وقيل فيه: زَيْد بن حَارِثَة، والصَّحيح بالجِيْم واليَاء.
له صُحْبَةٌ من النَّبِيّ ﷺ، وعُرِضَ عليه يَوْم أُحُدٍ فاسْتَصغَرَهُ وردَّهُ، وكان أبُوه أحدَ المُنَافِقين.
_________________
(١) (a) ق: أذن لنا في روايته عنه.
(٢) تاريخ ابن عساكر ١٩: ٢٩٤.
(٣) تاريخ أبي حفص الفلّاس ٢٦١.
(٤) ترجمته في: تاريخ البخاري الكبير ٣: ٣٨٩ - ٣٩٠، التاريخ الصغير ١: ١٨٩ - ١٩٠، المحبر لابن حبيب ٤٦٨، تاريخ الطبري ٣: ١١١، الجرح والتعديل ٣: ٥٥٨، الثقات لابن حبان ٣: ١٤٠، ٤: ٢٤٦، الاستيعاب ٢: ٥٤٠ - ٥٤١، أسد الغابة ٢: ٢٢٣ - ٢٢٤، محسن الأمين: أعيان الشيعة ٧: ٩٣.
[ ٩ / ٢٠٠ ]
رَوَى عن زَيْد ابْناهُ: عُمَر، ومُجَمَّع ابْنا زَيْد، وأبو الطُّفَيْل، ومُوسَى بن طَلْحَة بن عُبَيْد الله، وقيل إنَّ مُوسَى بن طَلْحَة رَوَى عن أَبِيهِ عنهُ، وشَهِدَ زَيْد بنُ جَارِيَة صِفِّيْن مع عليّ بن أبي طَالِب ﵁.
أنْبَأنَا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (^١)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عَبْد الله الخَطِيبُ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحَسَن بن مُحَمَّد بن يُونُس، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بنُ الحُسَين النَّهَاوَنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن (a)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ (^٢)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن آدَم، قال: حَدَّثَنَا مَنْصُور بن سَلَمَة الخُزَاعِيّ، قال: حَدَّثَنَا عُثْمانُ بنُ عُبَيْد الله بن زَيْد بن جَارِيَة (b) الأنْصَاريّ، عن عُمَر بن زَيْد بن جَارِيَة، قال: حَدَّثَني أبي أنَّ رسول اللهِ ﷺ اسْتَصْغَرَ ناسًا يَوْم أُحُدٍ منهم زَيْدُ بن جَارِيَة - يَعْني نَفْسَهُ (c) - والبَرَاء بن عَازِب، وزَيْد بن أرْقَم، وسَعْد بن حَبْتَة (d)، وأبو سَعيد الخُدْرِيّ، وعبد الله بن عُمَرَ، وجَابِر بن عَبْد الله، قال: مَنْصُور أخَاف أنْ لا يكُون حَفظ جَابِرًا.
قُلتُ: ظَنَّ مَنْصُور بن سَلَمَة أنَّ المُرَاد جَابِر بن عَبْد اللهِ الأنْصَاريّ ولم يُرده؛ وإنَّما هو جَابِر بن عَبْدِ الله السَّلَمِيّ.
أنْبَأنَا أبو عَبْدِ الله الحُسَين بن عُمَر بن بَاز، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الحَقّ بن عَبْد الخَالِق، قال: أخْبَرَنا أبو الغَنائِم بن النَّرسِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحْمَد الغُنْدجَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ (e) بن عَبْدَان، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن سَهْل، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ
_________________
(١) (a) ابن عساكر: عبد الله. (b) عند ابن عساكر؛ حيثما يرد الاسم في الإسناد: حارثة. (c) ابن عساكر: لسنِّه. (d) تاريخ البخاري الصغير: خيثمة. (e) ق: أبو أحمد.
(٢) تاريخ ابن عساكر ١٩: ٢٦٣.
(٣) تاريخ البخاري الصغير ١: ١٨٩ - ١٩٠.
[ ٩ / ٢٠١ ]
الله مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل البُخاريّ (^١)، قال: زَيْدُ بن جَارِيَةَ العَمْرِيُّ الأَوْسِيُّ. قال عُبَيْد: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بُكَيْر، قال: أخْبَرَنا إبْراهيم بن إسْمَاعِيْل بن مُجَمَّع، عن عَمِّه يَعْقُوب بن مُجَمَّع، عن أَبيِهِ مُجَمَّع بن زَيْد، عن جَدِّه زَيْد بن جَارِيَة: بِعْنا سِهَامنا من خَيْبَر بحُلّةٍ حُلَّة.
أنْبَأنَا أبو العبَّاس أحْمَد بن عَبْد الله بن عُلْوَان، عن أبي الفَرَج مَسْعُود بن الحَسَن الثَّقَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عَبدُ الوَهَّاب بن مُحَمَّد بن مَنْدَة، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم، قال: في بابِ الحَاء في بابِ مَن اسْمُه زَيْد من كتاب الجَرْح والتَّعْدِيل (^٢): زَيْد بن حَارِثَة العَمْرِيُّ الأَوْسِيُّ، له صُحْبَةٌ، مَدِيْنِيٌّ، رَوى عنهُ زَيْد، سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك وسَمِعْتُه يَقُول: لا أعْرِفُه.
وهذا وَهْمٌ وتَصْحِيفٌ وقَعَ من أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن أبي حَاتِم.
أخْبَرَنا بَرَكات بن ظَافِر بن عَسَاكِر بن عَبْدِ الله الأنْصَاريّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن حَمْد بن حَامِد الأرْتَاحِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليّ بن عُمَر الفَرَّاء، قال: أخْبَرَنا أبو زَكَرِيَّاء عبدُ الرَّحيم بن أحْمَد البُخاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد الغَنِيّ بن سَعيد بن عليّ الأزْدِيّ الحافِظ، قال في باب جَارِيَة - بالجِيْم - وحَارِثَة، من كتاب المُؤْتَلِفِ والمُخْتَلِف (^٣): زَيْد بن جَارِيَة، عن النَّبِيّ ﷺ.
أخْبَرَنا أبو الفُتُوح نَصْر بن أبي الفَرَج الحُصْرِيّ فيما كَتَبَ إلينا به من مَكَّة، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عليّ الأَشِيْرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الوَلِيد، يُوسُف بن عَبْد العَزِيْز بن الدَّبَّاغ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبْد العَزِيْز بن ثَابِت، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر يُوسُف بن عَبْد الله بن عَبْد البَرّ النَّمَرِيّ (^٤)، قال:
_________________
(١) تاريخ البخاري الكبير ٣: ٣٨٦ - ٣٨٧.
(٢) الجرح والتعديل ٣: ٥٦٠.
(٣) الأزدي: المؤتلف والمختلف ١: ١٨٤.
(٤) الاستيعاب لابن عبد البر ٢: ٥٤٠.
[ ٩ / ٢٠٢ ]
زَيْد بن جَارِيَة الأنْصَاريّ العَمْرِيّ، وقد قيل فيه: زَيْد بن حَارِثَة، كان ممَّن اسْتُصْغِرَ يَوْم أُحُدٍ، وهو من بني عَمْرو بن عَوْف. كان زَيْدُ بن جَارِيَةَ، وأبو سَعيدٍ الخُدْرِيّ، والبَرَاءُ بن عَازِب، وزَيْد بن أرْقَم، وسَعْد بن حَبْتَة ممَّن اسْتُصْغِرَ يَوْم أُحُدٍ.
ورَوَى (a) أبو سَلَمَة مَنْصُور بن سَلَمَة الخُزَاعِيّ، قال: حَدَّثَنَا عُثْمان بن عُبَيْدِ اللهِ (b) بن زَيْد بن جَارِيَة الأنْصَاريّ، عن عُمَر بن زَيْد بن جَارِيَةَ الأنْصَاريّ، قال: حَدَّثَني زَيْد بن جَارِيَة (c) أنَّ رسُول اللهِ ﷺ اسْتَصْغَرَهُ يَوْم أُحُدٍ، والبَرَاء بن عَازِب، وزَيْدَ بن أرْقَم، وسَعْدَ بن حَبَتَة (d)، وأبا سَعيد الخُدْرِيّ.
قال أبو عُمَر (^١): هو زَيْدُ بن جَارِيَة بن عَامِر بن مُجَمَّع بن العَطَّاف الأنْصَاريّ من الأَوْس، وكان أبُوه جَارِيَةُ من المُنَافقين أهْل مَسْجِد الضِّرَار، كان يُقالُ له: حِمَارُ الدَّار، شَهِدَ زَيْد بن جَارِيَة هذا صِفَّيْن مع عليٍّ ﵁، وهو أخُو (e) مُجَمَّع بن جَارِيَة. رَوَى عنهُ أبو الطُّفَيْل حَدِيثَهُ عنهُ أنَّ رسُول اللهِ ﷺ قال (^٢): إنَّ أخاكُم النَّجَاشِيّ قد ماتَ فصَلُّوا عليه، قال: فصَفَّنا (f) صَفَّيْن.
قال أبو عُمَر (^٣) ﵀: وذَكَرَهُ أبو حَاتِم الرَّازِيّ في باب مَن اسْمُ أبيْهِ على حَاء من باب زَيْدٍ، وقال (^٤): زَيْد بن حَارِثَة (g) العَمْرِيّ الأَوْسِيّ، له صُحْبَةٌ، وقال: سَمِعْتُ أبي يَقُول ذلك، وقال: لا أعْرِفُه.
_________________
(١) (a) الاستيعاب: رواه. (b) الاستيعاب: عبد الله، وفي بعض نسخه ما يوافق المثبت. (c) قيَّده في هذا الموضع بالحاء والثاء المثلثة، والمثبت من الاستيعاب، وليوافق الإسناد فيه. (d) كذا جوده في هذا الموضع بفتحات. (e) الأصل: وهو وأخو. (f) الاستيعاب: فصففنا. (g) الاستيعاب: جارية، والرواية تشير إلى كونه ورد بالحاء كما في كتاب الجرح والتعديل.
(٢) الاستيعاب ٢: ٥٤١.
(٣) سنن ابن ماجة ١: ٤٩١ (رقم ١٥٣٦)، وتاريخ بغداد للخطيب ٣: ١٢٣.
(٤) الاستيعاب ٢: ٥٤١.
(٥) الجرح والتعديل ٣: ٥٦٠.
[ ٩ / ٢٠٣ ]
وذَكَرَ أبو يَحْيَى السَّاجِيّ، قال: حَدَّثَني زِيَاد بن عُبَيْد الله المُزَنِيّ، قال: حَدّثَني مَرْوَان بن مُعاوِيَة، قال: حَدّثَنَا عُثْمان بن حَكِيم، عن خَالِد بن سَلَمَة القُرَشِيّ، عن مُوسىِ بن طَلْحَة بن عُبيدِ الله، قال: حَدَّثَني زَيْد بن حَارِثَة (a) أخُو بني الحَارِث بن الخَزْرج، قال: قلتُ: يا رسُول اللهِ، قد عَلمِنْا كيف السَّلامُ عَليْك، فكيفَ نُصَلِّي عليك؟ قال: صَلُّوا عليَّ وقولُوا: اللَّهُمَّ بَارِك على مُحَمَّد وعلى آلِ مُحَمَّد كما بَارَكْتَ على إبْراهيم وآلِ إبْراهيم، إنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيدٌ.
هكذا رَوَاهُ خَالِد بن سَلَمَة، عن مُوسَى بن طَلْحَة. ورَوَاهُ إِسْرائِيلُ عن عُثْمان بن عَبْدِ الله بن مَوْهَب، عن مُوسَى بن طَلْحَة، عن أبيهِ، ورُبَّما قال فيه: أراهُ عن أبيهِ، قال: قلتُ: يا رسُول اللهِ، قد عَلمِنْا السَّلام عَليْك، فذَكَرَهُ.
زَيْدُ بن الحَسَن بن زَيْد بن الحَسَن بن زَيْد بن الحَسَن بنِ سَعيد بن عِصْمَة (b) بن حِمْيَر بن الحاَرِث ذي رُعَين الأصْغَر، أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، اللُّغَويّ النَّحْوِيّ، القَارِئ، البَغْدَاديّ (^١)
تِلْمِيْذ أبي مُحَمَّد عَبْد الله بن عليّ البَغْدَاديّ وخِرِّيْجُهُ.
_________________
(١) (a) الاستيعاب: جارية. (b) معجم الأدباء ٣: ١٣٣٠: عضيهة.
(٢) توفي سنة ٦١٣ هـ، وترجمته في: خريدة القصر ٣: ٢١٩ - ٢٢٧، ابن الدبيئي: ذيل تاريخ بغداد ٣: ٢٩٠ - ٢٩١، معجم الأدباء ٣: ١٣٣٠ - ١٣٣٤، النذري: التكملة ٢: ٣٨٣ - ٣٨٥، التقييد لابن نقطة ٢: ٥٢٠ - ٥٢١، ابن الأثير: الكامل ١٢: ٣١٥، القفطي: إنباه الرواة ٢: ١٠ - ١٤، سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ٢٢: ٢٠٨ - ٢١١، ذيل الروضتين لأبي شامة ١٤٦ - ١٥١، ابن الساعي: الدر الثمين ٣٧٢ - ٣٧٤، وفيات الأعيان ٢: ٣٣٩ - ٣٤٢، مرآة الجنان لليافعي ٤: ٢٢ - ٢٣، أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر ٣: ١١٧، الذهبي: الإعلام بوفيات الأعلام ٢٥٢، المختصر المحتاج إليه ٢: ٧١ - ٧٢، طبقات القراء ٢: ٩٠٨ - ٩١٠، تاريخ الإسلام ١٣: ٣٦٤ - ٣٧٠، معرفة القراء الكبار ٣: ١١٤٠ - ١١٤٤، سير أعلام النبلاء ٢٢: ٣٤ - ٤١، العبر في خبر مَن غبر ٣: ١٥٩، ابن فضل الله العمري: مسالك الأبصار ٧: ١٥٧ - ١٧٠، الوافي بالوفيات ١٥: ٥٠ - ٥٧، القرشي: الجواهر المضية =
[ ٩ / ٢٠٤ ]
هكذا (a) رَأيتُ نَسَبَهُ في غير مَوضعٍ، وقد سَقَطَ من نَسَبه ذِكْر جَمَاعَةٍ؛ فإنّهُ لا يُتَصوَّر أنْ يكُون بينه وبين حِمْيَر بن ذِي رُعَيْن سَبْعَةٌ لا غير.
حَمَلَهُ وَالده إلى الشَّيْخ أبي مُحَمَّد المُقْرِئ سِبْط أبي مَنْصُور الخَيَّاط، فلَقَّنَهُ القُرْآن، وجوَّدهُ عليه، وقرأ عليهِ بالرِّوَايَات وله عَشر سِنين، وكان سَألني وأنا أقْرأ عليه: كم كان عُمْرُك حين خَتَمْتَ القُرْآن؟ فقُلتُ لَهُ: تِسْع سِنين، فتَعَجَّب من ذلك وقال: كذلك أنا خَتَمْتُه ولي تِسْعْ سِنِين، وأخْرج إليَّ مُفْردات للشَّيْخ أبي مُحَمَّد وعليها خَطّه بقرَاءته عليها، وأرَاني خَطّ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد له على بَعْضِها أنَّهُ خَتَم القُرآنَ عليه وهو ابنُ تِسْعٍ، وجَمَعهُ بالعَشْر وهو ابنُ عَشْرٍ، فذَكَرْتُ له أنِّي جَمَعتُه بالعَشْرِ ولي عَشْر سِنيْن، وشَاهدتُ بخَطِّ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الدُّعَاء له بطُول العُمر، فاسْتَجابَ الله دُعَاءه له، فعاشَ أرْبَعًا وتِسْعِين سَنَةً.
وكان الشَّيْخ أبو مُحَمَّد اعْتَنى به؛ فأقْرَأهُ القُرْآن على أبي القَاسِم هِبَة الله بن أحْمَد المعرُوف بابنِ الطَّبَر، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن الخَضِرِ خَطِيْب المُحَوَّل، وأبي مَنْصُور مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن خَيْرُون، وأبي الفَضْلِ مُحَمَّد بن عَبْدِ اللهِ بن المُهْتَدي، وأقْرأهُ اللُّغَة والنَّحو على الشَّيْخ أبي مَنْصُور موْهُوب بن أحْمَد بن الجَوَالِيْقِيّ، والشَّريف أبي السَّعَادَات هبَة الله بن عليّ الحَسَنيّ المَعْرُوف بابنِ الشَّجَرِيّ، فلازَمَهُما حتَّى برَعَ في عِلْم النَّحو واللُّغَة، وقرأ عليهما وعلى أبي مُحَمَّد عَبْد الله بن أحْمَد بن أحْمَد بن الخَشَّاب، وعلى مَجْد الإسْلَام عُبَيْد الله بن القَاسِم الحَرِيرِيّ
_________________
(١) (a) الأصل: هذا. = ٢: ٢١٦ - ٢١٧، ابن كثير: البداية والنهاية ١٣: ٧١ - ٧٤، الزركشي: عقود الجمان ورقة ١١٧ ب - ١١٨ ب، تاريخ ابن الوردي ٢: ١٩٩، البلغة للفيروزابادي ١٠٢، تاريخ ابن الفرات ٥/ ١: ٢١٥ - ٢١٦، الدلجي: الفلاكة والمفلكون ٩٢، العيني: عقد الجمان ٣: ٣٠٧ - ٣٠٩، ابن الجزري: غاية النهاية ١: ٢٩٧ - ٢٩٨، النجوم الزاهرة ٦: ٢١٦ - ٢١٧، بغية الوعاة ١: ٥٧٠ - ٥٧٣، الغزي: الطبقات السنية ٣: ٢٧٠ - ٢٧٤، شذرات الذهب ٧: ١٠٠.
[ ٩ / ٢٠٥ ]
كُتُبًا كَثِيْرة من كُتُب الأدَب، وأسْمَعَهُ الحَدِيْث فسَمعَ بإفَادته وبنَفْسه من هؤلاء، ومن القَاضِي أبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، وأبي القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن السَّمَرْقنديّ، وأبي مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد القَزَّاز، وأبي البَرَكَات عَبد الوَهَّاب بن المُبارَك الأنْمَاطِيّ، وأبي الفَتْح عَبْد المَلِك بن أبي القَاسِم الكَرُوخِيّ، وأبي الحَسَن عليّ بن هِبَة الله بن عَبْد السَّلام، وأبي عَبْد الله الحُسَين بن عليّ بن أحْمَد المقرِئ أخي شَيْخه أبي مُحَمَّد، وأبي مَنْصُور عَبْد الجَبَّار بن أحْمَد بن مُحّمد الأسَدِيّ، وأبي الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر السَّلَامِيّ، وأبي الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن عَبْد الجَبَّار العُكْبَرِيّ، وأبي الفَتْح عَبْد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد البَيْضَاويّ، وأبي مُحَمَّد يَحْيَى بن عليّ بن الطَّرَّاح، وأبي الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن تَوْبَة، وشَيْخ الشُّيُوخ أبي البَرَكَات إسْمَاعِيْل بن أبي سَعْد الصُّوْفيّ، وأبي مُحَمَّد طَلْحَة بن أبي طَالِب الرُّمَّانِيّ، وأبي السَّعَادَاتِ المُبارَك بن الحُسَين بن عَبد الوَهَّاب بن نَغُوبا الوَاسِطِيّ، وأبي الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن إبْراهيم الصَّائِغ، وأبي القَاسِم عليِّ بن أبي نَصْر عَبد السَّيِّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد بن الصَّبَّاغِ، وأبي الفَضْل مُحَمَّد بن عُمَر بن يُوسُف الأُرْمَوِيّ، وأبي الفَضْل أحْمَد بن طَاهِر بن سَعيد المِيْهَنِيّ، وأبي الحَسَن سَعْد الخَيْر بن مُحَمَّد بن سَهْل الأنْدَلُسِيّ، وأبي القَاسِم عَبْد الله بن أحْمَد بن عَبْد القَادِر بن مُحَمَّد بن يُوسُف، وأبي الفَرَج عَبْد الخَالِق بن أحمد، وأبي الحَسَن عليّ بن مُحمَّد بن أبي عَمْرو البَزَّار، وأبي إسْحَاق إبْراهيم بن مُحَمَّد بن نَبْهَان الرَّقِّيّ، والحافِظ أبي العَلَاء الحَسَن بن أحْمَد بن الحَسَن الهَمَذَانيّ، وأبي عَبْدِ الله عِيسَى بن هِبَة الله بن النَّقَّاش، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن عُبَيْدِ الله بن الزَّاغُونِيّ، وأبي المُعَمَّر المُبارَك بن أحْمَد بن عَبْد العَزِيْز الأنْصَاريّ، وأبي مَنْصُور أَنُوشْتِكِيْن بن عَبْد الله الرِّضْوَانِيّ، وأبي بَكْر عَبْد الله بن مُحَمَّد بن النَّقُّور.
[ ٩ / ٢٠٦ ]
سِمَعَ من هؤلاء كُلّهم ببَغْدَاد ما خَلَا الحافِظ أبا العَلَاء فإنَّهُ سَمِعَهُ بهَمَذَان، وكان رحَلَ إليها وتَفَقَّهَ بها على مَذْهَب الإمَام أبي حَنِيْفَة ﵁ على سَعْد الرَّازِيّ ﵀.
وسَمعَ بدِمَشْق من الخَطِيب أبي الحُسَين عبد الرَّحْمنِ بن عَبْد الله بن الحَسَن بن أبي الحَدِيْد، وأبي العبَّاس أحْمَد بن عَبْد الله بن مرْزُوق الأصْبَهَانِيّ. واجْتَمَع بمِصْر مع أَبي مُحَمَّد عَبْد الله بن بَرِّي، وتَكَلَّم معه، وأعْجَبَهُ كَلَام ابن بَرِّي، واعْتَرف بعِلْمه.
وكان شَيْخه أبو مُحَمَّد قد رَبَّاهُ تَرْبية الأوْلَاد، وكان يُكْرمُهُ، ونَفَعَهُ الله ببَرَكته، ووَهَب له كَثِيْرًا من كُتُبه الّتي قَرأها عليه، وتفرَّد برِوَايَة كُتُب كَثِيْرهَ.
ورَحَل إليه النَّاسُ من البِلادِ لقراءة القُرآن واللُّغَة والنَّحو والحَدِيْث والأشْعَار، وقرِأ عليه المَلِك المُعَظَّم عِيسىَ ابن المَلِك العادِل أبي بَكْر بن أَيُّوب، وانْتَفَع بهِ، ومَهَر في النَّحو، وكان يَنْزل مَاشِيًا إليه من قَلْعَة دِمَشْق إلى دَاره، وقرأ عليه جَمَاعَة من الشُّيُوخ العُلَمَاءَ.
وكان قَدِمَ حلَبَ وسَكَنَها مُدَّةً، واتَّصَل بها بالأَمِير حَسَن ابن الدَّايَة، ثمّ سَافَر عن حَلَب إلى دِمَشْق، وخَدَم بها عِزّ الدِّين فَرُّخْشَاه بن شَاهَنْشَاه (a) بن أَيُّوب بن شَاذِي، فنَفَق عليه واسْتَوْزَرَهُ، وكان يُقَارضُه بالشِّعْر، ثمّ اتَّصَل بأخيه تَقِيّ الدِّين عُمَر بن شَاهَنْشَاه بعدَ مَوته بالدِّيَار المِصْرِيَّة، ثمّ عاد إلى دِمَشْق، فأقام بها، واتَّخَذَ بها دَارًا وبُسْتَانًا وملكًا يَعُود عليه نفعُه.
وكان حَسَن الأخْلَاق، جَمِيل الصُّورَة، تَامّ الخَلْق والخُلق. وكان يَكْتُب خَطًّا حَسَنًا.
_________________
(١) (a) في الأصل في هذا الوضع وتاليه: شاهانشاه.
[ ٩ / ٢٠٧ ]
دَخَلْتُ إليه دَاره بدِمَشْق في سَنَة ثَلاثٍ وسِتمائة مع وَالدِي، وقَرَأتُ عليهِ المَقَامَات الحَرِيرِيَّة وغيرها من كُتُب الأدَب، ولمَّا شَرَعتُ في قرَاءة المقَامَات عليه أعْجَبته قراءتي، وسَألني: أتَحْفَظُها؟ فقُلتُ لَهُ: لا، فمال إليَّ واعْتَنى بأمْري، وكان يأذن لي كُلَّما جئتُ إليه.
ولمَّا عَزَمتُ على العَوْد إلى حَلَب قال لي: اجْعَل في نَفْسك أنْ تَعُودَ إلينا، فأثَّر كَلَامُه عندي، وآثرتُ الرِّحْلَة إليه، وكان وَالدِي، ﵀، لا يَسْمَح بمُفَارقَتِي، إلى أنْ سَمح بأنْ يَزُور البَيْت المُقَدَّس فاسْتَصْحَبني معه، ووَصَلْتُ معه إلى دِمشْق، ودَخَلْتُ إلى الشَّيْخ، ﵀، فقَرأتُ عليه عدَّة من كُتُب الأدَب والحَدِيث في سَنَة ثَمانٍ وسِّتمائة، ثُمَّ عُدتُ من البَيْت المُقَدَّس، وكُنْتُ أتردَّدُ إليه وأسْمعُ منه بقِرَاءَتي وقراءة غيري في سَنَة تِسْعٍ وسِّتمائة. وسَألتُهُ عن مَوْلدِه فقال؛ وكَتَبَهُ لي بخَطِّه: في سَنَة عشرين وخَمْسِمائَة في شَعْبانها.
وقال لي أبو الحُسَين يَحْيَى العَطَّار إنَّهُ قال له: في الخَامِس والعشْرين منه.
أخْبرَنا الإمَامُ العَلَّامَة أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ بقِرَاءَتي عليه، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَنِ علِيّ بن إبْراهيم بن عِيسَى البَاقِلَّانِيّ المُقْرِئ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْر أحْمَد بن جعْفر بن حَمْدَان بن مَالِك القَطيْعيِّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أحْمَد بن حَنْبَل، قال: حَدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَة، عن إسْمَاعِيْل بن أبي خَالِد، قال: سَمِعْتُ قَيْس بن أبي حَازِم يُحَدِّثُ عن جَرِير ﵁، قال (^١): كُنَّا عند رسُول الله ﷺ لَيْلَة البَدْر، فقال: إنَّكُم سَتَرونَ رَبّكم ﷿ كما تَرونَ القَمَر، لا تُضَامُونَ في رُؤْيَتهِ، فإنْ اسْتَطعتُمْ أنْ لا
_________________
(١) كتاب السنة للشبياني ١: ١٩٦ (رقم ٤٥١)، وكتاب الإيمان لابن مندة ٣: ٧٦١ (رقم ٧٩٧)، صحيح ابن حبان ١٦: ٤٧٥ - ٤٧٦ (رقم ٧٤٤٣)، فتح الباري ٢: ٥٢ (رقم ٥٧٣).
[ ٩ / ٢٠٨ ]
تُغْلَبُوا على هاتين الصَّلَاتَيْن قبْلَ طُلُوع الشَّمْسِ وقبلَ غُرُوبها، ثمّ تلا هذه الآية ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (^١). قال شُعْبَة: لا أدْرِي قال: فإنْ اسْتَطَعتُم أو لم يَقُل.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ بقِرَاءَتي عليه في مَنْزِله بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم هِبَة الله بن أحْمَد بن الطَّبَر، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب مُحَمَّد في عليّ بن الفَتْح العُشَارِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّد بنُ أحْمَد بن إسْمَاعِيْل بن سَمْعُون، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد في أبي حُذَيْفَة، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن مُحّمد بن أبىِ الخَنَاجِر (a)، قال: حَدَّثَنَا العبَّاسُ بن الوَلِيد البَصْرِي، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، عن عَاصِم، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ (^٢)، عن النَّبِيّ ﷺ، قال: إنَّ العَبْد لتُرْفَعُ له الدَّرجَةُ فيقُول: أي رَبّ، أَنَّي لي هذه؟ فيقُول: باسْتِغْفَارِ وَلد وَلدك مِن بَعْدِك.
أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الإمَامُ أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن عليّ بن أحْمَد المُقَرِئ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن الحُسَين بن عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرَنا أبو الطَّيِّب مُحَمَّد بنُ أحمد بن خَلَف بن خَاقَان البَيِّع، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ مُحَمَّد بن الحَسَن بن دُرَيْد الأزْدِي، ح.
_________________
(١) (a) في الأصل وق بالحاء المهملة الحناجر، وأكدها في ق بحرف الحاء أسفلها، وصوابه بالمعحمة، وتقدمت ترجمته في الجزء الثالث من هذا الكتاب.
(٢) سورة ق، من الآية ٣٩. وطالع الآية في الأصل: فسبح.
(٣) سنن ابن ماجة ٢: ١٢٠٧ (رقم ٣٦٦٠)، وفيه: "باستغفار ولدك"، شرح السنة للبغوي ٥: ١٩٧ (رقم ١٣٩٦)، ولفظه: "بدعاء ولدك".
[ ٩ / ٢٠٩ ]
قال: وقال أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد: وحَدَّثَنَا القَاضِي أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن عليّ بن أَيُّوبَ الشَّافِعيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن الجَرَّاح الخَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ مُحَمَّد بن الحَسَن بن دُرَيْدٍ، واللَّفْظ للقَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو حَاتِم، عن الأصْمَعِيّ، قال: كان أبو بَكْر إذا مُدِحَ قال: اللَّهُمَّ أنْتَ أعْلَم بي من نَفْسِي، وأنا أعْلَم بنَفْسِي منهم، اللَّهُمَّ اجْعَلني خَيْرًا ممَّا يحسبُون، واغْفِر لي، واجْعَلني خَيْرًا ممّا يَعْلَمُون، ولا تُؤاخذني بما يقُولُون.
وقالا: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّدٌ، قال: أخْبَرَنا أبو حَاتِم، عن الأصْمَعِيّ، عن العبَّاس بن بَكَّار الضَّبِّيّ، عن عُقْبَة الأصَمّ، عن عَطَاء بن أبي رِبَاح، عن ابن عبَّاسٍ، قال: سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ يقول (^١): [من البسيط]
إذا أرَدْتَ شَرِيْفَ النَّاس كُلِّهِمِ … فانْظُر إلى مَلِكٍ في زيّ مِسْكين
ذاكَ الّذي حَسُنتْ في النَّاسِ سِيْرَته … وذاكَ يَصْلُحُ للدُّنْيا وللدِّيْن
ولشَيْخنا أبي اليُمْن، ﵀، أشْعَار لَم أسْمعَ منه شَيئًا لاشْتِغَالي عليه بما هو أهمُّ بها، وقد أجَازَ لنا رِوَايتها عنه، فمنها ما أنْشَدَهُ لنفَسِه في أرْمَدٍ مَلِيْح (^٢): [من الطويل]
بكُلِّ صَبَاحٍ لي وكُلّ عَشِيَّةٍ … وقُوْفٌ على أبْوَابِكُم وسَلَامُ
وقَدْ (a) قيل لي يَشْكُو سَقَامًا بجَفْنِه (b) … تغَيَّض (c) بي وَجْدٌ وخَفَّ غَرَام
فغيرُ غَرِيْبٍ في المنَاصِل (d) حمرَةٌ … وغيرُ بَدِيْعٍ في الجُفُون سَقَامُ
وقِدْمًا شَكَونا (e) وضِيْمت قُلُوبنُا … فها أنْتَ منها تَشْتَكي وتُضَامُ
_________________
(١) (a) ديوان أبي اليمن الكندي: مذ. (b) الديوان: سقام جفونه. (c) الديوان: تغيظ. (d) الديوان: المفاصل. (e) الديوان: شكوناها.
(٢) البيتان لأبى العتاهية: ديوانه ٤٣٩.
(٣) ديوان أبي اليمن الكندي ٥٤.
[ ٩ / ٢١٠ ]
ومن ذلك ما أنْشَدَهُ لنَفْسِه، وكان قد شَرِبَ دَوَاءً فَمرضَ منهُ (^١): [من الطويل]
تَدَاوَيْتُ لا مِن علّةٍ خَوْفَ علَّةٍ … فأصْبَحَ داءً في حَشَاي دَوَائي
فيا عجبَ الأقْدَار من مُتَحذلقٍ … يُحَاولُ بالتَّدْبِر رَدَّ قَضَاءَ
ومن ذلك ما قَرأته بخَطِّه، قال: هذه قَصِيدَةٌ الْتَمَسَ وَزْنَها ورَوِيّها المَوْلَى معِزّ الدّين فَرُّخْشَاه ﵀، ونحنُ إذ ذاكَ بمِصْر، وأنْشَدَنيها رَفِيْقُنا أبو الفَتْح نَصْرُ اللهَ بنِ أبي العِزّ بن أبي طَالِب الشَّيْبَانيّ الصَّفَّار، من لَفْظه بدِمَشْقَ، قال: أنْشَدَنا أبو اليُمْن زيْد بن الحَسَن بن زَيْد الكِنْدِيّ لنَفْسِه وأثبْتُّها بكَمَالها، وهي (^٢): [من الكامل]
هل أنْتَ رَاحِمٌ عَبْرَةٍ وتَولُّهِ … ومُجِيْرُ صَبٍّ عند مَأمَنهِ دُهي
هَيْهات يَرْحَمُ قَاتِلٌ مَقْتُولَهُ … وسنَانُهُ في القَلْب غَيْر مُنَهْنِهِ
مَن بَلَّ من دَاءِ الغَرَام فإنَّني … مُذْ حَلَّ بي مرضُ الهَوَى لَم أَنْقَهِ (a)
إنِّي بُلِيْتُ بحُبّ أغْيَدَ سَاحر … بلحَاظهِ رَخْصِ البَنان بزَهْرِه
أَبْغِي شِفَاءَ تَدلُّهِي من دَلِّهِ … ومَتَى يرقّ مُدَلّل لمُدَلَّهَ
كم آهَةٍ لي في هَوَاهُ وأَنَّةٍ … لو كان يَنْفَعُنِي عليه تَأَوُّهي
ومآرِبٍ في (b) وَصْلِه لو أنَّها … تُقْضَى لكانَتْ عند مَبْسِمِه الشَّهِي
يا مُفْرَدًا بالحُسْنِ إنّكَ مُنْتَهٍ … فيه كما أنا في الصَّبَابَة مُنْتَهى
قد لام فيك مَعَاشِرٌ أفَأَنْتَهي … باللَّوْم عن حُبّ الحَيَاةِ وأنْتَ هي
_________________
(١) (a) الخريدة: داء الهزى لم أنقه، الوافي: لم أنته. (b) الخريدة: من.
(٢) ديوان أبي ابن الكندي ٤٧.
(٣) ديوان أبي اليمن الكندي ٤٠ - ٤٣، وعدد أبياتها ٤٩ بيتًا، والقصيدة أثبتها العماد في الخريدة ١٠: ١٢٩ - ١٣٣، وفي كتابه البرق الشامي ٥: ٦٥ - ٦٩، وأثبت الصفدي أول ١٧ بيتًا منها في الوافي ١٥: ٥٥، و١٣ بيتًا منها في البداية والنهاية ١٣: ٧٣ - ٧٤.
[ ٩ / ٢١١ ]
أَبْكي لدَيْهِ فإن أحَسَّ بلَوْعَة … وتَشَوُّقٍ (٣) أوْمَا بطَرْفِ مقْهْقِهِ
أنا من مَحَاسِنه وحَالىِ عندَهُ … حَيْرَانَ بينَ تفكُّهٍ (b) وتَفَكُّهِ
ضدَّانِ قد جُمِعَا بلفظ واحدٍ … لي في هَوَاهُ بمعْنيَيْن موَجَّهِ
لأُجَرِّدنَّ منِ اصْطِبَاري [عَزْمَةً] (c) … ما رَبُّها في مَحْفلٍ بمُسَفَّهِ
أوَلَسْتُ رَبَّ فَضَائِل لو حَاز أدْ … نَاهَا وما أزْهَي بها غيري زُهي
شهدَتْ لها (d) الأعْدَاءُ واسْتَشْفَتْ بها … عَيْنا حَسُود بالغَبَاوَة أكْمَهِ
أنا عَبْدُ مَن عِلم (e) الزَّمانُ بعَجْزه … عن أنْ يَجيء لهُ بنِدٍّ مُشْبِهِ
عَبْدٌ لعِزّ الدِّين ذي الشَّرَف الّذي … ذلّ المُلُوك لعِزَّه فُرُّخْشِهِ
المُوْقد الحَرْب العَوَانَ ببَأسِهِ … والأُسْدُ بين مُغَرّد (f) ومُوَهْوِهِ
المُفْحم الفُصَحَاءَ فَصْلُ خطَابِهِ … من ذي الرَّويَّةِ فيهم والمِبْدَهِ
فكأنَّ قِرْنًا يُبْتَلَى بنزَالهِ … يُرمَى بطَوْدٍ فَوْقَهُ مُتَدَهْدِهِ
وكَذَا البَليْغُ مُلَجْلَجٌ في نُطْقه … حَصَرًا كألكَنَ في الحوَار مُنهنِهِ (g)
فلَتَبجحَ العَلْيَاءُ منه بمْجرِبٍ … عند الجلَادِ وفي الجِدَالِ بمِدْرَهِ
هو غرَّةُ الزَّمَن البَهِيْم وعِصْمَةُ … المكِ العَقِيم وغَوْثُ كل مُؤَيَّهِ
مَلِكٌ هُمام حَازِمٌ يَقِظٌ رضىً … بَحْرٌ غَمامٌ عَالِم ندُسٌ نَهِ
فَطِنٌ لأخْذ محَامِدٍ خَفِيَتْ على … فِطَنِ الأُلَى (h) فلمِثْلها لَم يُؤْبَهِ
مُتَنَبِّه للمَكْرُمات ولَم يَكُن … عنها يَنام فيَبْتَدى (i) بتَنَبُّهِ
يُعْدى على جَور الزَّمانِ بعَدْلهِ … ويُجِيْزُ بالنَّعْماءَ كُلَّ مُوَلَّهِ
وإذا اسْتَغَاثَ إليه منْهُ مالُهُ … كانَتْ إغاثَتُه له: صَهْ أَوْ مَهِ
_________________
(١) (a) الديوان: وبشهقة، البرق الشامي: وتشهّق. (b) الوافي: تفكري. (c) من الديوان والخريدة والبرق الشامي والوافي. (d) الديوان: له. (e) الخريدة والبرق الشامي: شهد. (f) الديوان والخريدة: معرد. (g) الديوان والخريدة: في الكلام متهته، وفي البرق الشامي: في الحوار متهته. (h) الأصل، وق: الأولى، وكتب ابن العديم في الهامش: "بخطه: الأولى، مقلوب الأول، وبخطه: الورى". (i) الخريدة: فيهتدي.
[ ٩ / ٢١٢ ]
وعلي شَمَائِل مَجْده ورُوَائه … للمَجْد (a) أُبَّهَةٌ بغير تَأبُّهِ
ما اللَّيْثُ أوْغَلَ في التَّرَائبِ نَابُهُ … سَغِبًا يَصُولُ بأَهْرَتٍ مُتَكَهْكِهِ
يَوْمًا بأسْفَك للدِّمَاءَ لَدَى الوَغَي … منهُ وأقْتَلَ للعدَاةِ وأعْضَهِ
تَعِبَتْ أَسِنَّتُهُ عِلى عَلْيَائهِ … حتي تَفَرَّدَ بالمَحَلِّ الأنْوَهِ
فغَدَا ورَاح به رَعَايا مُلكه … فىِ رَاحَةٍ تَبْهُو (b) بسؤدَدهِ البَهِي
كم في غَنَاءِ (c) المتْعَبينَ على العُلَا … من مُتْرَفٍ بعَنَائهم مُتَرَفّهِ
أنْظُر إذا ازدحَمَ الوُفُودُ ببَابهِ … من كُلِّ ذىِ أَمَلٍ به مُتَوَجِّهِ
إنْ شَطّ لَم يَشْطُطْ رِضَاهُ وإنْ جَفَا (d) … فيما يُحاوَل عندَهُ لَم يُنْجَهِ
طابَتْ مَواردُه فغَصَّ فِنَاؤُه … وشَدَا الحُدَاةُ بذِكْره في المَهْمَهِ
كالماءِ عندَ ورُوده ما لَم يكُن … عَذْبًا نَمِيْرًا سَائِغًا لَم يُشْفَهِ
يا خَيْرَ بَانٍ بالشَّجَاعَة والنَّدَى … مَجْدًا يَهِي عُمُر الزَّمان ولا يَهِي
يَفْديكَ كُلُّ مُمَّلكٍ مُتَتَايهٍ … أبدًا بألْسَنة الرِّعَاعِ مُمَدَّهِ
لا يَفقَهُ النَّجْوى إذا حدَّثْتَهُ … وإذا بَدَا (e) بحَدِيْثِه لَم يُفْقِهِ
إنِّي على شَرَف القَرِيْضِ لهَاجر … للنَّظْم هِجْرَةَ آنفٍ مُتَنَرِّهِ
أضْحَى وأهْلُوه (f) كَمَدُوحيهِم … في جَهْل قيْمَة ذي الحَجى والأوْرَهِ
أبدًا عَرَائسُ مَدحِهِ تُجلى على … دَنِسِ الخَبِيئَة بالعُيُوب مُشَوَّه
قَلَّ المُمَيِّزُ (g) سَامِعًا أو مُنْشدًا … في النَّاس بين مفَهَّه ومُفَوَّهِ
آليْتُ لا أَوْلَيتُ غَيْرك مِدْحَةً … شِعرًا وإنْ أفْعَل فمِدْحَةُ مُكْرَهِ
أَصْبَحْتُ من نُعْماكَ صَاحِبَ أنْعُم … تُرْجَى نَوَافِلُها وعَيْشٍ أَبْلَهِ
_________________
(١) (a) الديوان والخريدة: للملك. (b) الديوان والخريدة: تتهو. (c) الديوان والخريدة والبرق الشامي: عناء. (d) الديوان والخريدة والبرق الشامي: وإن سطا. (e) الديوان والخريدة: أتى. (f) الديوان والخريدة: وعصبته. (g) الديوان والخريدة والبرق لشامي: للمميز.
[ ٩ / ٢١٣ ]
وبَدَا لديْكَ صَرِيح فَضْلي مثْلمَا … لا يَسْتَسِرُّ لدَيْكَ نَقْصُ مُمَوَّهِ
حُزْتَ السَّعَادَةَ من إلهكَ ما سَرَتْ … في اللَّيْل دَعْوَةُ عَابِدٍ مُتألِّهِ
أنْشَدَني أبو الحُسَين يَحْيَى بن عليّ بن عَبْد الله العَطَّار بمِصْر، قال: أنْشَدَنا الشَّيْخُ أبو اليُمْن الكِنْدِيّ لنَفْسِه (^١): [من الطويل]
أرَى المرءَ يَهْوَى أنْ تَطُول حَيَاتَهُ … وفي طُوْلها إرْهَاقُ نفسٍ (a) وإزْهَاقُ
تَمَنَّيْتُ في شَرْخ (b) الشَّبِيْبَة أنَّني … أعمَّر والأعْمَار لا شَكَّ أرْزَاقُ
فلمَّا أتَاني ما تَمَنَّيت سَاءَني … من العُمْرِ ما قد كُنْتُ أهْوَى وأشْتَاقُ
عَرَتْني أعْرَاضٌ شَدِيدٌ مراسُهَا … عليَّ وهَمٌّ ليسَ لي منهُ إفْرَاقُ
وها أنا في إحْدَى وتِسْعِين حِجَّة … لها فيَّ إرْعادٌ مَخُوفٌ وإبْرَاقُ
يُخَيّل لي فِكْري إذا كُنْتُ خَاليًا … رُكُوبي على الأعْنَاقِ والسَّيْرُ إعْنَاقُ
ويَذْكُرني بعد (c) النَّسِيم ورُوْحه … حَفَائِر يَعْلُوها من التُّربِ أطْبَاقُ
يَقُولونَ دِرْيَاقٌ لمثلكَ نَافِعٌ … وما لي إلَّا رَحْمَة الله دِرْياقُ (d)
وكان لشَيْخنا أبي اليُمْن نَوَادر مُسْتَحْسَنة، ومُلَح مُسْتَطرَفَة؛ منها مِا حَكَاهُ لي الشَّيْخُ الفَقِيهُ أبو الحَسَن عليّ بن هِبَة الله بن سَلامَة المَعْرُوف بابنِ الجُمَّيْزِيّ، قال: كان تَاج الأُمَناء وزَيْن الُأمَناء أخوَين من بني عَسَاكِر، وكان تَاج الُأمَناء يُلقَب خرابدبس (e)، وكان أكْبَر من زيْن الُأمَناء في السِّنِّ، فحَضَر جَمَاعَة عند الشَّيْخ تَاج الدِّين الكِنْدِيّ، وتَنازعُوا في تَاج الأُمَناء وزَيْن الأُمَناء أيُّهما أَسَنّ من صَاحِبه،
_________________
(١) (a) الديوان وابن خلكان والذهبي والزركشي والسيوطي: ذل. (b) الديوان وابن خلكان والذهبي والزركشي: عصر. (c) الديوان وابن خلكان والذهبي والزركشي: مرّ. (d) الديوان وابن خلكان والذهبي: يقولون ترياق … ترياق. (e) ق: حرانديس.
(٢) ديوان أبي اليمن الكندي ٧٠ - ٧١، ووفيات الأعيان ٢: ٣٤١ - ٣٤٢، وتاريخ الإسلام ١٣: ٣٦٨، وعقود الجمان للزركشي ١١٨ أ، وبغية الوعاة ١: ٥٧١.
[ ٩ / ٢١٤ ]
وكان يَظْهر للرَّائي أنَّ زَيْن الأُمَناء أسَنّ، فابتَدَر الكِنْدِيّ من غير رَويَّةٍ وقال: تَاج الأُمَناءِ في سَنِّ زَيْن الأُمَناء، وهذا من أحْسَن النَّوَادر والتَّورية.
وسَمِعْتُ رَفِيْقَنا النَّجِيْبُ أبو الفَتْح ابن الصَّفَّار، قال: كان الشَّيْخ تَاج الدِّين الكِنْدِيّ يَجْلس في اللَّبَّادِين بدِمَشْق على حَانُوْت بالقُرْبِ من دَاره يَجْلِس فيها بعضُ الكَحَّالين، فاتَّفَقَ يَوْمًا أنْ جاءت امرأةٌ إلى الكَحَّال والشَّيْخ تَاج الدِّين جالسٌ عندَهُ، فذَكَرَت للكَحَّال مَرَضًا بعَيْنها، وأطَالَت الكَلَام معه إلى أنْ أضْجَرَتْهُ، فقال لها: والله قد أخَذتِ مُخِّي، فقال له تَاج الدِّين الكِنْدِيّ في الحالِ: نَعَم لتُطْعِمَهُ زَوْجَها!.
وحُكِي لي من نَوَادره أنَّهُ أُهْدِي له جَدْيَان، فدَخَل بهما عَتِيقه يَاقُوت، الّذي سُمِّي بعد ذلك يَعْقُوب، وقد وَضَع أحدهما تحتَ إبْطَه الأيْمَن، والآخر تحتَ إبْطه الَأيْسَر، وعند الشَّيْخ جَمَاعَة، فقال له حين رآهُ: يَعِيْشُون لك.
وبَلَغَني أنَّهُ دَخَل إليه طَبِيْبان: أحدهمُا كَحَّال، والآخر طَبَائِيّ، فقال للكَحَّال: كم فرقْتَ اليَوْم عَصًا؟ فقال الطَّبَائِعيّ (a): كَثِيْرٌ، فقال للطَّبَائِعيّ: أنْتَ مُسْتَريْحُ؛ خُصُومُك المَوْتى!.
ومن مُهَاتَرَاته المُسْتَملحَة أنَّهُ حَضَر بدِمَشْق في مَجْلِس الوَزِير ابن شُكْر، وفي المَجْلِس أبو الخَطَّاب بن دِحْيَة، وهو يَنْتَسب إلى كَلْب، فأوْرَد ابن دِحْيَة حَدِيث الشَّفَاعَة وقال فيه: ولكنِّي كُنْتُ من وَراءَ وراءَ؛ بالفَتْح، فأنْكَره الكِنْدِيّ وقال: هو بالضَّمِّ من: ورَاءُ وراءُ لا غير، فجَرَى بينهما كَلامٌ آلَ بهما أنْ سَفه عليه ابنُ دِحْيَةَ، فقال له الشَّيْخُ الكِنْدِيُّ: نُسِبْتَ إلى كَلْبٍ فنَبحْتَ.
_________________
(١) (a) كذا في الأصل، وسياق الكلام يقتضي أن يكون: الكَحَّال.
[ ٩ / ٢١٥ ]
قَرَأتُ في التَّاريْخ المُجَدَّد لمَدِينَة السَّلام، الّذي ذَيَّلَ به رَفِيْقنا الحافِظ أبو عَبْد الله تاريخ بَغْدَاد للخَطِيْب (^١)، وأجَازَ لنا رِوَايتَهُ عنهُ، قال: زَيْد بن الحَسَن بن زَيْد بن الحَسَن بن زَيْد بن الحَسَن بن سَعيد بن عِصْمَة بن حِمْيَر بن الحَارِث ذي رُعَيْن الأصْغَر، أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، من سَاكِني دَار الخِلَافَة، أسْلَمهُ والدُه في صِغَره إلى الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عَبْد الله بن عليّ المُقْرِئ سِبْط الشَّيْخ أبي مَنْصُور الخَيَّاط، فَلقَّنَهُ القُرْآن، وجوَّد عليهِ قراءتَهُ، ثمّ حَفَّظه القِرَاءَات؛ فقَرأ عليهِ بالرِّوَايَات العَشر وعُمره عَشْر سِنين، ثُمَّ إنَّهُ أقْرأهُ أيضًا على مَشَايخ أقْدَم إسْنَادًا منه كأبي القَاسِمِ هِبَة الله بن أَحْمَد الحَرِيرِيّ، وأبي الفَضْل مُحَمَّد بن عَبْد الله بن المُهْتَدي، وأبي منْصُور مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن خَيْرُون، وأبيِ بَكْر مُحَمَّد بن الخَضِر خَطِيْب المُحَوَّل، ثمّ إنَّهُ أشْغَلَهُ بالنَّحو واللُّغَة، وأَمَرَهُ بمُلَازمة الشَّريف أبي السَّعَادَات بن الشَّجَرِيّ، وأبي مَنْصُور بن الجَوَالِيْقِيّ، لقراءة الأدَب، فقرأ عليهما حتَّى بَرَعَ في النَّحو ومَعْرفَة العَرَبِيَّةِ.
وأسْمَعَهُ الحَدِيْث الكَثِيْر من الشُّيُوخ الكِبَار كأبي بَكْر مُحَمَّد بن عَبْدِ البَاقِي الأنْصَاريّ، وأبي القَاسِم هِبَة الله بن أحْمَد الحَرِيرِيّ، وأبي مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد القَزَّاز، وأبي القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن عُمَر السَّمَرْقنديّ، وأبى البَرَكَات عَبد الوَهَّاب بن المُبارَك الأنْمَاطِيّ، وأبي الحَسَن عليّ بن هِبَة الله بن عَبْد السَّلام، وأبي الفَتْح عَبْد الله بن مُحَمَّد بن البَيْضَاويّ، وأبي مُحَمَّد يَحْيَى بن عليّ بن الطَّرَّاح، وأبي الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن تَوْبَة، وأبي عَبْدِ اللهِ الحُسَين بن عليّ بن أحْمَد الخَيَّاط، ومن جَمَاعَة غيرهم.
وقَرِأ بنَفْسه على المَشَايخ كَثِيْرًا، وكان الشَّيْخ أبو مُحَمَّد المُقْرِئ يعزّهُ ويُقْرِئهُ كَثِيْرًا، وربَّاهُ أحْسَن تَرْبيةٍ، ووَهَب لهُ كَثِيْرًا من الكُتُب والأُصُول الّتي قَرَأها
_________________
(١) تقدم التعريف بالكتاب فيما سلف.
[ ٩ / ٢١٦ ]
عليه، وكانت هِمَّتُه إليه مَصْرُوفة، فعادَتْ بَرَكتُه عليه فعُمِّر عُمْرًا طَوِيْلًا، وانْتَشَرت عنه الرِّوَايَةُ، ورَحَل إليه طُلَّابُ العِلْم من الأقْطَارِ لقِرَاءةِ القُرآن عليهِ والحَدِيْث والأدَب، وتَفَرَّد بأكْثَر مَرْوياتِهِ، وكان يَرْوِي كَثِيْرًا من كُتُب الأدَب ودَوَاوِين الشِّعْر، ويَكْتُب خَطًّا مَلِيْحًا.
ولمَّا مَاتَ شَيْخُه أبو مُحَمَّد قَام مَقَامَهُ في مَسْجِده، وأَمَّ النَّاسَ فيه أيَّامًا، وله نيّفٌ وعشْرون سَنَةً، ثُمَّ إنَّهُ سَافر عن بَغْدَادَ في سَنَة ثَلاثٍ وأرْبَعين، ودَخَلَ هَمَذَان، وأقام بها سِنِينَ يتفَقَّهُ على مَذْهَب أبي حَنِيْفَة (a) على سَعْد الرَّازِيّ بمَدْرَسَةِ السُّلْطان طُغْرِل، ثمّ إنَّ وَالدَهُ (b) حَجَّ في سَنَة أرْبَعٍ وأرْبَعين فماتَ في الطَّريق، فلمَّا بَلَغَهُ خَبَرُه عاد إلى بَغْدَاد وأقام بها مُدَيْدَة.
ثُمَّ تَوَجَّهَ إلى الشَّام، واتَّصَل بالمَلِك عِزّ الدِّين فَرُّخْ شَاه بن أَيُّوب (c)، أخي صَلاح الدِّين مَلِك الشَّامِ ومِصْر، ونال منه مَنْزِلةً رَفِيعةً واسْتَوْزَرَهُ، فلمَّا تُوفِّي فَرُّخْ شَاه اتَّصَل بأخيه تَقِيّ الدِّين عُمر صَاحِب حَمَاة، واخْتصَّ به، ودَخَلَ ديار مِصْر، ورَأى من الجاهِ والتَّعْظِيم ما لَم يَرَهُ أحدٌ، وكَثُرت أمْوَالهُ، ثمّ إنَّهُ سَكَنَ في آخر عُمْرِه بدِمَشْقَ إلى حين وَفَاته، وكان المَلِكُ المُعَظَّم عِيسَى ابن المَلِك العادِل أبي بَكْر بن أَيُّوب صَاحِب دِمَشْق يَقْرأ عليه الأدَب ويَقْصدُه في مَنزله، ويُعَظِّمه ويُبَجِّلُه.
رَحَلْتُ إليه قَاصِدًا من مَكَّة، وكُنْتُ بها مُجَاوِرًا، وقَرآتُ عليهِ كَثِيْرًا من الحَدِيثِ والأدَب، وكان يُوَاصِلُني بما أُنْفقُه، ويَجْلِسُ لي خَاليًا للقِراءَةً عليهِ، وكانت هذه عادتُهُ في إكْرَام الغُرَبَاءَ.
_________________
(١) (a) ق: رحمة الله عليه. (b) ق: ولده. (c) أشَّر عليه ابن العديم في الأصل بكتب علامة "صـ" فوقه، لأنه أسقط اسم أبيه: شاهنشاه ونسبه تجوّزا إلى جِدِّه.
[ ٩ / ٢١٧ ]
وما رأيتُ شَيْخًا أكْمَل منه فَضْلًا، ولا أتَمَّ منه عَقْلًا ونُبلًا، وثِقَةً وصِدْقًا، وتَحْقِيقًا وتَثْبِيتًا، ورَزَانَةً، مع دَمَاثةِ أخْلَاقهِ، ولُطْف عِشْرته، وكَرَم تَوَاضُعِه، وطِيْب مُجَالسَتِه، وحُسْن نِشْوَاره.
وكان مَهِيْبًا وَقُورًا؛ أشْبَه بالوُزَرَاءِ من العُلَمَاء لجَلَالته، وعُلوِّ مَنْزِلته عند المُلُوك والأعْيَان وسَائر النَّاس.
وكان أعْلَم أهْل زَمَانه بالنَّحو، وأظُنُّه كان يَحْفظ كتابَ سِيْبَوَيْه، لأنِّي ما دَخَلْتُ عليه قَطّ إلَّا وهو في يَدِه يُطَالعُهُ، وكانت له بهِ نُسْخَة في مُجَلَّدةٍ واحدةٍ بخَطِّ الدَّقَّاق النَّحْوِيّ، دَقِيْقة الخَطّ، فكان يَرَاها بلا كُلْفَة وقد بَلَغَ التِّسْعِين، وكان قد مَتَّعَهُ الله بسَمْعِه وبَصَره وقُوَّتهِ، فكان مَلِيْح الصُّورَة طَرِيفًا، إذا تَكَلَّم ازْدَاد حَلاوة، وله النَّظْم والنَّثْر المَلِيْح والبَلَاغَة الكَامِلة.
تُوفِّي شَيْخُنا أبُو اليُمْنِ الكِنْدِيّ في ضَحْوَة نَهَار الاثْنَين سَادِس شَوَّال سَنَة ثلاث عَشْرة وسِتّمائة، ووصَلَ إلينا الخَبَرُ بذلك في ذي القَعْدَة من السَّنَةِ إلى حَلَب، ثمّ أخْبَرَنِي بوَفاتِهِ جَمَاعَة على ما ذَكَرْتُه. ودُفِنَ بجَبَل قَاسِيُون.
سَمِعْتُ أبا [عَبْد الله] (a) الحُسَين بن إبْراهيم الإرْبِلِيّ بدِمَشْق يقُول لي عَشِيَّة لَيلَة الاثنين الرَّابِعة من شهر رَبيع الآخر من سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وسِتِّمائة، قال: رأيْتُ لَيْلَة الأَحَدِ الثَّالثة من الشَّهر المَذْكُور الشَّيْخ تَاج الدِّين أبا اليُمْن الكِنْدِيّ وهو على أحْسَن هَيْئَةٍ، وقد جاءه إنْسَان يَطْلبُ منه الدُّعَاءَ لوَلَدِه، فقال قائل: وأينَ بَلَدُك (b)؟ فقال. في بَلَدِ الرُّوم، فاسْتَدَار الشَّيْخُ ﵀ إلى جِهَة الشَّمَال ودَعَا لوَلد ذلك الإنْسَانِ، فقال قائلٌ: أفْلَح جميعُ منْ في بَلَد الرُّوم بدُعَاءَ الشَّيْخ،
_________________
(١) (a) بياض في الأصل قدر كلمة، وفي ق: أبا الحسين بن إبراهيم، وتقدمت إشارة ابن العديم له في غير موضع بالكنية المثبتة، وهو شرف الدين الحسين بن إبراهيم بن الحسين الأربلي، توفي سنة ٦٥٦ هـ، انظر ترجمته في العبر للذهبي ٣: ٢٧٩. (b) كذا في الأصل، ولعل الأظهر ولدك.
[ ٩ / ٢١٨ ]
وكان هذا بعد أنْ طَرَقَ التَّتَار بلاد الرُّوم، فوقَع الصُّلْح وسَكَنت البِلادُ بعد ذلك ببلادِ الرُّوم.