شَاعِر مُجِيْد، حَسَنُ اللَّفْظ، حُلْو المَعَاني، قَدِمَ حلَبَ، ومَدَحَ بها الأَمِير سَيْف الدّوْلَة أبا الحَسَن عليّ بن عَبْد اللهِ بن حَمْدَان في سَنَة خَمْسٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة، وسَمِعَ منه بها شَيئًا من شِعْره أبو بَكْر مُحَمَّد بن العبَّاس الخُوارَزْميِّ، وأبو الحَسَن الحَلَبِيّ، ورَويا عنه، ورَوَى عنهُ أيضًا أبو عليّ أحْمَدُ بن عليّ المَدَائِنِيّ المَعْرُوف بالهَائِم، والحُسَين بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الخالِع، وأبو عليّ المُحَسِّن بن عليّ بن مُحَمَّد التَّنُوخِيّ، وأبو الحَسَن أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الصَّلْت المُجْبرُ، ونَصْر بن أحْمَد بن يَعْقُوب، وأبو إسْحَاقَ إبْراهيم بن هِلِّل الصَّابِئ، وابنه أبو عليّ المُحَسِّن بن إبْراهيم الصَّابِئ.
وجَمَعَ كِتَابًا سَمَّاهُ المُحِبُّ والمَحْبُوب والمَأكُول والمَشْرُوب (^٢)، وهو مَجْمُوعٌ حَسَنٌ.
وبَلَغَني أنَّهُ لمَّا قَدِمَ حلَبَ، قَاصِدًا سَيْف الدَّوْلَة ابن حَمْدَان، وَقَفَ على بابهِ
_________________
(١) توفي سنة ٣٦٣ هـ، وترجمته في: الفهرست للنديم ١/ ٢: ٥٤٦، الثعالبي: يتيمة الدهر ٢: ١١٧ - ١٨٢، الثعالبي: برد الأكباد ٤٠، ٤٩، ٥٨، تاريخ بغداد ١٠: ٢٦٩ - ٢٧٠، السمعاني: الأنساب ٦: ١٤٤ - ١٤٥، ابن الجوزي: المنتظم ١٤: ٢١٨، ياقوت: معجم الأدباء ٣: ١٣٤٣ - ١٣٤٥، ابن الأثير: الكامل ٧: ٤٣٨، ٨: ٦١٧، سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ١٧: ٤٣٥ - ٤٣٧، ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢: ٣٥٩ - ٣٦٢، الذهبي: تاريخ الإسلام ٨: ٣٣٤ - ٣٣٥، العبر في خبر مَن غبر ٣: ١٣٦، سير أعلام النبلاء ١٦: ٢١٨، ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار ١٥: ١٤٧ - ١٩٦، تاريخ ابن الوردي ١: ٤٤٣، ابن كثير: البداية والنهاية ١١: ٢٧٤، الوافي بالوفيات ١٥: ١٣٦ - ١٤١، شذرات الذهب ٤: ٣٨١، محسن الأمين: أعيان الشيعة ٧: ١٩٤ - ٢١٧، الزركلي: الأعلام ٣: ٨١.
(٢) طبع في أربعة أجزاء عن مجمع اللغة العربية بدمشق، ١٩٨٦ م، بتحقيق مصباح غلاونجي.
[ ٩ / ٤٦٣ ]
يَلْتَمس الوُصُول إليه، وعلى بابهِ جَمَاعَة من الشُّعرَاء، قد كَتَبُوا إليه رُقْعَةً، يَسْألونَهُ فيها أنْ يَسْمَع أشْعَارَهُم، فوَقَّع فيها: أنتُم غُثَاءً! فقال السَّرِيّ وأنْفَذَها إلى سَيْف الدَّوْلَة (^١):
هذا اليَقِيْنُ المَحْضُ لا التَّوَهُّمُ
هُمُ غُثَا احْوَى ولَسْتُ منهُمُ
وللقَوَافي مَجْهَلٌ ومَعلَمُ
وهُنَّ إمَّا صَارِمٌ أو لَهْذَمُ
تكَادُ تَجْري مِن حَوَاشيْهِ الدّمُ
وأنْتَ بالجُوْدِ لها مُسْتَلئمُ
إذْ كُلُّ مَن همت بهِ مُسْتَسْلِمُ
يا ابنَ أبي الهَيْجَاء أنْتَ العَلَمُ
أنَافَ حتَّى كلَّلَتهُ الأنْجُمُ
مِنَ الغَمَام الجوْدِ أنْتَ أكْرَمُ
وما الظُّبَى عَزْمُكَ منها أَصْرَمُ
الشِّعْرُ كالحَلْي وأنْتَ مِعْصَمُ
مِنهُ الجَنَى الحُلْوُ ومِنهُ العَلْقَمُ
لا يَسْتَوِي فَصِيْحُهُ والأعْجَمُ
يَوْمًا ولا دِيْنارُهُ والدِّرْهَمُ
فدَعَاهُ دُوْنَهُم وسَمِعَ منه.
أخْبرَني أبو الدُّرّ يَاقُوت بن عَبْدِ الله الحَمَوِيُّ، قال: نَقَلْتُ من خَطِّ أبي عليّ المُحَسِّن بن إبْراهيم الصَّابِئ: سَمِعْتُ السَّرِيّ بن أحْمَد الشَّاعِر يقُولُ لوَالدِي أبي
_________________
(١) لم أقف على الأبيات في ديوانه.
[ ٩ / ٤٦٤ ]
إسْحَاق ونحنُ على شُرْبٍ: أشْتَهيِ يا سَيِّدِي أنْ أَمْلِكَ ألفَ دِرْهَمٍ وأمُوتَ، فقال له: اعْمَلْ قَصِيدَةً طَوِيلَةً تَمْدَح بها الوَزِير، يعني أبا الفَضْل العبَّاس بن الحُسَين الشِّيْرَازيّ، فعَمِل قَصِدَةً طَوِيلَةً مِيْمِيَّةً، فأنْشَدَها وَالدِي الوَزِير، وقال له: هذا شَاعِرً يَشْتَهر شِعْرُه، ويَبْقَى على الأيَّام ذِكْرُه، وله فيك آمَالٌ، وخَاطَبَهُ ونازَلَهُ إلى أنْ أَطْلقَ له ثلاثة آلاف دِرْهَم قِيْمتها مائتا دِيْنار، فقَبَضْتُها أنا، وكان السَّرِيُّ نَازلًا عليَّ وسَاكِنًا معي في دَارِي، ولم أُعْلِمه بحصُولها، فلمَّا اجْتَمَعْنا على الشُّرْب رَسَم لي وَالدِي إحْضَار الكِيْس فأحْضَرُته، فلمَّا رَآه كادَ يَمُوتُ فَرحًا، ولَم يَنَمْ تلك اللَّيْلة سُرُورًا، فلمَّا أصْبَح، أخَذَ الدَّرَاهِم ومَضَى.
وغابَ أيَّامًا ثمّ جاءني، وعليه ثِيَاب جُدَد فَاخِرة، من جُمْلتها عِمَامَةٌ طُوْلُها نحو مائهَ ذِرَاع، ودُرّاعَةً وَاسِعَةُ الأكْمَام، تَنْجَرُّ في الأرْض، وخَلْفَهُ غُلَام أمْرَدُ بثِيَابٍ مثل ثِيَابهِ، فضَحِكْنا ضَحكًا خَرَجْنا فيه عن الحَدِّ، وتُوفِّيَ بعد ذلك بأيَّامٍ يَسِيْرة.
وفي شِدَّة فَاقَة السَّرِيّ وفَقْره قال ما أخْبَرَنا به أبو هاشِم عَبْد المُطّلب بن الفَضْل بن عَبْد المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مَحَمَّد بن مَنْصُور السّمْعَانيِّ، ح.
وأخْبَرناهُ أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد كتابةً، قالا: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عُبَيْد الله العُكْبَراوي إجَازةً، قال: أنْشَدَنا أبو الفَضْل عَبْدُ الكَريم بن إسْمَاعِيْل بن عُمَر بن سَنْبك الشَّافِعيّ الفَقِيه الأَزَجِيِّ، قال: أنْشَدَني أبو الحَسَن أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الصَّلْت المُجْبِر، قال: أنْشَدَنا السّرِيّ الرّفَّاء لنَفْسِه (^١):
يَكْفِيكَ من جُمْلَةِ (a) أخْبَاري … يُسْرِي في الحُبِّ وإعْسَارِي (b)
_________________
(١) (a) الديوان: يُنبيك عن صحة. (b) الديوان: عُسري من العشق وإيساري.
(٢) ديوان السري الرفاء ٢٣٥، ويتيمة الدهر ٢: ١١٧، ومعجم الأدباء ٣: ١٣٤٣، والوافي بالوفيات ١٥: ١٤٠، وتاريخ ابن الوردي ١: ٤٤٣.
[ ٩ / ٤٦٥ ]
وكانت الإبْرَةُ فيما مَضَى … تَصُون (a) وَجْهِي ثُمَّ أشْعَاري
فأصْبَح الرِّزْقُ بها ضَيِّقًا … كأنَّهُ من ثُقْبها جَارِي
نَقَلْتُ من كتاب المُفَاوَضَة، تأليفُ مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر بخَطِّه، وأخْبَرَنا بهِ إجَازَةً أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ وغيره، عن أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أنْبَأنَا أبو غَالِب مُحَمَّد بن أحْمَد بن سَهْل بن بِشْرَان النَّحْوِيّ، قال: قَرأ علينا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر الكَاتِبُ، قال: حَدَّثني أبو القَاسِمِ الرَّقِّيّ المُنَجِّم، قال: كان السَّرِيّ بني بن أحْمَد الرَّفَّاء يَوْمًا جالِسًا معنا، في دِهْلِيْز سيْفِ الدّوْلَة، فوُصِفَ له دَعْوةً كان فيها، فقال: وكان فيها هِرِيسْة، بكَسْر الهَاءِ، ثُمَّ أنْشَدَنا قَصِيدَة له أوَّلُها (^١):
أأُقْحوانًا أرَتْهُ أَمْ بَرَدًا … غَيْدَاءُ يَهْتَزُّ عِطْفُهَا غَيَدَا
حتَّى قال فيها:
لو وَجَدَتْ للفِرَاقِ ما وَجَدَا … لافتقَدَتْ نَوْمَها كما افْتَقَدا
ثُمَّ خَرَجَ الآذِنُ، فدَخَلنا إلى سَيْف الدَّوْلَة، وتَفاوَضْنا الحَدِيْث، وأنْشَدَهُ الشِّعْرَ السَّرِيُّ، فاسْتَطابَهُ واسْتَحْسَنَهُ، قال: فحلَفَ بعضُ الحاضِريْن - قال: وأظُنُّه الفُصَيْصِيَّ - أنَّ سَرِيًّا السَّاعَة كان يُحَدِّثُنا حَدِيثَ دَعْوَة فقال: وكان فيها هِرِيسْة - بكَسْر الهَاءِ - فقال سَيْفُ الدَّوْلَة: وَيْلكَ، مَنْ يَقُول هِرِيْسة يقُول مثل هذا الشِّعْرِ!؟
وفي هذه الأبْيَات (^٢): [من المنسرح]
لا تَلْحُ صَبًّا على صَبَابِتِهِ … إذ وَجَدَ الغَيَّ في الهَوَى رَشَدَا
_________________
(١) (a) الديوان ومعجم الأدباء والوافي: صائنة.
(٢) انظر القصيدة بتمامها في ديوان السري الرفاء ١٤٨.
(٣) ديوان السري الرفاء ١٤٨ - ١٤٩.
[ ٩ / ٤٦٦ ]
فلَم تَزَلْ للفِرَاقِ عَادَتُهُ (a) … تكَدِّرُ (b) المَوْردَ الّذي وَرَدَا
سِرْنا بآمَالنا إلى مَلِكٍ … يُسَرّ بالآملِ الّذي وَفَدَا
مُسْتَيقظ الرَّأي والعَزِيْمَة ما اسْـ … ــتَيْقَظَ طَرْفُ الزَّمانِ أو رَقَدَا
قال أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر وأنْشَدَني له في الكَانُون، ووَجَدْتُ القَصِيدَةَ في سَلامَة بن فَهْدٍ (^١):
وأزْهَرَ وَضَّاحٍ يَرُوقُ عُيُونَنا … إذا ما رَمَيْنَاهُ بلَحْظِ النَّوَاظِرِ
له أرْبعٌ تأبَى السُّرَى غيرَ أَنَّها … تُصَافِحُ وَجْهَ الأرْضِ مثلَ الحَوَافِرِ
تُقِلُّ جسُوْمًا بَعْضُها في مُوَرَّدٍ … وسَائرهُا في مثْل صِبْغِ الدَّيَاجِرِ
تُوَاصِلُهُ أيَّامَ للقُرِّ صَوْلَةٌ … وتَهْجرُهُ (c) أيَّامَ لَفْح الهَوَاجِر
أخْبَرَنا أبو هاشِم بن أبي المَعَالِي، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الكَريم بن أبي بَكْر المَرْوَزيّ، قال: أنْشَدَنا أبو بَكْر يَحْيَى بن عبد الرَّحيم المُقْرِئ، وأبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين القُطْنِيّ، وأبو سَعْد عَبْدُ الله بن أسْعَد بن حَيَّان النَّسَائي بنَيْسَابُور، وأبو صالح عَبْدُ المَلِك بن عَبْد الوَاحِدِ بن القُشَيْريّ بالطَّابَرَان في النَّوْبَة الخَامِسَةِ، قالُوا: أنْشَدَنا إسْمَاعِيْلُ بن زَاهِر النُّوقانِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّد بن الحُسَين السُّلَمِيّ، قال: أنْشَدَنا نَصْرُ بن أحْمَد بن يَعْقُوب، قال: أنْشَدَني السَّرِيّ بن أحْمَد المَوْصِلِيّ لنَفْسِه (^٢):
شَبَابُ المَرْءِ ثَوْبٌ مُسْتَعارُ … وأيَّام الصِّبِي أبَدًا قِصَارُ
طَوَى الدَّهْرُ الجَدِيدَ من التَّصَابي … فلَيْسَ لِمَا طَوَى الدَّهْر انْتِشَارُ
_________________
(١) (a) الديوان: غائلته. (b) الديوان: تلذ في. (c) الديوان: نواصله ونهجره.
(٢) انظر ديوان السري الرفاء ٢٤٠.
(٣) ديوان السري الرفاء ٢١٧.
[ ٩ / ٤٦٧ ]
أخْبرَني يَاقُوت بن عَبْد الله الأدِيْب مَوْلَى الحَمَوِيّ، قال: قَرأتُ بخَطِّ أبي عليّ المُحَسِّن بن إبْراهيم الصَّابِئ، قال: أنْشَدَني وَالدِي أبو إسْحَاق، قال: أَنْشَدتُ السَّرِيّ الرَّفَّاء لبَعْضِهم (^١):
أبُوكَ الّذي لمَّا أتَى مَرْجَ رَاهِطٍ … ولَد أَلَّبُوا للشَّرِّ فيمَنْ تَألَّبَا
تَشَنَّا إلى الأعْدَاءِ (a) حتَّى إذا انْتَهوا … إلى أمْرِهِ طَوْعًا وكَرْهًا تحَبَّبَا
فلمَّا كان بعد أيَّامٍ أنْشَدَني قَصِيدَةً يَمْدَحُني بها، يقُول فيها (^٢):
تَشَنَّا إليَّ الدَّهْرُ قَبْل لقائهِ … فمَّا تَنَافَرْنا إليه تَحَبَّبَا
وتَبَسَّم عند إنْشَادِه هذا البَيْتَ.
قال لي يَاقُوت: ونَقَلْتُ من خَطِّ المُحَسِّن بن إبْراهِم الصَّابِئ: حَدَّثَني السَّرِيُّ بنُ أحْمَد، قال: مَدَحْتُ في الحَدَاثَةِ رَجُلًا، فدَفَعَ إليَّ شَيئًا قَليلًا، وأنْشَدَني بَدِيْهًا (^٣):
أَسَرِيُّ شِعْرُكَ بَارِدُ … يُوْفي على بَرْدِ الدَّمَقْ
فإذا حُبِيْتَ فلا تُمَا … كِسْ خُذْ ولو ثَمَنَ الوَرَقْ
قَرأتُ بخَطِّ مُظَفَّر الفَارِقيّ، في كتاب مُحَمَّد بن إسْحَاق النَّدِيْم، الّذي وَسَمَهُ بالفِهْرِسْت (^٤)، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّهِ، قال: السَّرِيُّ بن أحْمَد الكِنْدِيّ، من أهْلِ المَوْصِل (b)، كَثِيْرُ السّرِقَة، عَذْبُ الألْفَاظِ، مَلِيْحُ المآخِذ، كَثِيرُ الافْتِنَانِ (c) في التَّشْبِيْهَاتِ والأوْصَافِ، طَالِبٌ لها. ولَم يكُن له رُوَاءٌ ولا مَنْظَرٌ، لا يُحْسِنُ من
_________________
(١) (a) ديوان كثير عزة: تشنأ للأعداء. (b) بعده في كتاب الفهرست: شاعر مطبوع. (c) ق: الافتتان.
(٢) البيتان لكثير عزة، انظر ديوانه ٢٦٧.
(٣) لم يرد في ديوانه.
(٤) لم أجده في ديوانه.
(٥) النديم: الفهرست ١/ ٢: ٥٤٦.
[ ٩ / ٤٦٨ ]
العُلُوم غير قَوْل الشِّعْر، وقد عَمِل هو شِعْر نَفْسه (a) قَبْل مَوْتهِ نحو ثلاثمائة وَرَقَة، ثُمّ زَادَ بعد ذلك، وقد عَمِلَهُ بعض المُحْدَثِين (b) على الحُرُوف.
أنْبَأنَا أبو حَفْص المُكْتِبُ، عن أبي غَالِب بن البَنَّاء، عن أبي غَالِب بن بِشْرَان، قال: قَرَأ علينا مُحَمَّد بن عليّ بن نَصْر، قال: حَدَّثَني أبو الحَسَن الحَلَبِيِّ، وكان شَيْخًا يَعْرف أخْبَارَ سَيْف الدَّوْلَة، قال: كُنَّا مُجْتَمعين يَوْمًا في دهْلِيز سَيْف الدَّوْلَة، وجَمَاعَة من الشُّعَراء والشُّيُوخ المُتَقدِّمين، كأبي العبَّاسِ النَّاميِّ، وأبي بَكْر الصَّنَوْبَريّ، ومن النَّشْءِ اللَّاحِقيْن كأبي الفَرَج البَبَّغَاء، والخَالِديَّيْن، والسَّرِيّ، فتَذَاكَرُوا الشِّعْر، وأُنْشِدَتْ قَصِيدَةُ المُتَنَبِّي الّتي أوَّلها (^١):
فاسْتَحْسَن الجَمَاعَةُ قَوْله في إعْظَام الرَّبْع: [من الطويل]
نَزَلْنا عن الأكْوَارِ نَمْشِي كَرَامَةً … لمَنْ بانَ عنْهُ أَنْ نُلِمَّ بهِ رَكْبَا
فقال السَّرِيُّ: لولا أنَّكُم إذا سَمِعْمُ ما قلْمُهُ بعدَ هذا، ادَّعَيْتُم أنَّني سَرَقْتُهُ منه لأَمْسَكْتُ، وأنْشَد قَصِدَةً لَامِيَّةً قال فيها (^٢): [من الكامل]
نَحْفَى ونَنْزِلُ وهو أعْظَمُ حُرْمَةً … من أنْ يُذَالَ برَاكبٍ أو نَاعِلِ
فحَكَم الجَمَاعَةُ له بالزِّيادَةِ في قَوْله: نَخْفَى ونَنْزِلُ.
قَرَأتُ في كتاب لَوَامِع الأُمُور، تأليف أبي إسْحَاق إبْرهيمِ بن حَبِيْب السَّقَطِيِّ (^٣)، صَاحِب كتاب الرَّدِيْف، قال في حَوَادِث سَنَة أرْبَعٍ وأرْبَعين وثلاثمائة: وفيها مات السَّرِيِّ بن أحْمَد الرَّفَّاءُ الكِنْدِيُّ، من أهْلِ المَوْصِل الشَّاعر،
_________________
(١) (a) النديم: عمل شعره. وقوله: "قبل موته" جاء مكررًا في الأصل. (b) النديم: المحدثين الأدباء.
(٢) ديوان المتنبي بشرح العكبري ١: ٥٦، وعجز البيت: فإنَّك كنت الشرق للشّمس والغربا
(٣) ديوان السري الرفاء ٣٤٨، والوافي ١٥: ١٤١.
(٤) كتاب مفقود، تقدم التعريف به في الجزء الثاني من الكتاب.
[ ٩ / ٤٦٩ ]
جَيِّد الشِّعْر، جَيِّد المَعَاني، له ديْبَاجةُ تُسْتَحْلى، فَصِيحٌ مَطْبُوعٌ، ذو أوْصَافٍ أعْجَزَتْ غيره من أهْل عَصْره أَنْ يأتي بمثْلها، وكان رَائِقَ الشِّعْر حَسَنَهُ، كَثِيْر التَّقَلُّب في بَدِيع التَّشْبِيْهَات والمَعَاني.
وهذا وَهْمٌ في وَفَالَه، فإنَّهُ قَدِمَ على سَيْفِ الدَّوْلة في سَنَهَ خَمْس وأرْبَعين وثَلاثِمائة، وَجَدْتُه كذلك في نُسْخَةٍ قَدِيْمَةٍ من دِيْوان شِعْره، وبَقِى مُدَّةً في باب سَيْف الدَّوْلَة، وخَرَجَ بعد ذلك إلى بَغْدَاد، ومَدح بعد ذلك الوَزِبر المُهَلَّبي، وتُوفِّيَ في أيَّام الوَزِير أبي الفَضْل العبَّاس بن الحُسَين الشِّيرازيّ، والصَّحيح في وفاته أنَّهُ تُوفِّي سَنَهَ اثْنَتيْن وسِتِّين وثَلاثِمائة، كَذَا وَقَعَ إليَّ في بَعْض تَعْلِيمَاتي.
أخْبَرَنا أبو حَفْصٍ عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبرزَد، فيما أَذِنَ لى في رِوَايِتِهِ عنهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن الحَسَن بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَد بنُ عليّ الخَطِيبُ (^١)، قال: السَّرِيُّ بنُ أحْمَد بن السَّرِيّ، أبو الحَسَن الكِنْدِيّ الرَّفَّاء المَوْصِليُّ، شَاعِرٌ مُجَوِّدٌ، حَسَنُ المَعَاني، وله مَدَائِح في سَيْفِ الدَّوْلَة وغيره من أُمَرَاءِ بني حَمْدَان، وكان بينَهُ وبين أبي بَكْر وأبي عُثْمان مُحَمَّد وسَعِيْد ابْني هاشِمٍ الخَالِديَّين حالةٌ غيرِ جَمِيلةٍ، ولبَعْضِهم في بعضٍ أهَاجِي كَثِيْرة، فآذَاهُ الخَالِديّان أذى شَدِيْدًا، وقَطَعا رَسْمَهُ من سَيْفِ الدَّولَةِ وغيره، فانْحَدَر إلى بَغْدَاد، ومَدَحَ بها الوَزِيرَ أبا مُحَمَّد المُهَلَّبي، فانْحَدَر الخَالِديان وراءَهُ، ودَخَلَا إلى المُهَلَّبي وثَلَبَا سَرِيًّا عندَهُ، فلم يَحْظَ منه بطَائِلٍ، وحَصَلا في جُمْلةِ المُهَلَّبي يُنَادِمَانه، وجَعَلا هِجِّيْرَاهمُا ثَلْبَ سرِيٍّ، والوَقِيْعَةَ فيه، ودَخَلَا إلى الرُّؤَسَاءِ والأكَابِر ببَغْدَاد، ففَعَلا به مثْل ذلك عندَهُم. وأقام ببَغْدَاد يتَظَلَّم منهما ويَهْجُوهُما، ويُقال: إنَّهُ عَدمُ القُوْت فَضْلًا عن غيره، ودُفعَ إلى الوَرَاقَة، فَجَلسَ يُوَرِّق شِعْرهُ ويَبِيْعَه، ثمّ نَسَخ لغيره بالأُجْرَهَ، ورَكِبَهُ الدَّيْنُ، وماتَ ببَغْدَاد على تلك الحالِ بُعَيْد سَنَة ستِّين وثَلاثِمائة.
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٠: ٢٦٩ - ٣٧٠.
[ ٩ / ٤٧٠ ]
وكان الحُسَينُ بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الخَالعُ يَزْعُمُ أنَّهُ سَمِعَ منه دِيْوانَ شِعْره، وقد رَوَى عنهُ أحْمَدُ بن عليّ المَعْرُوف بالهَائِم وغيره.