي ويُعْرَف.
[ ١ / ٨٠ ]
وهذا المُتَنَبِّي الّذي أحْضرَهُ عليُّ بن عِيسَى هو رَجُلٌ من أهل أصْبَهَان تَنَبَّأ في أيَّامِ المُقْتَدِر، يقالُ له: أحْمَدُ بن عبد الرَّحيم الأصْبَهَانِيّ، ووَجَدْتُ ذِكْرَهُ هكذا مَنْسُوبًا في كتابِ عُبَيْد الله بن أحْمَد بن طَاهِر الّذي ذَيَّلَ به كتابَ أبيه في تاريخ بَغْدَاد".
وفي تَرْجَمَةِ أبي العَرَب البَادِيسِيّ المَغْرِبيّ، نَقَلَ كَلامَ الحافِظ ابن الدُّبَيْثِيِّ، وعَقَّبَ عليه بالقَوْل (الجزء الرَّابع):
"كذا قال ابنُ الدُّبيْثِيِّ: مَنْسُوبٌ إلى بَلْدَةٍ بالمَغْرب تُسَمَّى بَادِيْس! وهو وَهْمٌ فَاحِشٌ، وبَادِيْسُ اسْمُ رَجُلٍ يَنْتسب إليه جَمَاعَةٌ من المُلثَّمةِ، وفيهم مُلُوكٌ منهم: تَمِيْم بن بَادِيسْ، وهذا سَبْتِيٌّ، وبَادِيْس الَّتى هي المَدِينَةُ ليسَ هذا منها، واللهُ أعْلَمُ".
وفي تَرْجَمَةِ قسيم الدّوْلةِ آق سُنْقُر نَقَلَ من تاريخ عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ، وعلَّقَ على ما وقَعَ فيه من أخْطاءَ بالقول (الجزء الرَّابع):
هكذا نَقَلْتُ من خَطِّ ابن مُنْقِذ، وفيه أَوْهَامٌ! من جُمْلتِها أنَّهُ قال: فكَسَرَهُ تاجُ الدَّوْلَةِ بأرضِ تُبَّل. وليسَ كذلك، بل بأرْضِ سَبْعِين أو كَارِس من نُقْرَة بَني أَسَد.
وتُبَّل ليست من هذه الكُورَة، وبينهما مَسَافَةُ يومٍ.
ومن جُمْلَةِ أَوْهَامِه أنَّهُ قال: جلَسَ في قلعَةِ حَلَب، وضَرَبَ رَقَبةَ آقْ سُنْقُر فيها.
وليسَ الأمْرُ كذلك، بل ضَرَبَ رَقَبتَهُ عَقِيب الكَسْرة بسَبْعِين، أو كَارِس، ورُوْمِي ابن وَهْب حَكَى له صُوْرةَ قَتْله، لا أنَّهُ كان بحَلَب، والَّذي قَتَلهُ تاج الدَّوْلَة صَبْرًا بحَلَب هو بُزَان صاحِبُ الرُّهَا، وكان انْهزَمَ في هذه الوَقْعَةِ إلى حَلَب. فلمَّا دَخَلَها تاجُ الدَّوْلَة أحْضَرَه وقَتلَه، وقيلَ: بل أسَرَهُ وحَمَلَهُ إلى حَلَب فقتَلَهُ على ما نَذكُرُه في تَرجَمَتِهِ إنْ شَاء اللهُ تعالَى.
[ ١ / ٨١ ]
وقال: بَقي قَسِيمُ الدَّوْلَةِ في قَبْرِه من سَنَة خَمْسٍ وثَمانين إلى سَنَةِ ستٍّ وعشرين. وهذا طُغْيَانٌ من القَلَمِ، فإنَّ قَسِيمَ الدَّوْلَةِ قُتِلَ سَنَة سَبْعٍ وثمانين، وقد ذَكَرهُ كذلك".
وقال في تَرْجَمَةِ حُجْر بن عَدِيّ الأدْبَر الكِنْدِيّ بعد أنْ نقَلَ رِوايَةً من تاريخ ابن عَساكِر وَقَعَ الخَطَأُ فيها (الجزء الخامس):
"قُلتُ: هكذا جاءَ في هذه الرِّوَايَةِ: فيهم الأشْعَثُ بن قَيْس، وهو وَهْمٌ فَاحِشٌ، فإنَّ هذه القِصَّةَ كانتْ في سَنَةِ إحْدَى وخَمْسِين أو في سَنةِ خَمْسِين، والأشْعَثُ ماتَ في سنةِ أرْبَعيْن قبْلَ هذه الوَاقِعَةِ بإحْدَى عَشْرة سنةً، وقد ذَكَرنا فيما نَقَلْنَاهُ عن ابنِ دِيْزِيْل أنَّ الّذي طَلَبَ منه مُعاوِيَةُ إحْضَارَ حُجْر إليه هو مُحَمَّد بن الأشْعَث. والعَجَبُ أنَّ الحافِظَ أبا القَاسِم ذَكَرَ هذه القِصَّةَ بهذا الإسْنَادِ ولم يُنبِّه على هذا الوَهْم".
وابنُ العَدِيْم صانعُ تَراجِم، إذ لم يَكْتَفْ برَصْدِ تراجم الحلَبيِّيْن أو أولئك الَّذين مرُّوا بحَلَب أو زَارُوها، ممَّا وَجَدَهُ مُترجَمًا في كُتُبِ الرِّجالِ والتَّراجم، بل قد نَجِده يُقِيمُ تَرْجَمَةً لأحَدِهم من تَضاعِيْفِ أسانيدِ الأحادِيث أو الأخْبار، ويَتَتبَّع أخْبارَه في مَظانِّ الكُتُب، مُنْفردًا بالتَّعريفِ به.
ورتَّب التَّراجِمَ على التَّرْتيبِ الألفْبائيّ في الأسْماءَ، وكذا في الآباءَ، ثُمَّ في الأجْدَادِ ودَواليك، ويُلحِقُ الاسْمَ - أحيانًا - بالتَّعْريفِ بنَسَب المُتَرْجَمٍ له أو نِسبتِه، ثُمَّ ذِكْرَ اخْتصاصه من العُلُوم كالفِقْه، أو الحَدِيث، أو الأدَبِ: كتابةً وشِعْرًا، إلى غير ذلك من ضُرُوبِ المَعْرفةِ وأبْوابِ العِلْم، ثُمَّ يُعَدِّدُ شُيُوخه وتَلاميذه، ويُثْبِتُ نُصُوصًا ممَّن تَرْجَمَ له، وأُخْرَى من مَرْويَّاته أو من نتاجِه الشِّعْريّ، وَيَعْرضُ جانبًا من حَياتِه وسِيْرَتِه، ويَخْتمُ التَّرْجَمَةَ بالتَّاريخ لوَفاتِه وإيْرادِ الأقْوالِ إذا ما تعدَّدَتْ واخْتَلَفت.
[ ١ / ٨٢ ]
وتَتَبَّعَ - في تَراجِم المُلُوكِ والأُمَراءَ والقادَة ومَن يَجْري مَجْراهم - ظُرُوفَ عَصْرِهم ومُشَارَكتهم في الأحْدَاثِ الكائنة لعَهْدِهم، وما وقَعَ في أخْبارِهم وسِيَرِهم من وَقائعَ ومُجْرَيات.
ولَم يُعَيِّنْ لتَرَاجِمِهِ مَساحةً محُدَّدةً، فجاءَتْ مُتفاوِتَةً في الطُّولِ والقِصَر، أقلُّها صَدُّ الاكْتِفاء بالاسْم وتَعْريفٍ صغير كتَرْجَمةِ أحمدَ بن حَمْزَة بن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن خُزَيْمَة الهَرَويُّ، أبي إسْمَاعِيْل الحدَّادُ الصُّوْفيّ المَعْرُوف بعَمّوَيْه، والَّتي لم تَزِدْ عن ثلاث كَلَماتٍ: "شَيْخ الصُّوْفيَّةِ بهَرَاة"، وتَرَكَ له فَراغًا لاسْتكمالِ تَرْجمَتِه، وأكْثرُها يَمْتَدُّ لصَفحاتٍ كثيرةٍ تَزِيدُ على السِّتِّين والسَّبْعين، بحَسَبِ قِيْمة المتَرْجَمِ له ومَكانتِه وأثَرِه، وأيضًا بحَسَبِ ما يَقَعُ له من أخْبارِهِ وسِيْرتِه، كتَرْجَمةِ الحُسَين بن عليّ بن أبي طَالب، وأبي الطَّيِّب المُتَنبي، وأبي العَلاء المَرَّيِّ، وأبي العتَاهيَة، والحجَّاج بن يُوسف الثَّقفيّ.
ويلفتُ النَّظَرَ في كتابِه جنُوحُهُ إلى الإحَالةِ ليَسْلَم من التَّكْرار، بما يَجْعَلُ الكتابَ وِحْدةً واحدةً، يُحِيلُ على الأحاديث والرِّواياتِ والأخْبار والتَّراجم. ومن خِلَال إحَالاته الكَثيرة تبَيَّن لنا كَثْرةَ المَفْقُود من كتابه وقِيْمَته.
وتَرْجَم لبعضِ الأعْلام ممَّن وَقَعَ الاخْتِلَافُ في تَسْمِيتهِم على رَسْم كُلّ اسْمٍ من أسْمائِهم، فمثلًا تَرْجَم لأبي لَيْلى الأنْصَاريّ في حَرْف الدَّال على ما قيل في أنّ اسْمَهُ داوُد بن بلَال، وتَرْجَم له في اسْم يَسار (وهو في الضَّائعِ من الكتاب وأحَالَ عليه)، وتَرْجَم له أيضًا في الكُنَى.
وتَرْجَم لأحمدَ بن حَمْدُون المَعْرُوف بالقَنُوعِ المَعَرِّيّ، وهو أيضًا ممَّن وقَعَ الاخْتِلافُ في اسْمه؛ فقيل فيه: أحمد بن مُحَمَّد بن حمْدُون، وقيل فيه: أحْمَد بن مُحمَّد عِوَضَ حَمْدُون، فأفْرَدَ له تَرْجَمةً تحتَ اسْمِه الأوَّل (الجزء الثَّاني)، وتَرْجَمَ له أيضًا
[ ١ / ٨٣ ]
باسْمِ أحمد بن مُحَمَّد بن حَمدُون (الجُزء الثَّالث)، وتَرْجمةً أُخْرَى قي الألْقَاب (الجُزء العاشِر) تحتَ لَقَبِ القَنُوع المَعَرِّيّ، وفي كُلِّ واحدةٍ من هذه التَّراجِم أوْرَدَ له أشْعارًا مُخْتلِفَةً. وقد نبَّه على ذلك عندَ تَرْجَمته الأُولَى له: "وَسَنَذْكُر في كُلّ حَرْف ما سُمِّي به، ونُوردُ من شِعْره في ذلك الحَرْف ما نُسِبَ إلى ذلك الاسْم، والّذي يترجَّح عندي أنَّ اسْمَهُ: مُحَمَّد بن حَمْدُون لأنَّ الأكْثَر عليهِ، واللهُ أعْلَمُ.
وتَرْجَم لشاعِرٍ اسْمهُ عبد الله بن مُحمَّد المُخْتَرز (أو المُحْتَرز)، ويُلَقَّبُ بالأحْوَصِ في أرْبَعةِ مَواضِعَ: في أسْماءَ العَبَادِلة؛ وهي تَرْجَمَةٌ ضائعةٌ، وتَرْجَم له أيضًا في الأسْماءَ باسْم الأحْوَص (الجُزء الثَّالث) وتَرْجَمَ له في الكُنَى والألْقاب في تَرْجَمتَيْن مُنْفردتَيْن الأحْوَص الذُّفافِيّ، والمُحْتَرز الذُّفَافيّ!.
ودَمَجَ ابنُ العَدِيْم أحيانًا التَّرْجَمَةَ لشَخْصَين وجَعلَهُما في تَرْجَمَةٍ واحدةٍ، وَقعَ هذا في الجُزء العاشِر الخاصِّ بالكُنَى والألْقاب؛ كتَرْجَمتِه في كُنَى العَبادِلَة لأبي عَبْد الله الشِّبْليّ، خَادِم المُتَنَبي، وأبي عَبْد الله الدَّنِف الشَّاعِر، جَمَعَهُما لاقْتِرَانهما في الكُنْيَةِ ولاتِّصالهما بالمُتَنَبِّي، فهُما - كما عَرَّفَ بهما ابنُ العَدِيْم - من طَبَقَةِ المُتَنَبِّي وأقْرَانهِ، "كانا عند أبي الطَّيِّب بحَلَب مع جَمَاعَةٍ من الشُّعَراء، فَجَمَعْتُ بينهما في هذه التَّرْجَمَةِ لتَضَمُّن الحِكايَة ذِكْرَهُما جَمِيعًا"، ومثل: "ابْنا مَالِك الأسْلَميَّان"، الَّذَيَنْ أعاد التَّرْجَمَةَ لهما أيضًا باسم "ابْنَا هاشِم الأسْلَميَّان" بحَسَب اخْتِلافِ الأقْوَال في اسْم أبيهما، و"الخالِديَّان المَوْصِليَّان" ابْنا هاشِم العَبْدِيّ.
وتَرْجَم أيضًا لجَماعاتٍ تَجْمَعهُم النِّسْبَةُ إلى القَبِيلةِ أو إلى الصَّنائِع؛ كتَرْجَمتِه في الجُزءَ العاشِر للشِّبامِيِّيْن ممَّن كانوا مع الإمام عليّ كَرَّم اللهُ وَجْهه في صِفِّين، وبني الصُّفْريّ؛ مَوَالِي صالِح بن عليّ بن عَبْد الله العبَّاسِيّ، سُمُّوا بذلك لاسْتِعمالهم آلات الصُّفْر، وهم الَّذين يُسَمِّيهم أهْلُ حَلَب الطَّشْتِيَّة.
[ ١ / ٨٤ ]