الّتي تَدْخل إلى المَدِينَة، فقيل: هي عَيْن إبْرَاهِيم ﵇، وهي تأتي من حَيْلان (^٢)؛ قريةٌ شمالي حَلَب، وفيها أعْيُن، جُمِعَ ماؤها وسِيْق إلى المَدِينَة، وقيل: إنَّ المَلِك الّذي بني حَلَب، وزنَ ماءها إلى وَسط المَدِينَة، وبَني المَدِينَة عليها، وهي تأتي إلى مَشْهَد العافية تحت بَعَاذِين (b)، وتركب بعد ذلك على بناءٍ مُحْكَم
_________________
(١) (a) ساقطة من ك. (b) في الأصل وك: بعادين، والصواب بالذال المعجمة، وكانت إحدى قرى حلب، وهي اليوم من أحياء حلب، وتُعرف ببعيدين، وتشتهر ببساتينها ومقالع الرخام الأصفر. ياقوت: معجم البلدان ١: ٤٥٢، الأسدي: أحياء حلب وأسواقها ١٣٥.
(٢) إنَّ كان مراده ذكر الواساني أو أبياته التي يهجو فيها ابن أبي أسامة، فيرد ذلك في ترجمة الحسن بن الحسين الواساني (الجزء الخامس).
(٣) حيلان: كانت في القديم قرية تقع إلى الشمال من مدينة حلب، تتبع ناحية جبل سمعان بمحافظة حلب، وتبعد عن حلب مسافة ٨ كم، وطالها التوسُّع فأصبحت اليوم من أحياء حلب، المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري ٣: ١٩١، الأسدي: أحياء حلب وأسواقها ١٨٤.
[ ١ / ١٨٠ ]
رُفِعَ لها لانْخفاض الأرْض في ذلك المَوْضِع، ثُمَّ تمرُّ إلى أنْ تصل إلى بَابِلَّى (^١)، وهي ظاهرةٌ في مَواضع، ثُمَّ تَمُرُّ في جِبَابٍ قد حُفِرَت لها إلى أنْ تنتهي إلى باب القَناة، وتُظْهرُ في ذلك المكان، ثُمَّ تمرُّ تحت الأرْض إلى أنْ تَدْخل من (a) باب الأرْبَعِين، وتنْقَسم في طُرقٍ مُتَعدِّدة إلى البَلَد (b).
ولأهْل حَلَب صَهاريجٌ في دُوْرِهم يَخْزنون فيها الماء منها ويُبرِّدُونَه فيها، إلَّا ما كان من الأمْكنة المُرتَفعة كالعَقَبَة (^٢)، وقَلْعَة الشَّريف؛ فإنَّ صَهاريجهُم من المَطَر، وقد كانت هذه القَنَاة فسد طريقُها لطُول المُدَّة ونقص مَنابيع (c) عُيُونها فكَراها السُّلْطَان المَلِك الظَّاهِر ﵀، وحرَّر طَريقها إلى البَلَد وكَلَّسَهُ وسدَّ مَخارج الماءِ فيه، فكَثُر ماؤها، وقَوِيَت عُيُونها، وجدَّد القَنوات في حَلَب والقَساطِل، وأجْرى الماءَ فيها حتَّى عَمَّت أكثر دُوْر البَلَد، واتُّخذت البِرَك في الدُّور، حتَّى قال أبو المُظَفَّر بن مُحمَّد بن مُحمَّد الوَاسِطِيّ المَعْرُوفُ بابن سُنَيْنير (d) يَمدحُهُ، وسَمِعْتُها من لفظه (^٣): [من الكامل]
_________________
(١) (a) الأعلاق الخطيرة ١/ ١: ٣٣٩: إلى. (b) في ك: أهل البلد. (c) في ك: ونقص منها نبع. (d) كذا في الأصل، وك: ابن ستينير، وعند ابن خلکان وابن شاكر الكتبي: ابن السنينيرة، تصغير سنورة، وعند ابن الشعار والصفدي بإسقاط الألف واللام: ابن سنينيرة. واسمه عبد الرحمن بن محمد (ت ٦٢٦ هـ). انظر: قلائد الجمان ٢: ٣٢٥ - ٣٣١، وفيات الأعيان ١: ٢١٥، فوات الوفيات ٢: ٢٩٨ - ٣٠٠، والوافي بالوفيات ١٨: ٢٦٢.
(٢) بابلّى: قرية بظاهر حلب إلى ناحية الشرق بينهما نحو ميل، كانت عامرة آهلة في زمن المؤلِّف. ياقوت: معجم البلدان ١: ٣٠٩، الأسدي: أحياء حلب وأسواقها ١٠٩.
(٣) العقبة: ويقال لها عقبة بني المنذر لنشوزها عن بقية أرض حلب، وهي من أحياء مدينة حلب، فيها جامع عتيق يسمى جامع القيقان. الغزي: نهر الذهب ١: ١٧، ٢: ٨٧، الأسدي: أحياء حلب وأسواقها ٢٨٠.
(٤) الأبيات في قلائد الجمان ٢: ٣٣٠، ويذكر ابن خلكان. في ثنايا ترجمة البهاء السنجاري - أن ابن السنينيرة قدم إلى حلب سنة ٦٢٣ هـ، (وفيات الأعيان ١: ٢١٥)، ولعل ابن العديم سمع منه القصيدة في أثناء زيارته تلك.
[ ١ / ١٨١ ]
روَّى ثَرَي حَلَب فعَادَت (a) رَوْضَةً … أُنُفًا وكانَت قَبْلَهُ تَشْكُو الظَّمَا
أحْيَا رُفَاتَ مَوَاتها فكأنَّه … عِيسَى بإذن الله أَحْيا الأعْظُما
لا غَرْوَ إنْ أجْرَى القَنَاةَ جَداولًا … فلطَالمَا بقَناتِهِ أجْرَى الدَّمَا
ووصَلَ ماءُ القَنَاة في أيَّامه إلى مواضِعَ من البَلَد لم يُسْمع بوُصُوله إليها، حتَّى إنَّها سِيقَت إلى الحاضر السُّلَيْمَانيِّ (^١)، ووقف عليها أوقافًا لعمارتها وإصلاحها.
قرأت في كتاب المَسَالِك والمَمَالِك الّذي وضَعَهُ الحَسَن بن أحْمَدُ المُهَلَّبيُّ العَزِيْز الفاطِميّ المُسْتَولِي على مِصْر، قال (^٢): فأمَّا حَلَب؛ فهي مَدِينَةُ قِنَّسْرِيْن العَظِيمَة، وهي مُسْتقرُّ السُّلْطَان، وهي مَدِينَةٌ جَلِيلةٌ عامرةٌ آهلةٌ، حَسَنَةٌ المنازل، بسُور عليها من حَجَرٍ، وفي وسطها قَلْعَةُ على جَبَل وسط المَدِينَة لا تُرام، ليس لها
_________________
(١) (a) ابن الشعار: فصارت.
(٢) الحاضر السليمانيّ أو حاضر حلب: يقع إلى الجنوب الشرقي من حلب، وهو غير حاضر قِنّسرين المسمى بحاضر طيء، وكان عبارة عن محلة كبيرة بظاهر حلب، تجمع قبائل عديدة من تنوخ وغيرهم. وكان فيه قصر لسليمان بن عبد المَلِك ابتناه أيام ولايته ولهذا سمي بالحاضر السليمانيّ، وقد استغل أهل الحاضر الاضطرابات التي عمَّت الدولة الإسلامية أثناء الفتنة بين الأخوين فعمدوا لمهاجمة حلب، وتم صدّهم وإخراجهم بمعونة العباس بن زفر الهلالي فتوجّهوا إلى قِنّسرين وفشلوا أيضًا في التغلب عليها وتفرقوا بعد ذلك في البلاد. وكان الحاضر في القرن السابع الهجري يسمى حاضر السليمانية، وأكثر سكانه من التركمان، وأصبح اسمه اليوم حيّ الكلاسة، من أكبر أحياء مدينة حلب. قدامة: الخراج ٣٠٣، ياقوت: معجم البلدان ٢: ٢٠٦، ابن العديم: زبدة الحلب ١: ٤٦، ٨٤، ابن شدَّاد: الأعلاق الخطيرة ١/ ٢: ٩١، أبو الفداء: اليواقيت والضرب ٣٤، ابن الشحنة: الدر المنتخب ٥٨، الأسدي: أحياء حلب ١٧٧ - ١٧٨، ٣٢٨.
(٣) کتاب المسالك والممالك المعروف اختصارًا بالعزيزي للمهلبي (ت ٣٨٠ هـ) من الكتب الضائعة التي لم تصلنا، والنشرة المتوفرة منه هي نصوص مُجمعة من المصادر التي نقلت منه، وفي مقدمتها كتاب بغية الطلب لابن العديم، وكان كتاب المهلبي من أهم مصادر ياقوت في معجمه، نقل عنه - بحسب كراتشكوفسكي - أكثر من ستين مرة، كما اعتمده أبو الفداء في التعريف بالمواضع التي ضمّنها كتابه تقويم البلدان. انظر: كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي ٢: ٢٣٠.
[ ١ / ١٨٢ ]
إلَّا طريق لا مُقابَلَة عليه، وعلى القَلْعَة أيضًا سُور حَصِيْن؛ وشِرْبُ (^١) أهْل حَلَب من نَهْرٍ على باب المَدِينَة يُعْرفُ بقُوَيْق، ويَكْنِيه أهْلُ الخَلَاعة أبا الحَسَن. وأعمال قِنَّسْرِيْن كُلّها ومَدِينَة حَلَب فُتِحَت صُلْحًا.
وقال: فأمَّا الأقالِيْم الّتي هي منها، فإنَّ من الإقْليم الرَّابع حَلَب، وعَرْضُها أربعٌ وثلاثون دَرَجَة.
فأمَّا أهلُها؛ فهم أخْلاطٌ من النَّاس من العَرَب والمَوَالِي، وكانت بها خِطَطٌ لوَلَدِ صالِح بن عليّ بن عَبْد الله بن عَبَّاسٍ، وتَأَثَّلَتْ لهم بها نِعْمة ضَخْمة، ومَلكوا بها نفيس الأمْلاك، وكان منهم مَنْ لَحِقْتُ بقيَّتهم بنو القَلَنْدَر، فإنَّني شاهدتُ لهم نِعَمًا ضَخْمةً، ورَأيتُ لهم منازلَ في نهايةِ السَّرْو.
وكان بها أيضًا قومٌ من العَرَب يُعْرفونَ ببني سِنَان، كانت لهم نعمةٌ ضَخْمةٌ.
وسَكَنها أحْمَدُ بن كَيْغَلَغ، وبنَى بها دارًا مَعْرُوفة إلى الآن؛ ومَلَكَ بها بدرٌ غلامُهُ ضِيَاعًا نفيْسَةً، فأتَى على ذلك كُلِّه الزَّمانُ، وسُوءُ مُعاملَة مَنْ كان يلَي أُمُورَهم، لأنَّهُ لم يكُن بالشَّامِ مَدِينَة أهلها أحْسَن نِعَمًا من أهْل حَلَب، فأتَى على ذلك كُلِّه، وعلى البَلَد (a) نَفْسه، سُوءُ مُعاملَة عليّ بن حَمْدَان لهم، وما كان يراهُ من التَّأَوُّلِ في المُطالبةِ.
قلتُ: إلى ذلك أشار أبو مُحمَّد عَبْد الله بن مُحمَّد بن سعيد بن سِنَان في قَصِيْدته الَّتي يقُول فيها (^٢): [من البسيط]
أَوْدَي عليُّ بْنُ حَمْدَانٍ بوَفْرِهمُ … وقُدِّرت لهُم في مُلْكِهِ المِحَنُ
_________________
(١) (a) في ك: أهل البلد.
(٢) كذا بكسر الشين المعجمة، ومثله حيثما ترد، وهو لغة في الشُّرب.
(٣) لَم أقف عليه في ديوان ابن سنان الخفاجي.
[ ١ / ١٨٣ ]
وكان سَيْف الدَّوْلَة عليّ بن حَمْدَان قَبض أملاك جِدِّه سَعيد، وهي مَزْرعةٌ تُعْرفُ بكَفر صفْرا (^١) من كُورَةِ قُوْرُس، ورَحى الدِّيْناريّ (^٢) وأرْضها السَّقي والعِذْي، وبُسْتان البُقْعَة (a) بحَلَب.
عُدْنا إلى كَلام العَزِيزِيّ، قال: وحَلَب من أجَلِّ المُدُنِ وأنْفَسِها، ولها من الكُوَرِ والضِّيَاع ما يَجْمَعُ سائرَ الغَلَّات النَّفِيسَة، وكان بَلد مَعَرَّة مَصْرِيْن إلى جَبَل السُّمَّاق بلَد التِّيْن والزَّبِيْب والفَسْتُق والسُّمَّاق وحَبَّة الخَضْراء، يَخْرج عن الحَدِّ في الرُّخْص، ويُحْمل إلى مِصْر والعِرَاق، ويُجَهَّز إلى كُلِّ بَلَدٍ.
وبلَد الأثارِب (^٣) والأَرْتاح (^٤) إلى نحو جَبَل السُّمَّاق أيضًا، مثل بَلَد فِلَسْطين في كَثْرة الزَّيْتُون. ولها ارتفاعٌ جليل من الزَّيْت، وهو زَيتُ العِرَاق؛ يُحْمل إلى الرَّقَّة إلى الماءِ - ماءِ الفُرَات - إلى كُلِّ بَلَد، وقد اخْتَلَّ ذلك ونَهَكَهُ الرُّوم.
فأمَّا خِلَقُ أهْلها، فهُم أحسَنُ النَّاس وجُوهًا وأجْسامًا، والأغلَبُ على ألْوانِهِم الدُّرِيَةُ والحُمْرة والسُّمرة، وعيُونُهم سُودٌ وشُهْل، وهُم من أحْسَنِ النَّاسِ أخْلاقًا
_________________
(١) (a) مهملة الأول في الأصل.
(٢) كفر صفرا (كفر صفرة): قرية عند السفح الجنوبي لجبل حلب تتبع ناحية جنديرس بمنطقة عفرين من محافظة حلب، وتبعد عن بلدة جنديرس مسافة ٥ كم باتجاه الشمال الغربي. طلاس: المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري ٥: ٥٦.
(٣) لم أهتد للتعريف بها، وذكر أبو الفداء موضعًا يسمي: رحي القديمي على نهر قويق. اليواقيت والضرب ١٣٨.
(٤) الأثارب: في ناحية الغرب من قِنّسرين، تقع بين حلب وأنطاكية، وتبعد عن حلب نحو ٣٠ كم، أو مسيرة يوم، وعن أنطاكية يومان، وعن بلدة عفرين ١٠ کم، وكانت القلعة خرابًا في زمن ياقوت الحموي (القرن السابع الهجري). وهي اليوم مركز ناحية بمحافظة حلب وتسمى الأتارب بمثناة فوقية عوض المثلثة. انظر: الطبري: تاريخ ١٠: ٨١، الإصطخري: مسالك ٦٧، ابن حوقل: صورة الأرض ١٨٧، المقدسي: أحسن التقاسيم ١٩٠، ياقوت: معجم البلدان ١: ٨٩، طلاس: المعجم الجغرافي ٢: ٥١ - ٥٢.
(٥) أرتاح: بلد وحصن من العواصم من أعمال حلب، يتبع قضاء حارم. ياقوت: معجم البلدان ١: ١٤٠ - ١٤١، کامل الغزي: نهر الذهب ١: ٤٩٤.
[ ١ / ١٨٤ ]
وأتَمَّهم قامةً. وكانت اعْتقاداتُهم مثل ما كان عليهِ أهْلُ الشَّام قديمًا، إلَّا من تَخَصَّص منهم، وقِبْلَتُهم مُوافقَةٌ لقِبْلة أهلِ الشَّام.
يُشيرُ بقوله: وكانت اعتِقاداتُهم مثل ما كان عليه أهلُ الشَّام قديمًا؛ إلى مَذْهب أهلِ السُّنَّة، وكذلك كان مَذاهبُ أهْل حَلَب، حتَّى هَجَمَها (a) الرُّومُ في سَنَة إحْدَى وخَمْسين وثَلاثِمائة، وقَتَلُوا مُعظم أهلها، فنَقَلَ إليها سَيْف الدَّوْلَة من حَرَّان جماعةً من الشِّيْعَة مثل الشَّريف أبي إبْرَاهِيم العَلَويّ وغيره، وكان سَيْف الدَّوْلَة يَتَشَيَّع، فغَلَب على أهْل حَلَب التَّشَيُّع لذلك.
وقَوْله: وفي وسطها قَلْعَةٌ على جَبَل وسط المَدِينَة، ليس كذلك، بل القَلْعَة في طَرف المَدِينَة، وسُور المَدِينَة يَخْتلط بسُورها، والظَّاهرُ أنَّه شاهَدَ القَلْعَة من داخل المَدِينَة فظنَّها في وسطها، ولم يُشاهدها من خارج.
وقَوْله: وشِرْب أهْل حَلَب من نَهْر قُوَيْق، ليسَ كذلك، إلَّا لَمْن كان بالقُرْبِ منه، أو أنَّه أراد ما يَحْمله السَّقَّاؤون في الرَّوَايا، بل الغَالِب في شرْب أهْلها من قَنَاةِ حَيْلان.
وقد أنْبَأنَا أبو مُحمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف، عن أبي الفَتْح بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا الحُمَيْديّ، قال: أخْبَرَنا مُحمَّد بن هِلِّل (b) بن المُحَسِّن الصَّابِئ، قال:
_________________
(١) (a) في ك: هجمتها. (b) في الأصل - حيثما يرد في سائر أجزاء الكتاب -: هلل، وأحالها ناس نسخة "ك" - وهي نسخة متأخِّرة جدًّا - إلى: هلال بألفٍ وُسْطى، جَريًا على الرَّسم المتأخِّر للأسماء التي كانت تُطرح منها الألف مثل: معوية = معاوية، وإسحق = إسحاق، وهرون = هارون وغيرها، ممَا درجَ عليه المحقِّقون. لكنَّ الباحث العراقي المحقِّق الدكتور إحسان ذنون الثامريّ، توصَّل إلى وجه آخر في كتابته، وأنه: هِلِّل أو: هِلِّيْل، وليس هِلَالًا، وتحقَّق من ذلك بالاتِّكاء على أصول خطيَّة كثيرة متنوعة، ورد فيها الاسم - في سياقة أسماء أفراد الأسرة - مجوَّدًا على هذه الصورة، ومنها أصول بخط أبي إسحاق الصابيء أحد كتاب الأسرة البلغاء، وجدُّ هِلّل المذكور أعلاه، وأدَّاهُ البحث والتتبُّع أيضًا إلى أن هذا الاسم بصيغة "هِلَّل" و"هِلِّيْل"، هو من أسماء الصابئة القدماء، ذكر ذلك كله في دراسة مُطوَّلة سبقت النصّ المنشور من كتاب ديوان رسائل الصابئ (وهو قيد الطَّبع)، وضمَّنها نماذج مخطوطة تدلّل على صواب مذهبه.
[ ١ / ١٨٥ ]
كَتَبَ المُخْتَار بن الحَسَن بن بُطْلان المُتَطَبِّب كتابًا إلى والدي هِلِّل بن المُحَسِّن في سَنَة أرْبعين وأرْبَعِمائة، يذْكُرُ له فيها خُرُوجه من بَغْدَاد، وما دَخَل من البلاد، قال فيها (^١): رَحَلنا من الرُّصَافَة إلى حَلَب في أربَع مَراحل، وحَلَب بلدٌ مُسَوَّر بحَجَرٍ أبيض، فيه ستَّة أبواب، وفي جانب السُّور قَلْعَةُ في أعْلَاها مَسْجِد وكَنِيْسَتان، وفي أحديهما كان المذبَحُ الّذي قرّب عليه إبْرَاهِيمُ ﵇. وفي البَلَد جامعٌ، وستّ بيَعٍ، وبِيْمَارِسْتان صَغير. والفُقَهاءُ يفْتُون على مَذْهبِ الإمامِيَّةِ. ويَشْربُ أهْل البَلَد من صَهاريج فيه مَمْلوءَة بماء المَطَر، وعلى بابه نَهْرٌ يُعْرفُ بالقُوَيْق، يَمُدُّ في الشِّتَاء ويَنْضَبُ في الصَّيْف. وفي وسط البَلَد دَارُ عَلْوَة صاحبَة البُحْتُرِيّ. وهو بلدٌ قليل الفاكهة والبُقُول والنَّبيذ إلَّا ما يأتيهِ من بلادِ الرُّوم، وفيها من الشُّعَرَاءِ جَمَاعَة، وذكَر أبا الفَتْح بن أبي حَصِينَة (^٢)، وذكَرَ کاتبًا نصرانيًّا هو صَاعِد بن عِيسَى بن سُمَّان (a)، وذكَر أبا مُحمَّد بن سِنَان، وأبا المَشْكُور.
ثُمَّ قال (^٣): ومن عَجائب حَلَب أنَّ في قَيْسارِيَّة البَزِّ عشرين دُكَّانًا للوكَلاءِ، يَبِيعُونَ فيها كُلّ يوم مَتاعًا قَدْرُه عشرونَ ألف دِيْنار؛ مُسْتمرٌّ ذلك منذ عشرين سَنةً وإلى الآن. وما بحَلَب مَوضعٌ خَرَابٌ أصْلًا.
_________________
(١) (a) كذا جوَّده المُؤلِّف في غير هذا الموضع؛ في ثنايا ترجمة زُرافة حاجب المتوكِّل (الجزء الثامن)، وتحرَّف اسمه في نشرة رحلة ابن بطلان ٨٨: ابن شَمَّامة.
(٢) بقيت شذرات متفرِّقة من رحلة (رسالة) ابن بطلان، حفظها. إضافة لابن العديم. كلُّ من ياقوت الحموي في معجم البلدان وجمال الدِّين القفطي في كتابه إخبار العلماء بأخبار الحكماء، وجُمعت بقايا نصوصها ونُشرت في كتاب بعنوان: رحلة يوحنا ابن بطلان بتحقيق شاكر لعيبي (أبو ظبي، ٢٠٠٦ م). وانظر النقل أعلاه في نص الرحلة المنشور ٧٦، ٨٧.
(٣) اسمه: الحسن بن عبد الله بن أحمد، الأمير أبو الفتح بن أبي حصينة، له ترجمة في الجزء الخامس من هذا الكتاب.
(٤) رحلة ابن بطلان ٨٩.
[ ١ / ١٨٦ ]
قُلتُ: الكَنِيْسَة الّتي أشارَ إليها في القَلْعَة أنَّ فيها مَذْبَح إبرَاهِيْم ﵇، هي الآن مَقام إبْرَاهِيمَ ﵇ الأسْفَل، والكَنِيْسَة الأخْرى دَثَرَتْ، والمَسْجِد الّذي في أعْلى القَلْعَة هو مَقَامُ إبَراهِيم ﵇ الأعْلَى، وأمَّا البِيَعُ السِّتّ، فاثْنتان باقنتان؛ إحداهُما بالقُرْبِ من الزَّجَّاجين إلى جانب مَسْجِد ابن زُرَيْق، والأُخرى بالقُرْبِ من الرَّحْبَة، والبَواقي جُعِلَت مَسَاجد في سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة حين حَصَر الفِرِنْجُ حَلَب وبَعْثَرُوا الضَّريح الّذي بمَشْهَدِ الدَّكَّة، ويقال إنَّ به سِقْطًا للحُسَين بن عليّ ﵁، وكان يُدبِّر أمْر البَلْدةِ أبو الفَضْل بن الخَشَّاب، لأنَّ صاحبَها تَمُرْتاش بن إيلْغَازِي بن أُرْتُق كان بِمَارِدِينَ، فجعَل ابنُ الخَشَّابِ كَنَائِس حَلَب هذه مَسَاجِد، إحداهما (a) الكَنِيْسَة العُظْمَى الّتي يُقالُ إنَّ هِيْلانَة ملكة القُسْطَنْطِينيَّة بنَتْها، فجُعِلَ فيها مِحْرَابٌ، وعُرِفَت بمَسْجِد السَّرَّاجين، وهي غَرْبي المَسْجِد الجامع وجعلَها نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي مَدْرَسَةً لأصْحَاب أبي حَنِيفَة ﵁، والأُخرى جُعِلَت مَسْجِدًا بالحَدَّادِين، فَوُقِفَت مَدْرَسَةً للحَنَفِيَّة أيضًا؛ وَقَفَها حُسام الدِّين لاجِيْن وهي مَدْرَسَة الحَدَّادِين، والأُخرى كانت بدَرْبِ الخَرَّاف (b) فهدَمَها عَبْد المَلِك بن المُقَدَّم، وبناها مَدْرَسَة للحَنَفِيَّة أيضًا، وأمَّا الرَّابعة فلا أعْلَم بها.
قَرَأتُ بِخَطِّ الحُسَيْن بن كَوْجَك العَبْسيِّ الحَلَبيِّ، في كتاب سِيرَة المُعْتَضِد بالله، تأليف سِنَان بن ثَابِت بن قُرَّة، كتَبَ بها إلى أبي الحُسَيْن مُحمَّد بن عَبْد الرَّحْمن الرَّوذْبَاريِّ الكَاتِب، قال ثَابِت بن سِنَان في أوَّل الجزءِ السَّادِس منها: لمَّا انتهَيتُ إلى هذا المَوْضِع، أمَرَني أَمِير المُؤمِنِين أنْ أُمَيِّزَ معهُ، وبحَضْرَته،
_________________
(١) (a) هكذا في الأصل وك، بالتثنية. (b) في ك: درب الخزاف، والضبط من ابن شداد: الأعلاف الخطيرة ١/ ١: ٣١٥ - ٣١٦، ٣٤٦.
[ ١ / ١٨٧ ]
ما في الخزائن القَديمةِ للسُّلْطان من الدَّفاتِر والآلاتِ النُّجُومِيَّةِ وغيرها ممَّا يَجْري مَجْراها، فما كان يَصْلح للأميرَيْن أبي جَعْفَر وأبي الفَضْل، أيَّدَهُما اللهُ، عَزَلتهُ لهما على ما رَسَمَهُ لي فيما رَغب في اخْتيارِي إيَّاهُ لهما، ممَّا يُشاكِل سنَّهُمَا من كُتُب الفِقْه، وكُتُب اللُّغة، وكُتُبِ السِّير القَديمةِ والقَرْيبَة العَهْد، وأخْبار المُلُوك وأيَّامِ النَّاسِ، وأخْبار الدَّوْلَة العبَّاسيّة، وأشْباه ذلك.
قال: فكان فيما أخْرَج إلينا صَناديق كَثِيْرة، فيها كُتُب أحمَد بن الطَّيِّب الّتي كان المُعْتَضِدُ قَبَضَها لمَّا نَكَبَه، وكُنْتُ بها عارفًا، وقد كُنتُ مَيَّزتُها للمُعْتضِدِ فِي ذلك العَصْر وعملتُ لها فِهْرسْتًا، فمرَّ (a) فيها كتابٌ بخَطِّ أحمد بن الطَّيِّب بأخْبار مَسير المُعْتَضِد بالله من مَدِينَة السَّلام إلى وَقْعة الطَّوَاحِين، وأخْبار انْصرافه عنها، فتَتَبَّعَتْهُ نَفْسي تَتَبُّعًا شديدًا لصحَّته، وأنَّه أضْلٌ لرَجُل مُحصِّل وبخَطِّه، وكان وقوعُ هذا الكتاب في يده قبل وقوعه في يَدِي، فبدَأني بما كان في نَفْسي، فرَمَى بهِ إليَّ لأتأَمَّلَهُ، ثمّ قال لي: أحْسبُ هذا ممَّا سبيْلُه أنْ تقتَصّه في الكتاب الّذي عملتَهُ لمُحمَّد بن عَبْد الرَّحْمن الرُّوذْبَارِيّ، فقُلتُ: بل أنْسَخهُ فيه حَرْفًا حَرفًا، فقال: افْعل، ثمّ ارْدُدْهُ. فنَسَخهُ ثَابِت من خطِّ أحمد بن الطَّيِّب كما قال، وذَكَرَ فيه المنازل إلى أنْ ذكَر وقال: ورَحَلْنا عن بَالِس ليلة السَّبْت لأرْبَع عَشرة ليلة بقيَت منه، فنَزلنا على مِيْلَين من بَالِس، على صِهْرِيج في أوَّل بَرِّيَّة خُسَاف (^١)، ثمّ رَحلنا عن المَوْضِع سَحَرًا، فقطَعنا بَرِّيَّة خُسَاف إلى انْقضائها، وبين بَالِس وبين انْقضاء
_________________
(١) (a) في ك: فمما.
(٢) لم يُفرد ابن العديم خساف في باب مخصوص كما فعله بقية المواضع التابعة لحلب، وهي قرية في البادية تقع على بعد ٤٨ كم غربي بالس، بينها وبين حلب، على الطريق بين الشام والعراق، وتوجد في بريتها العديد من القرى الخراب. وكانت تسمى أيضًا زراعة بني زُفَر، لأنها كانت مزرعة لبني زفر بن الحارث الكلابيّ. انظر: تاريخ الطبري ٧: ٤٤٣، ١٠: ٨١، الأزدي: تاريخ الموصل ٦٩، المسعودي: مُروج الذَّهب ٥: ٢٨، ياقوت: معجم البلدان ٢: ٣٧٠، ٣: ١٣٥، ابن الأثير: الكامل ٥: ٤٣٣.
[ ١ / ١٨٨ ]
بَرِّيَّة خُسَاف خمسة عَشر مِيْلًا بأمْيَال العِرَاق، وفيها قُرَىً خراب، ثمّ يوجد بعد هذه الخَمْسة عَشر مِيْلًا ماء نَزْرٌ قليل يَنْصَبُّ من قَنيِّ من حَدِّ حَلَب في قُنيِّ (a) حتَّى يَنْتهي إلى هذا المَوْضِع قليلًا يسيرًا، وفي هذا المَوْضِع يَجْري إليه الماءُ من قَرْيَة لمُحمَّد بن العبَّاس الكِلابيِّ، تُعْرَفُ بقَرْيَة الثَّلج (^١)، كانت المَنْزل ذلك اليوم، والقُنِيُّ في هذه القَرْيَة غَزيرة كَثِيْرة الماء، قد سِيْقَت من نَهْر حَلَب من نَهْر قُوَيْق، من مَوْضِعٍ إلى مَوضِعِ، حتَّى انْتهى إليها، ثمّ إلى المَوْضِع الّذي ذَكَرناهُ على رأس بَرِّيَّة خُسَاف، وبين بَالِس وبين قَرْيَة مُحمَّد بن العبَّاس الكِلابيِّ ثلاثة وعشرون مِيْلًا، تكُون سَبْعة فَرَاسِخ ومِيْلَين.
قلتُ: هكذا ذَكَرَ أحَمد بن الطَّيِّب، وقد أخْطأ في مَوْضعين أحدهما قوله: يَنصَّبُ من قُنِيّ من حَدِّ حَلَب، والآخر في قوله: والقُنيِّ في هذه القَرْيَة غزيرة كَثْيِرة الماء، قد سِيقَتْ من نَهْر حَلَب، من نَهْر قُوَيْق، فإنَّ حَدَّ حَلَب ونَهْر قُوَيْق بعيدٌ من هذا المكان، يكون مِقْدَار ستَّة فَرَاسِخ من جِهَة الغَرْب، وهذه القُنيِّ تأتي من جهة الشَّمَال، لكنَّ الماء في هذه المواضِع الّتي ذَكَرها وفي قُرَى تأتي بعد ذلك فيما بين هذه المواضِع وبين النَّاعُورَة (^٢)، قد حُفِرَ له جِباب إلى مَنْبع الماء، ومَنْبَع الماء قَرِيْبٌ في تلك الأرْض كُلّها، ثمّ خُرِق بعض الجِباب إلى بعض إلى أنْ ينتهي الماء إلى أرض يتسلَّط عليها، فيَسْقي أرْض تلك القَرْيَة، وهذه القَرْيَة الّتي أشار إليها أظنُّها تُعْرف الآن بالكِلابِيَّةِ.
_________________
(١) (a) كذا مكررة في الأصل و"ك".
(٢) يذكر المُؤلِّف، بعد نقله هذا، وأيضًا عند كلامه على قبائل حلب، أنَّ قرية الثلج تسمى أيضًا الكلابيّة، نسبةً لبني كلاب قُطَّانها، وحدَّد ابن العديم موضعها - في آخر هذا الجزء عند كلامه على نزول بني كلاب بأعمال حلب - في طرف النقرة (نقرة بني أسد) ممَّا يلي برية خساف.
(٣) النَّاعورة: بلدة بين حلب وبالس، على طريق السائر بين العراق والشام. الطبري: تاريخ ١٠: ٨١، ياقوت: معجم البلدان ٥: ٢٥٣.
[ ١ / ١٨٩ ]
قال ابنُ الطَّيِّب: ورَحَلنا عن هذا المَوْضِع يوم الأَحَد لثلاث عشرة ليلة بَقِيَتْ منه، فنَزلنا مَنْزِلًا يُعْرفُ بالنَّاعُوْرَة، بينَهُ وبين المَنْزل الّذي كُنَّا نزلناهُ ثمانية أمْيَال، تكون فَرْسَخين ومِيْلَين، وفيه قَصْرٌ لمَسْلَمَة بن عَبْد المَلِك من حِجَارَةٍ صَلْدَة ليسَ بالكَبير، وماؤُه من العُيُون الّتي ذَكَرْناها.
قُلتُ: هذا القَصْر كان مَبْنِيًّا من الحِجَارَة السُّود الكِبار المَنْحُوتة، وأدْرَكْتُ أنا قطعةً منه، وهو بُرْج من أبْرِجَةِ القَصْر، وقد انْهدمَ الآن، وتقسَّمت حجارته إلَّا القليل منه.
قال ابنُ الطَّيِّب: ورَحَلنا غَدَاة يَوْم الاثْنَين لاثْنتي عَشرة لَيْلةٍ بقيَتْ من شَهْر ربيع الآخر، فنَزلنا مَدِينَة حَلَب في وَقْتِ ارْتفاع النَّهَار من هذا اليَوم، وبين المَنْزلَيْن ثَمانية أمْيَال تكون فَرْسَخين ومِيْلَين، وأقَمنا بحَلَب إلى انْقِضاء يوم الأرْبَعاء لليلةٍ خَلَتْ من رَجَب.
قال: وعلى حَلَب سُورٌ مُحيطٌ بها وبقلْعتها، كانت الرُّومُ بَنَتْهُ، وبَنَتْ الفُرْس بعْضَهُ أيَّام أَنَوشَرْوان، والقَلْعَة على جبلٍ مُشْرفٍ على المَدِينَةِ، وعليها سُورٌ، وعليها بابا حَديد؛ واحدٌ دونَ الآخر، وفي وسطها قد حُفِرَ إلى الماءِ يُنْزل إليه على مائةٍ وعشرين مِرْقَاة، قد خُرِقتْ تحت الأرْض خُرُوقًا، وصُيِّرت آزاجًا، يَنْفذُ بعضُها إلى بعضٍ إلى ذلك الماءِ، وفيها ديرٌ للنَّصارَي، وفيه امرأةٌ قد سدَّتِ البابَ عليها في وَجْهها منذ سَبْع عَشرة سَنَة. ثمّ يَنْحدرُ السُّور إلى المَدِينَةِ من جانبي القَلْعَة. ولها ستَّة أبواب، تُعْرفُ: باب العِرَاق، وباب قِنَّسْرِيْن، وباب أَنْطاكِيَّة (a)، وباب الجِنَان، وباب اليَهُود، وباب أربعين؛ وهو ممَّا يلي القَلْعَة، ومن جانبها الآخر باب العِرَاق.
_________________
(١) (a) ضبطها ابن العديم هنا بتشديد المثناة التحتيّة، وهو أحد وجوه ضبطها، وتأتي كذلك في الشعر كما سيرد فيما بعد عند كلام ابن العديم عليها، وقد تحاشي ضبط الكلمة حيثما وردت فيما مضى، وقد أبقينا على ضبطها كيفما وردت؛ سواء بالتَّخفيف أو التَّشديد، واعتمدنا التخفيف في المواضع الّتي أغفل الضبط فيها.
[ ١ / ١٩٠ ]
وشِرْبُ أكْثَر أهْل حَلَبَ من ماءِ قُوَيْق، لأنَّهُ يَجْري إلى أبواب الجِنَان وأَنْطاكِيَة وقِنَّسْرِيْن.
وقُدَّام باب أَنْطاكِيَة رَبضٌ يُعْرفُ بَربَضِ الدَّارَيْن، في وَسَطه قَنْطَرَةٌ على قُوَيْق، كان مُحمَّدُ بن عَبْد المَلِك بن صالح بناهُ، أعْني الرَّبَض، ولم يَسْتَتِّمه، واسْتَتَمَّهُ سِيْما الطَّويل، ورَمَّ ما كان اسْتَهدَم منه وصَيَّرَ عليه بابَ حديد حِذَاء باب أَنْطاكِيَة، أخذَهُ من قَصْرٍ لبَعْضِ الهاشِميِّين بحَلَب، يُسَمَّى قَصْر البَنات، ويُسَمَّى الباب باب السَّلامَة.
قُلتُ: والقَصْر قد كان في الدَّرْب المَعْرُوف بدَرْبِ البنَاتِ بحَلَب، بالقُرْبِ من الصَّنادِيقيّين، وشَرْقي الدَّارَيْن بُسْتان، يُعْرفُ ببُسْتان الدَّار من شمالي مَيْدان باب قِنَّسْرِيْن، وهو الآن وَقْفٌ على المَدْرَسَة النُّورِيَّة الشَّافِعِيّة المَعْرُوفة ببني أبي عصْرُون، وهو مَنْسوبٌ إلى إحدَى الدَّارَيْن اللَّتَيْن ذَكَرهُما أحمدُ بن الطَّيِّب.
قال ابن الطَّيِّب: وشِرْبُ أهْلِ باب أرْبَعين، وأهْل بابِ اليَهُود، وأهلِ الأسْوَاقِ من عُيُون تَجْري على وَجْهِ الأرْض مِقْدَار أرْبعة فَرَاسِخ في موضِع هو أعْلَى من حَلَب، ثمّ تجري على باب اليَهُود على وجهِ الأرْض، وتَسْقِي بَساتيْن الدُّوْر هناك سَيْحًا، ثمّ يكون ما وراء هذا المَوْضِع من حَلَب أسْفل منه فقد عُدِل بعبَّارَة بَنَتْها الرُّوم في الطَّريق، يَجْري الماءُ عليها، فهو في السُّوق، وإنَّما بينهُ وبين باب أربعين (a) رُبْع ميل على عشرة أذْرع من الأرْض.
قُلتُ: يُريدُ بالعُيُون المَذْكُورَة قناة حَلَب الآتية من حَيْلان، وهي تَسْقي داخل باب الأرْبَعِين بُسْتانًا بَطَل وبُني دُوْرًا، وتَسقي بُسْتان اليَهُود باب اليَهُود الّذي هو وَقْفٌ على الكَنِيْسَة.
_________________
(١) (a) في ك: الأربعين.
[ ١ / ١٩١ ]
قال: وقُوَيْق نَهْر يأُخُذُ من وادٍ على أربعة فَرَاسِخ من حَلَب ممَّا يلي حَيْلان (a) يتَّصل بوَادِي العَسَل.
قُلتُ: وادي العَسَل غَرْبي مَدِينَة حَلَب، ونَهْر قُوَيْق يأتي إلى حَيْلان، ثمّ يجري في الوَادِي بين جَبَلين، لا يتَّصل بوَادِي العَسَل.
وقال أبو إسْحَاق إبْرَاهِيْم بن الحَسَن بن أبي الحَسَن الزَّيَّات الفَيْلَسُوف في كتاب نُزْهَة النُّفُوس وأُنْس الجِلَيْس (^١): ذِكْرُ مَدِينَة حَلَب، وهي في الإقْليمِ الرَّابِع قَريبًا من أَنْطاكِيَة، وبها يَنْزل الوُلاةُ العُزَّامُ، وهي عامرةٌ، أهلُها كَثِيْر، وبُعْدُها عن خَطِّ المَغْرب ثلاثةٌ وسَبْعُون دَرجَةً، وعن خطِّ الاستواء خمسةٌ وثلاثون دَرَجَة.
وقَرَأتُ في كتاب جَغْرافيَا، تأليفُ ابن حَوْقَل النَّصِيْبيِّ، وهو كتابٌ حَسَنٌ في بابه، قال (^٢): حَلَبُ وهي مَدِينَة جُنْد قِنَّسْرِيْن، وكانت عامرةً جدًّا، غاصَّةً بأهلها، كَثِيْرة الخَيْرات، على مَدْرِج طَريق العِرَاق إلى الثُّغُور وسائر الشَّامات، افْتتَحها الرُّومُ، وكان لها سُورٌ من حِجَارَة لم يُغْنِ عنهم من العَدُوِّ شيئًا، بسُوءِ تَدْبير سَيْفِ الدَّوْلَة وما كان به من العِلَّةِ، فأخْربَ جامعَها، وسَبَي ذرارِيَّ أهْلها، وأحرقُوها، وكان لها قَلْعَةٌ غير طائلة ولا حَسَنَة العِمَارَة، لجأ إليها قومٌ من أهلها فنَجَوْا، ونقِل ما بها من المتاع والجهاز (b) السُّلطان وأهلِ البَلَد وسبي بها، وقُتل من أهل سَوادها ما في إعادته إرْماضٌ لمَن سَمِعَهُ، وَوَهْنٌ على الإسْلام وأهْلهِ.
_________________
(١) (a) في الأصل: حبلا، ك: جيلان، ولعل ابن العديم رسمها كما وجدها، وتعليقه الذي يليه يشير إلى حيلان. (b) الأصل: الجهات، والمثبت من ك وابن حوقل، ويختلف نصّ مطبوعة الكتاب عن النسخة التي ينقل منها ابن العديم قليلًا، في النشرة المطبوعة من صورة الأرض يرد النصّ: "وهلك بحلب وقت فتحها من المتاع والجهاز للغرباء وأهل البلد وسُبيَ منها".
(٢) لم أقف على ذكر للكتاب ولا لمؤلفه، وينقل عنه ابن العديم في موضعين تاليين من هذا الجزء.
(٣) صورة الأرض ١٧٧ - ١٧٨.
[ ١ / ١٩٢ ]
وكانت لها أسْواقٌ حَسَنَةٌ، وحَمَّاماتٌ، وفَنادِق، ومَحالّ، وعِرَاضٌ فَسِيحةٌ، ومَشَايخ وأهْل جِلَّة، وهي الآن كالمُتَماسكةِ (a).
ولها واد يُعْرفُ بأبي الحَسَن قُوَيْقٍ، وشرب أهْلها منْهُ، وفيهِ قليلُ طَفَسٍ (^١). ولم تزل أسْعارها في الأغْذيَةِ وجميع المآكل قَديمًا واسِعةً رخيْصَةً.
وعليهم الآن للرُّوم في كلِّ سنةٍ قانونٌ يُؤدُّونه، وضَرِيبةٌ تُسْتخرَجُ من كلِّ دارٍ وضَيْعةٍ معلُومة، وكأنَّهم معهم في هُدْنَةٍ، وليْسَت - إنْ كانت أحوالُها مُتماسِكَةً، وأُمورُها رَاجِيةً (b) - بحالِ جُزءٍ من عشرين جُزءًا ممَّا كانت عليه في قديم أَوَانِها، وسَالِف أزْمانِها.
أشارَ ابنُ حَوْقَل إلى فَتْح الرُّوم لها، وتَخْريبها، في سَنَة إحْدَى وخَمْسين وثَلاثِمائة، وفي ذِكْر الضَّريبة الّتي تُؤدَّى إلى الرُّوم في كُلِّ سنةٍ إلى ما قَرَّرهُ قرعُويَه السَّيْفيِّ مع الرُّوم من الأتاوة الَّتي تُؤدَّى في كلِّ سنةٍ عن حَلَب إلى الرُّوم، وليس هذا مَوضِع ذِكْرها (^٢).
_________________
(١) (a) قوله: "وهي الآن كالمتماسكة" وردت في إحدى نسخ كتاب ابن حوقل، وأدرجت في الهامش. (b) صورة الأرض: والأمور التي تجري معهم كالراخية، وفي إحدى نسخه المخطوطة ما يوافق المثبت أعلاه.
(٢) الطَّفَس: القذارة والوسخ. لسان العرب، مادة: طفس.
(٣) لعل ابن العديم يُحيل خبر استيلاء الروم على حلب في سنة ٣٥١ هـ وخبر الصلح مع الروم على ترجمة قرعويه، غلام سيف الدولة، الذي استولى على حلب سنة ٣٥٨ هـ، وترجمته تقع في الضائع من الكتاب، وانظر خبر الصلح عند: ابن الأثير: الكامل ٨: ١٠٤، تاريخ ابن الوردي ١: ٤٤١، ابن خلدون: العبر ٧: ٧٦٠، ٧٦٤، ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ٤: ٥٨، والنويري: نهاية الأرب ٢٣: ١٩٨.
[ ١ / ١٩٣ ]
وقال أبو العبَّاس أحمد بن إبْرَاهِيم الفارِسيّ الإصْطَخْرِيّ، في كتاب صِفَة الأقالِيْم (^١): وأمَّا جُنْد قِنَّسْرِيْن، فإنَّ مَدِينتها قِنَّسْرِيْن، غيرَ أنَّ دار الإمَارة والأسْواق ومجامع النَّاس والعِمَارات بحَلَب.
قال: وهي عامرةٌ بالأهْل جدًّا، على مَدْرجةِ طَريق العِرَاق إلى الثُّغُور وسائر الشَّامات.
سَمِعْتُ أبا عَبْد الله مُحمَّد بن يُوسُف بن الخَضِر يقول: بلَغَني أنَّ حَلَب كانت من أكثر المُدُن شَجَرًا، فأفْنى شَجَرها وقُوع الخُلْف بين سَيْف الدَّوْلَة والإخْشِيْد على ما تَذْكره (^٢)؛ فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما كان يَنْزل عليها ويَقْطع شَجَرها، فإذا أخَذَها جاءَ الآخر وفَعَل مِثْلهُ.
وأخْبَرني مَكِّيّ بن هارُون بن صالِح الكَفْر بلَاطيِّ (^٣)، وكان من كَفْر بَلاط (^٤) من نُقْرَة بَني أَسَد، قال: أخبَرَني أبي هارُون، عن أبيهِ صالِح، يَأْثرهُ عن سَلَفه، أنَّ النَّاس كانوا يَمْشُون من مَقام إبْرَاهِيْم ﵇ الّذي على سَطْح جَبَل نَوَائِل إلى زُبَيْدة، وهي قَرْيَة على طَرف جَبَل الأَحَصّ، وهي مُشْرفة على النُّقْرَة، في ظلال شَجر الزَّيْتُون.
_________________
(١) (a) الإصطخري: مجمع، وفي بعض نسخه ما يوافق المثبت.
(٢) مسالك الممالك ٦٧، وابن العديم يسميه بهذا الاسم ويكنيه أبا العباس حيثما يقع النقل عنه، والمعروف في اسمه: إبراهيم بن محمد الكرخيّ، أبو إسحاق الإصطخري (ت ٣٤٦ هـ/ ٩٥٧ م)، وأخباره عزيزة. انظر: كراتشوفسكي ١: ١٩٩ -، أعلام الزركلي ١: ٦١.
(٣) في أثناء الكلام على جبل بانقوسا، فانظره في موضعه من هذا الجزء.
(٤) أورده ابن العديم في تذكرته (سزكين) ١٠١ - ١٠٢.
(٥) لعلها القرية المسمَّاة الآن: بلاط، والواقعة شمال جبل الأحص بمنطقة السفيرة من محافظة حلب، في الجهة الشمالية الغربية من مدينة السفيرة على بعد ١١ كم. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري ٢: ٣٥٣.
[ ١ / ١٩٤ ]
والدَّليلُ على صحَّة ما ذَكَرهُ أنَّه ما من قَرْيَة في نُقْرَة بَني أَسدَ إلَّا وفيها أثَر مِعْصَرَة للزَّيْت والحَجَر الّذي كان يُعْصَر بها.