فلم يكُن بناؤُهَا بالمُحْكَم، وكان سُورها أوَّلًا مُتَهَدِّمًا على ما ذكَرَهُ أرْباب التَّواريخ، ولم يكن مَقام المُلُوك حينئذٍ فيها، بل كان لهم قُصُور بالمَدِينَة يسْكنونها، ولمَّا فَتَحَ الرُّوم حَلَب في سَنَة إحْدَى وخَمْسين وثَلاثِمائة، لجأ إلى القَلْعَة مَنْ لجأ، وسَتَرُوها بالأكُفِّ والبَراذع (a)، فعَصَمتهم من العَدُوِّ لعلُوِّها، وزَحَفَ ابنُ أخت المَلِك (^١) فأُلْقي عليه حَجَر فقتَلَهُ، ورحَل الدُّمُسْتُق عنها، فاهْتَمَّ المُلُوك بعد ذلك بِعمَارَة القَلْعَة وتحْصِينها.
_________________
(١) (a) في ك: البرادع، وهي لغة فيها.
(٢) ربما كان يانس بن شمشقيق، فإنه كان مع نقفور بن الفقاس في مهاجمة حلب، وانظر الخبر مفصلًا في زبدة الحلب ١: ١٢٩، الكامل لابن الأثير ٨: ٥٤٠ - ٥٤٢، وتاريخ ابن الوردي ١: ٤٥٣.
[ ١ / ١٧٣ ]
وعَصَى فيها فَتْح القَلْعِيّ على مَوْلاه مُرْتَضَى الدَّوْلَة بن لُؤْلُؤ، ثُمَّ سلَّمَها إلى نُوَّاب الحاكِم، فعَصَى فيها عَزيز الدَّوْلَة فَاتِك على الحاكِم، وقيل بالمرْكِز، وكان قَصْرُهُ - الّذي يُنْسَبُ إليه خَانَكاه القَصْر - مُتَّصِلًا بالقَلْعَة، والحَمَّام المَعْرُوفة بحَمَّام القَصْر إلى جانبه، فخُرِّب القَصْر بعد ذلك تَحْصينًا للقَلْعَة، وصار الخَنْدَق موضعه. ودخَلْتُ أنا هذه الحَمَّام وهي دَائِرَةٌ، فهدمَها المَلِكُ الظَّاهِر ﵀، وجعلها مَطْبخًا له.
ولمَّا قُتِلَ عَزيز الدَّوْلَة، صار الظَّاهر ووَلده المُسْتَنْصِر يُوَلِّيان واليًا بالقَلْعَة، وواليًا بالمَدِينَة خوفًا أنْ يَجْري ما جَرى من عزيز الدَّوْلَة.
فلمَّا مَلَكَ بنو مِرْدَاس، سَكنُوا في القَلْعَة، وكذلك مَنْ جاءَ بَعْدَهم من المُلُوك، وحَصَّنُوها، لا سِيَّما المَلِك الظَّاهِر غَازِي؛ فإنَّه حَصَّنَها وحَسَّنَها، وابْتنى بها مصنعًا كبيرًا للماءِ، ومخازنَ للغَلَّةِ، ورفعَ باب القَلْعَة وكان قريبًا من المَدِينَة، ويُصْعدُ منه إلى بَاشُوْرَة (^١)، هي مَوضِع باب القَلْعَة الآن، ولها سُور من مَوضِع الباب الآن، يَدُور في وَسطِ التَّلّ إلى المِنْشَار (^٢) المُتَّصل بباب الأرْبَعِين.
وكان في البَاشُوْرَة مساكن لأجْنادِ القَلْعَة، ورأيْتُ في وسطِهِ بُرْجًا كبيرًا، مَبْنيًّا فوق طريق الماء من القَناة إلى السَّاتُورة الّتي للقَلْعَة، وكان على ذلك البُرْج اسم المَلِك الصَّالِح إسْمَاعِيْل بن نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، فحرَّبَ المَلِك الظَّاهِر ﵀ تلك البَاشُوْرَة، وسَفَّحَ القَلْعَة من أسْفل الخَنْدَق إلى سُورها الأعْلَى،
_________________
(١) الباشورة: تلٌّ مرتفع يتخذ عند باب المدينة أو القلعة المباشرة القتال منه في أوقات الحصار والحرب، وعرفها ابن الشحنة بأنها "قطعة أرض ظاهر سور البلد يجعل عليها سور خاص يحول بينها وبين الخندق، يُخْرج منها إلى ظاهر البلد"، انظر: الدر المنتخب ٤٥، والمعجم الجامع في المصطلحات ٣٥.
(٢) المِنْشار: من أبراج قلعة حلب، ويصعد منه إلى القلعة، ويتصل هذا البرج أيضًا بباب الجبل الآتي ذكره فيما يلي. زبدة الحلب ٢: ٥٥٤.
[ ١ / ١٧٤ ]
وكان قد بَنى بعض السَّفح بالحَجَرِ الهِرَقْلِيّ (^١)، وعَزم على تَسْفيحها بذلك الحَجَر، قالت المِنيَّةُ بينَهُ وبين أمَله، وصدَّه عن مُراده ما حَضرَ من أجَله، وكان قد وسَّعَ الخَنْدَق الّذي للقَلْعَة وعمَّقه، وبنى حائطه من جهة المَدِينَة، ورفعَ باب القَلْعَة إلى مكانه الآن، وعمل له هذا الجِسْر المُمْتَدِّ، فجاءَ في غاية الحُسْن والحَصَانة.
وعَمِل بابًا آخر؛ كان إذا ركبَ ينزلُ منه وَحْدُه ويصْعَدُ، ويُغْلق فلا يُفْتح إلَّا له، وهو بابُ الجَبَل الّذي هو إلى جانب دار العَدْلِ، وبَني المَلِكُ الظَّاهِر سُورًا على دار العَدْل، وفَتح له بابًا من جهة القِبْلَة تجاه باب العِرَاق، وبابًا من جهة الشَّرْق والشَّمَال على حافَة الخَنْدَق، كان يخرج منهما إذا رَكب.
وبنى دار العَدْلِ لجلُوسِهِ العامِّ فيها بين السُّورين: السُّور العَتِيق الّذي فيه الباب الصَّغير، وفيه الفَصِيل الّذي بناهُ نُور الدِّين، وبين السُّور الّذي جدَّدَهُ إلى جانب المَيْدَان.
واهْتَمَّ المَلِك الظَّاهِر أيضًا بتَحْريرِ خَنْدَق الرُّوم، وهو من قَلْعَة الشَّريف إلى الباب الّذي يخرج منه إلى المَقام، وبنَى ذلك الباب ولَم يُتِّمه، فتُمِّمَ في أيَّام ولده المَلِك العَزِيْز، ﵀.
ثُمَّ يَستمرُّ خَنْدَق الرُّوم من ذلك المكان شَرقًا، ثُمَّ يعود شمالًا إلى الباب الّذي جُدِّد أيضًا في أيام المَلِك العَزِيْز لَصِيق المَيْدَان، ويُعْرفُ بباب النَّيْرَب، ثُمَّ يأخُذُ شمالًا إلى أنْ يَصل إلى باب القَناة الّذي يخرج منه إلى بَانَقُوسَا، وهو بابٌ قديم، ثُمَّ يأْخُذ غَرْبًا من شمالي الجُبَيْل (a) إلى أنْ يتَّصل بخَنْدَق المَدِينَة. وأمَرَ المَلِكُ
_________________
(١) (a) الأصل: الحيل؛ مهملة باستثناء الياء، والمثبت من ك وابن شداد: الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٦٣.
(٢) الحجر الهرقليّ: هي تلك الحجارة المشذبة التي تؤخذ من المباني والمنشآت الرومية، فتنقل وتستخدم في بناء القلاع والمنازل وخلافه.
[ ١ / ١٧٥ ]
الظَّاهِر برَفْع التُّراب وإلْقائه على شَفِير هذا الخَنْدَق ممَّا يلي المَدِينَة، فارْتَفع ذلك المكان وعَلا، وسُفّح إلى الخَنْدَق، وبُني عليه سُور من اللَّبِن في أيَّام المَلِك العَزِيْز مُحمَّد ﵀، وولاية الأتَابِك طُغْرِل، وأُمِرَ الحَجَّارُون بقَطْع الأحْجار من الحوَّارة من ذلك الخَنْدَق، فعُمِّق واتَّسَع، وقَوِيَت به المَدِينَة غايَة القُوَّة.