وقال ابن بَنِيْن: ولقَلّ.
والمَرْءُ إنْ عَرِفَ الجَمِيْـ …
_________________
(١) لَ وَجَدْتَهُ يأتي الجَمِيلا ولرُبَّما سُئِلَ البَخيْلُ … الشَّيءَ لا يَسْوَى فَتِيْلا فيَقُول لا أجِدُ السَّبِيْلَ … إليه يَكْرَهُ أنْ يُنِيْلَا فكَذاك لا جَعَل الإلَهُ لهُ … إلى خَيْرٍ (a) سَبِيْلَا يا مُبْتَني الدَّار الّذي … هو (b) مُسْرِعٌ عنها الرَّحِيْلا إنْ لَم تُنِلْ خَيْرًا أخَا … كَ فكُن له عَبْدًا ذَلِيْلَا وتَجَنَّب الشَّهَوات واحْـ … ــذَر أنْ تكُون لها قَتِيْلا فلَرُبَّ شَهْوَة سَاعةٍ … قد أوْرَثَت حُزْنًا طَوِيْلا سَابِق بن مَحُمُود بن نَصْر بن صالِح بن مِرْدَاس بن إِدْرِيس بن نَصْر، أبو الفَضائِل الكِلَابيّ (^١) وتَمَام نَسَبه نَذْكُره في تَرْجَمَةِ جَدِّ أبيه صَالِح بن مِرْدَاس (^٢) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى، وأُمُّه بنت الملك أبي طَاهِر بن فَنَّاخُسْرُو بن بُوَيْه. مَلَكَ حَلَب في اللَّيْلة الثَّانيَة من شَوَّال سَنَة ثَمان وستّين وأرْبَعِمائة، وكان أخُوه قد قُتِلَ يَوْم عِيْد الفِطْر بعد العَصْر على ما ذَكَرناهُ في تَرْجَمَتِهِ (^٣)، وكان (a) ابن عساكر: خيره. (b) الدينوري: التي هي.
(٢) توفي بعد سنة ٤٧٣ هـ، وترجمته في: تاريخ حلب للعظيمي ٣٥١، ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ١٠٩، ابن الأثير: الكامل ٩: ٢٣٤، ١٠: ١١٥، زبدة الحلب ١: ٢٨٥ - ٣٠٢، الطباخ: إعلام النبلاء ١: ٣٠٨.
(٣) ترجمة صالح بن مرداس في الضائع من أجزاء الكتاب.
(٤) ترجمة نصر بن محمود بن نصر بن مرداس في الضائع من أجزاء الكتاب، وأورد أبو الفداء قطعة صغيرة من ترجمته نقلًا عن ابن العديم، انظر: المختصر في أخبار البشر ٢: ١٩٣، وانظر أيضًا الجزء الحادي عشر من هذا الكتاب.
[ ٩ / ٣٠٤ ]
قد فوَّض نَصْر أُمُوره إلى سَدِيد المُلْك أبي الحَسَن عليّ بن مُنْقِذ بعد عَوْده من طَرابُلُس، وفَوَّضَ إليه أُمُوره، وكان الوَزِير ابن النَّحَّاس بقَلْعَة حَلَب، وفي القَلْعَة وَالٍ يُقَال له: وَرْد، وعندهما جَمَاعَة من الخَوَّاص، فلمَّا عَلِمُوا بقَتْل نَصْر اسْتَدْعوا أخاهُ سَابِق بن مَحُمُود، وكان سَاكِنًا في العَقَبَة في الدَّار الّتي تُنْسَبُ إلى عَزِيز الدَّوْلَة فَاتِك، وكان قد شَرِبَ فيها وسَكِرَ، فحُمِلَ من العَقَبَة وهو سَكْران، ورُفِعَ من السُّور بحَبْل إلى القَلْعَة وهو سَكْران، ونادوا بشِعَاره، وأطَاعَهُ الأجْنَادُ، وأشَاروا عليه بإطْلاق أحْمَد شَاه من الاعْتِقَال؛ وكان نَصْر اعْتَقَله، فأطْلَقَهُ في الحَالِ، وخَلَعَ عليه، فنَزَلَ أحْمَد شَاه إلى العَسْكَر بالحاَضِر فسَكَّن الفِتْنَة.
واسْتَقَرَّتْ قَاعِدةُ سَابِق، ولُقِّبَ عِزّ المُلْك أبو الفَضائِل، ودَخَلَ عليهِ أبو الفِتْيَان ابن حَيُّوس، فمَدَحَهُ بقَصِيْدَتهِ الّتي أوَّلها (^١): [من الطويل]
عَلَيَّ لها أنْ أحْفَظَ العَهْدَ والوُدَّا … وإنْ لم يُفِدْ إلَّا القَطِيْعَةَ والصَّدَّا (a)
فأطْلَق له سَابِق ألف دِيْنار، وجَعَلَ له في كُلِّ شَهْرٍ ثلاثين دِيْنارًا.
وكان سَابِق من مُتَخَلِّفِي بني مِرْدَاس، وكان يَنْظم الشِّعْر، فإنَّني وَقَفْتُ في دِيْوان شِعْر ابن النَّحَّاس على أبْيَاتٍ يُخَاطب بها سَابِق بن مَحْمُود، وقد أنْشَده شِعْرًا لنَفْسِه فيه: [من الخفيف]
كُنْتَ أنْشَدْتَني مِنَ الشِّعْرِ نَظْمًا … بُحْتُريًّا يَفُوقُ لَفْظًا ومَعْنَى
ولمَّا مَلَك سَابِق، وعَرِفَ بنو كِلَاب تخلُّفه، اجْتَمَعوا إلى أخيهِ وَثَّاب، وحَسَّنُوا له أخْذَ حَلَب، وانْضَاف إليه أَخُوه شَبِيْب بن مَحْمُود، ومُبَارَك بن شِبْل؛ ابن خَالهما، فسَيَّرَ سَابِق واسْتَدْعَى أحْمَد شَاه أمير الأتْرَاك، وكان في ألْف فَارِس،
_________________
(١) (a) الديوان: والبعدا.
(٢) ديوان ابن حيُّوس ١: ١٤٤، وزبدة الحلب ١: ٢٨٦.
[ ٩ / ٣٠٥ ]
واسْتَعانَ بهِ، فأَنْفَذَ إلى رَجُل من الأتْرَاك يُعْرَفُ بمُحَمَّد بن دمْلَاج كان نَازِلًا في طَرِيق بَلَد الرُّوم في خَمْسمائة فارس، وضَمِنَ له مَالًا، فوَصَلَ ابن دمْلَاج في يَوْم الأرْبَعَاء مُستَهَلّ ذي القَعْدَة من سَنَة ثَمانٍ وسِتِّين وأربَعِمائة.
وتَحَالفُوا، وخَرَجُوا إلى وَثَّاب وبني كِلَاب في يَوْم الخَمِيْس مُسْتَهَلّ ذِي الحِجَّة، وكان بنو كِلَاب في جَمْعٍ يُقارب سَبْعِين ألف فارسٍ ورَاجِل، وكانوا بقِنَّسْرِيْن، فعندَما عَاينُوا الأتْرَاك، انْهَزَموا من غير قِتَال، وخَلَّفُوا حلَلَهم، وأمْوَالهم، ونسائهم، وأوْلَادهم (a)، فغَنِمَ أحْمَد شَاه وابنُ دمْلَاج وأصْحَابُهما جميعَ ذلك، فيُقالُ إنَّهُم أخَذُوا لهم مائةَ ألف جَمَلٍ، وأرْبَعِمائة ألف شَاةٍ، وسِبَوا من حُرَمهم الحَرَائِر، وإمَائهم وعَبِيْدهم ما لا يُحْصىِ كَثْرةً، وعَادوا بالأسْرَى إلى حَلَب، فأطْلَقهُم سَابِق، وأنْزَل أُخْته زَوْجَة مُبَارك بن شِبْل في دَارٍ وأكْرَمها.
فسَار وَثَّاب ومُبَارَك بن شِبْلِ إلى السُّلْطان مَلِك شَاه بن ألْب أَرَسْلَان، وشَكوا حالهم، وسَألوا منه أنْ يُعينَهم على سَابِق، فوَعَدَهُم وأقْطَعهِم في الشَّام، وأقْطَع الشَّام أخاه نُتُش، فسَار ومعه جُمُوع التُّرْك ووِثَّاب ومُبَارك بن شِبْل، ووَصَلَ إليه بنو كِلَاب، فنَزَلَ على حَلَب سَنَة إحْدَى وسبْعِين وأرْبَعِمائة، ووَصَلَ إليه أبو المَكَارِم مُسْلِمِ بن قُرَيْش، ونَزَل معه عليها، وكان هَوَاهُ مع سَابِق، فكان يُسَيَّر إليه بما يُقَوِّي نَفْسَه، ويُنْكِر على بني كِلَاب خلْطَتهم [بعَسْكَر التُّرْك] (b)، ودَام الحِصَار ثلاثة أشْهُر (c).
وأحَسَّ أبو المَكَارِم بتَغيُّر النّيَّة فيه، وتَحْقِيقِ التُّهْمَة بهِ من مُرَاسَلَة سَابِق وأهْل حَلَب، فاسْتَأذَن تَاجَ الدَّوْلَة في الرَّحِيْل، ورَحَل، وجَعَل رحيْلَهُ وعبُورَهُ بعَسْكَره على باب حَلَب، وبَاع أصْحَابُهُ أهْلَ حَلَب كُلَّ ما كان في عَسْكَره
_________________
(١) (a) في الأصل: وأموالهم، وهو تكرارٌ تجاوز عن إثباته ناسخ ق، والمثبت من زبدة الحلب ١: ٢٨٦. (b) ما بين الحاصرتين إضافة من زبدة الحلب ١: ٢٩٠. (c) في زبدة الحلب ١: ٢٨٩: ثلاثة أشهر وعشرين يومًا.
[ ٩ / ٣٠٦ ]
عَصَبِيَّةً وتَقْويةً لهم، وقَوَّى نفُوسَهُم ونَفْسَ سَابِق، وسَار بعد أنْ قَوِيَ أهْل حَلَب بما ابْتاعُوه من عَسْكَره بعد الضَّعْف الشَّدِيد إلى بلادِه.
ورَحَل مُعْظَم بني كِلَاب، وبَقي مع تَاج الدَّوْلةَ تُتُش من بني كِلَاب وَثَّابٌ وشَبِيْبٌ أخَوا سَابِق ومُبَارَك بن شِبْل فىِ عَدَدٍ يَسِيْر، فأشَار عليهم أبو المَكَارِم في قُرَيْشٍ بالاحْتِيَاط على أنْفُسهم أو الهَرَب إلى حَلَب، وكاتَبهم سَابِق، وَتألَّفَهُم، وقال لهم: إنَّما أَذبّ وأُحَامِي عن بلادكُم وعزِّكُم، ولو صار هذا البَلَدُ إلى تُتُش، أزالَ مُلْكَ العَرَب وذلُّوا، واسْتَوْحَشوا من الأتْرَاك، فهَرَبُوا إلى حَلَب، وصَاروا إلى سَابِق، وكَتَبَ سَابِق إلى الأَمِير أبي زَائِدَة مُحَمَّد بن زَائِدَهَ قَصِيدَةً من شِعْر وَزِيره أبىِ نَصْر بن النَّحَّاس؛ يُعَرِّفُه ما هو فيه من الضِّيْق، ويَسْألُه الإقْبَال عليهِ، والقيام بمَعُونَته، ويُحَذِّرُه من التَّخلُّف عنه، فيكُون ذلك سَبَبًا لزَوَال مُلْك العَرَب، ويَعِيْب عليه في التَّوَقُّف عنه، والقَصِيدَة (^١): [من الطويل]
دَعَوتُ لكَشْفِ الخَطْبِ والخَطْبُ مُعْضِلٌ … فَلَبَّيْتَنىِ لَمَّا دعَوْتُ مُجَاوِبَا
ووَفَّيْتَ بالعَهْدِ الّذىِ كانَ بَيْنَنا … وَفَاءَ كَرِيمٍ لَم يخُنْ قَطُّ صَاحِبَا
وما زلْتَ فَرَّاجًا لكُلِّ مُلِمَّةٍ … إذا المِحْرَبُ الصِّنْدِيْدُ ضَجَّعَ هَائبا
فشَمِّرْ لها وَانْهَضْ نُهُوضَ مُشَيَّعٍ … لَهُ غَمَرَاتٌ تَسْتَقِلُّ النَّوَائِبا
وقُلْ لكِلَابٍ: بدَّدَ اللهُ شَمْلكُمْ … أوَ يحْكُمُ ما تَتَّقُونَ المَعَايبا
أتَسْتَبْدلُونَ الذُّلَّ بالعِزِّ مَلْبَسًا … وتُمْسُونَ أذْنابًا وكُنتُمْ ذَوَائِبا
وما زلْتُمُ الآسَادَ تَفْترِسُ العِدَى … فما بالُكُمْ مَعْ هؤلاءَ ثَعَالِبَا
ثِبُوا وَثْبةً تَشْفِي الصُّدُورَ مِن الصَّدَى … ولا تُخْجِلُوا أحْسَابَنا والمَنَاقِبا
ولا بُدَّ من يَوْمٍ نُحَكِّمُ بَيْنَنَا … وبَينَ العِدَى فِيه القَنَا والقَوَاضِبَا
أرَى الثَّغْرَ رُوْحًا أنتُمُ جَسَدٌ لَهُ … إذا الرُّوْحُ زَالتْ أصْبَحَ الجِسْمُ عَاطِبَا
_________________
(١) القصيدة في زبدة الحلب ١: ٢٩١ - ٢٩٣.
[ ٩ / ٣٠٧ ]
وقَد ذُدْتُ عَنهُ طَالبًا حِفْظَ عِزِّكُمْ … إباءً ولاقَيْتُ المَنَايا الشَّوَاغبَا (a)
وها أنا لا أنْفَكُّ أَبْذُلُ في حِمَى … حِمَاكُمْ مُجِدًّا مُهْجَتي والرَّغَائِبا
أأَذخَرُ مالي عنكُمُ وذَخَائِري … إذًا بِتُّ عَن طُرْقِ المَكَارِم عَازِبَا
شَكَرْتُ صَنِيعَ ابنِ المُسَيَّبِ إذ أَتَى … يَجُرُّ مَغَاويرًا تَسُدُّ السَّبَاسِبَا
منها:
أيا رَاكِبًا يَطْوِي الفَلَاةَ بجَسْرَةٍ … هَمَلَّعَةٍ لُقِّيْتَ رُشْدَكَ رَاكِبا
ألَا ابْلغْ وأبا الرَّيَّان عنِّي ألُوكَةً … تُزيحُ مِنَ الإيْلَافِ ما كانَ وَاجِبَا
أخًا شَخْصُهُ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ حَاضِرًا … تُمثِلُهُ عَيْني وإنْ كانَ غَائِبَا
مَتَى تَجْمَعُ الأيَّامُ بَيْني وَبينَهُ … أَشُدُّ علَيهِ ما حَيِيْتُ الرَّوَاجِبَا
وأَهْدِ إلى شِبْلٍ سَلَامي وقُلْ لَهُ: … لَكَ الخَيْرُ دَعْ ما قَدْ تَقَدَّمَ جَانبِا
فَتِلكَ حُقُودٌ لو تَكَلَّمَ صَامِتٌ … لجاَءَ إليها الدَّهْرُ مِنْهُنَّ تَائِبَا
وقَد أمكَنَتْكُمْ فُرْصَةٌ فانْهَضُوا لَها … عِجَالًا وإلَّا أعْوَزَ الدُّرُّ جَالِبا
فإنِّي رَأيْتُ المَوْتَ أجْمَلَ بالفَتَى … وأهْوَنَ أنْ يلقَى المَنَايا مُجَاوِبَا
وكان قد بَلَغَ سَابِقًا أنَّ أميرًا من أُمَرَاء خُرَاسَان يُقال له تَركُمان (b) التُّرْكِيّ، قد توجَّهَ مُنْجِدًا تَاج الدَّوْلَة تُتُش ومعَهُ عَسْكر، فأخْرَج سَابِقٌ مَنْصُور بن كَامِل الكِلَابيّ، أحَد أُمَرَاء بني كِلَاب، من حَلَب لَيْلًا، وأعْطَاهُ كتابَهُ إلى أبي زَائِدَة، وفيه هذه الأبْيَات، ومعه بعض أصْحَاب سَابِق، ومعهم مالٌ، فاتَّفَقَ مع مَنْصُور ونائب سَابِق، وجَمَعُوا ما يَزِيد على ألف فَارِس وخَمْسِمائَة رَاجِل من بن نُمَيْر، وقُشَيْر، وكِلَاب، وعُقَيْل، بتَدْبِير أبي المكَارِم بن قُرَيْش، والْتَقوا تَرْكُمان التُّرْكِيّ (c) في أرْضِ الفَايَا، فكَبَسُوا عَسْكَرَهُ، وقَتَلُوه.
_________________
(١) (a) في زبدة الحلب: السواغبا، وهو بالشين المعجمة اسم للمنية. انظر: لسان العرب، مادة: شعب. (b) جوَّده المؤلف بفتح أوله في غير هذا الموضع. (c) ق: التركماني.
[ ٩ / ٣٠٨ ]
وبلغَ ذلك تَاج الدَّوْلَة تُتُش، فرَحَلَ عن حَلَب إلى الفُرَات، وشَتَّى بدِيَار بَكْر، ثُمَّ عادَ إِلى حَلَب، وافْتَتَح مَنْبج في طَرِيْقهِ وبُزَاعَا وعَزَاز، وصبَّح حَلَب صبَاحًا، فَخَرَج عَسْكَر حَلَب، فالْتَقَوا على الخناقِيَّة (^١)، وانْهَزَم عَسْكَر تُتُش بغير قِتَالٍ.
وكان أبو زَائِدَة وابن عَمّه شِبْل بن جَامِع بن زَائِدَة في قَدْر خَمْسِين فَارِسًا مُقَابلهم، فَحَمَلُوا عليه، واتَّفقتْ هَزِيمَتهم فقَتلُوا من الغُزِّ جَمَاعَةً وغَنِمُوا، وتقدَّم مُحَمَّد بن زَائدَة إلى الشّيْخ أبىِ نَصْر منْصُور بن تميْم السَّرْمِيْنِيّ المعرُوف بابنِ زَنْكَل أنْ يُجِيْبَ أَبا الفَضائِل سَابِق بن محمود عن القَصِيدَة الّتي أنْفَذَها إليه، ويُعَرِّفه ما لبني كِلاب من الأيَّام المَعْرُوفة، ويَذْكر هذه الوَقَائِع، فعَمِل (^٢): [من الطويل]
دَعَوْتَ مجُيْبًا نَاصِحًا لكَ مُحْلِصًا … يَرَى ذاكَ فَرْضًا لا مَحَالَةَ وَاجِبَا
فلَبَّيتُ لا مُسْتَنْكِفًا جَزِعًا ولا … هِدَانًا إذا خَاضَ الكَرِيهةَ هَائبِا
قال فيها في ذِكْر هذه الوَقَائِع:
ولمَّا دَعَاني المُدْرِكيُّ ابنُ صَالِحٍ … شَقَقْتُ ولَم أرْهَبْ إليَهِ الكَرَائِبا
أسَابِقُ صَرْفَ الدَّهْرِ في نَصْرِ سَابِقٍ … إلى تَرْكُمانِ التركِ أُزْجِي النَّجَائِبا
فلمَّا الْتَقَيْنَاهُم غَدَا البَعْضُ سَالِبًا … لأنْفُسِهِمْ والبَعْضُ للمَالِ نَاهِبَا
فيا لَكَ مِن يَوْمٍ سَعيدٍ بِيُمْنِهِ … عَنٍ الثَّغْرِ أضْحَىِ عَسْكَرُ الضِّدِّ هَارِبَا
وَكانَ يَرَى في كَفِّهِ الشَّامَ حَاصِلًا … ويوْمَ بُزَاعَا ردَّ ما ظَنَّ خَائِبَا
_________________
(١) الخنَّاقيَّة: كانت من متنزهات حلب التي يخرج إليها من باب حلب، ويجري أسفلها نهر قويق حسبما ذكر ابن العديم في زبدة الحلب ١: ٢٩٥، وانظر: الدر المنتخب لابن الشحنة ٢٥٦، وهي اليوم من أحياء حلب بقرب حي السريان، يقال في تسميتها بهذا الاسم أن سببه لأن كثيرين دخلوها فاختنقوا، الأسدي: أحياء حلب ١٩٤ - ١٩٦.
(٢) انظر القصيدة في زبدة الحلب ١: ١٩٦ - ٣٩٧، وفيها زيادة بيت على المدرج هنا.
[ ٩ / ٣٠٩ ]
وفي يَوْم خُنَّاقِيَّةٍ قَدْ خَنَقْتُهُمْ … بِعِثْيَرِ (a) ذُلٍّ رَدَّ ذا الشَّرْخَ شَائبِا
عَطَفْتُ لَهُم إذْ خَامَ مَنْ خَامَ مِنهُمُ … بفِتْيَانَ كالعقْبانِ شَامَتْ تَوالِبَا
فَلِلّهِ قَوْمي الصَّادرُونَ لَوِ انثنَوا (b) … مَعِيْ أو فَرِيق كُنْتُ لِلجمْع نَاكِبَا
فوَلَّوْا وقُضْبانُ المَخَافَةِ فيهِمُ … مُسَابِقَةٌ أرْمَاحَنا والقَوَاضِبَا
فكَمْ فَارِسٍ منهُمْ تَرَكْنا مُجَدَّلًا … يُبَاشِرُ تُرْبُ القاعِ منهُ التَّرَائبا
وإذْ أَيْقَنُوا أنْ ليسَ لِلكَسْرِ جَابِرٌ … تَوَلَّوا وَعَنْ جِبْرِينَ حَثُّوا الرَّكَائِبا
وخَلَّوْا بها كَسْبًا حوَوْهُ وأبْصَرُوا … سَلامَتَهُمْ منَّا أجَلَّ مكَاسِبَا
ورَحَل تَاجُ الدَّوْلَةِ تُتُش من جِبْرِين، وكان نَازِلًا بعَسْكَره عليها إلى دِمشق. ولمَّا جَرَى هذا الحادثُ، طَمعَ شَرَفُ الدَّوْلَة أبو المَكَارِمِ مُسْلِم بن قُرَيْش في الشَّام، وكَاتَبهُ سَابِق بن مَحْمُود يَبْذُل له تَسْليم حَلَب إليهِ، ووفَدت عليه بنو كِلَاب بأَسرْها، فتَوَجَّه إلى حَلَب، ونَزَل عليها في السَّادِس عَشر من ذِي الحِجَّة من سَنَة اثْنَتَيْن وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فغُلِّقت أبْوَابُها في وَجْههِ، وكان عند سَابِق أخَواهُ شَبِيْب ووَثَّاب بحَلَب، فلم يُمَكِّناهُ من التَّسْلِيم، فلم يُقَاتلها، وأهْلها يَحْرصُون على التَّسْلِيم إليه لِمَا هُم فيه من الجُوع وعَدَم القُوْت، وسَلَّم البَلَد إليه وَلد الشَّريف الحُتَيْتيّ (c)، على ما نَذْكرهُ في ش تَرْجَمَةِ أبي المَكَارِم مُسْلِم بن قُرَيشْ (^١)، فانْحَازَ سَابِق إلى القَلْعَة، وأخواهُ شَبِيب ووثَّاب في القَمْر لضِيْق القَلْعَة، وحَصَر (d) أبو المَكَارِم القَلْعَة إلى أنْ دَبَّر شَبِيْب ووَثَّاب وهُما في القَصْر على سَابِق، وقَفَزا في القَلْعَة، وصَاحَ الأجْنَاد بها: شَبِيْب يا مَنْصُور، وقُبِضَ سَابِق وحُبِسَ، وتَسَلَّم
_________________
(١) (a) ق: تعثير. (b) ق: أثبتوا. (c) ق: الحبتي. (d) ق: وحضر.
(٢) ترجمة مسلم بن قريش في الضائع من أجزاء الكتاب.
[ ٩ / ٣١٠ ]
شَبِيْب ما كان بها من المالِ، وسَفَرَ سَدِيد الملك ابن مُنْقِذ بين مُسْلِم بن قُرَيْشْ وبين شَبِيْب إلى أنْ تَسَلَّم القَلْعَة في شهر رَبِيع الآخر من سَنَة ثَلاثٍ وسَبعِين وأرْبَعِمائة، وانْقَضَى أمْرُ سَابِق بعد حِصَار القَلْعَة أرْبَعة أشْهُر، وانْقَضَت دَولة آلِ مِرْدَاس.
دَفَعَ إليَّ القَاضِي أبو مُحَمَّد بن الخشَّاب جُزْءًا بخَطِّه، وذَكَرَ لي أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة في ذِكْر مُلُوك حَلَب، وكَتَبَ إلينا المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ الطُّوْسيّ، عن أبي الحَسَن، قال بعد ذِكْر نَصْر بن مَحْمُود وقتله بِظَاهِر حَلَب ثَاني عِيْد الفِطْر من سَنَة ثَمانٍ وِسِتِّين: [ومَلَك] (a) بَعْدَهُ (b) أخُوه سَابِق بن مَحْمُود؛ أقامَ أرْبَع سِنين، وسَلَّم البَلَد إلى شَرف الدَّوْلَة أبي المَكَارِم مُسلم بن قُرَيْش العُقَيْلِيّ سَنَة اثْنَتَيْن وسَبْعِينِ وأرْبَعِمائة؛ يُريد: البَلَد دون القَلْعَة.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد الله العُظَيْميّ (^١)، وأنْبَأنَا به أبو اليُمْن الكِنْدِيّ وغيره عنه، قال: سَنَة ثَمان وسِتِّيِن وأرْبَعِمائة فيها قُتِلَ نَصْر بن مَحْمُود صَاحِب حَلَب يَوم الأَحَد، يَوْم عِيْد الفِطْر، وجَلَسَ سَابِق بن مَحْمُود مَكانَهُ.
قال (^٢): وفي هذه السَّنَة -يعني: سَنَة اثنتَيْن وسَبْعِين وأرْبَعِمائة- وَصَلَ شَرَف الدَّوْلَة إلى حَلَب وتسلَّمها منِ سَابِق بن مَحْمُود، وامْتَنَعت القَلْعَهُ عليه، وكان بالقَلْعَة سَابِق وأخُوه شَبِيْب، فقَبَض شَبِيْب على سَابِق يَوْم السَّبْت ثَاني عَشر صَفَر، وتولَّى الأمْر بنَفْسه يَوْمًا واحدًا، ثمّ عاد سَابِق فقبضَ على أخيهِ شَبِيْب وتولَّى الأمر كان أوَّلًا، وبَقِي الحِصَار أرْبَعة أشْهُر، ثُمَّ سَلَّم القَلْعَةَ سَابِق إلى
_________________
(١) (a) إضافة ليتَّسق الكلام. (b) ق: بعد.
(٢) نقل ابن العديم هذا النص والنصوص التي تليه من كتاب العظيمي المسمَّى: المُؤصَّل على الأصل المُوَصَّل، وهو كتاب لم يصلنا، وانظر بعض كلامه في كابه المختصر: تاريخ حلب ٣٤٩.
(٣) انظر التعليق قبله، وبعض كلام العظيمي ملخصًا في كتابه: تاريخ حلب ٣٥٠ - ٣٥١.
[ ٩ / ٣١١ ]
شَرَف الدَّوْلَة يَوْم الأَحَد عَاشِر رَبيع الآخر، وقيل: جُمَادَى الآخر، وهو الأصَحُّ؛ يعني: من سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة.
نَقَلْتُ من خَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليِّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخه، قال: وأقام نَصْرٌ مَالِكًا إلى سَنَة ثَمانٍ وسِتّين، فلمَّا كان يوْم عِيْد الأضْحَى، عيًّدَ وخَرَجَ العَصْرَ لينهَبَ الأتْرَاك: ابن خَان وأَصْحَابه، ويأخُذ نسَاءَهُم فإنَّهُ قال: نُريد الوُجُوه المِلَاح، فضَرَبهُ واحِدٌ فقَتَلَهُ، واخْتَبَطَت حَلَبُ، وقُفِلَتْ أبْوَابُها، وقُفِلَ باب القَلْعَة، فجاء الأَمِير أبو الحَسَن سَدِيد المُلْك، وكان قد نَزَل لمَّا مَاتَ مَحْمُود، وقال له نَصْرٌ: ما يَرُبُّ هذه الدَّوْلَةَ غيرك، فلمَّا قُتِلَ نَصْر لَم يَجْسُر أنْ يَذْكُرَ للوَزِير ابن النَّحَّاس، وكان صَدِيْقَهُ، ذلك ظَاِهرًا، فقال له وهو في القَلْعَة من تحت السُّور: الأَمِير نصْر سَالِم تُحبّ، ولكن سَألتَني عن شيء قبل خُرُوجي وهو: القَيْل فَاد (a)، معناهُ: القَيْل: المَلِك، وفَاد: ماتَ.
فاحْتَفَظَ ابنُ النَّحَّاس من القَلْعَةِ، وأجْلَسُوا بعدَهُ أخاهُ سَابقًا، وكان سَابِق -كما قيل لي- من أحْسَن النَّاسِ مُحاضَرَةً، وأصْبَحهم وَجْهًا، وأَسْواهم فعْلًا في نفسهِ وأفْعَالِهِ.
حدَّثني مَوْلاي ﵀، قال: من طَرِيف عَملهِ أنَّهُ مَدَحَهُ الشَّرِيفُ أبو المجد بثلاثِ قَصَائِد، فتأخًّرت الجَائِزَة، فكَتَبَ إليه، وقد ضَاع له دَنَانِيْر ثُمَّ وَجَدَها: [من الكامل]
قُلْ للأمِيْر أبي الفَضائِل سَابِق … قَوْلًا يَفُوهُ بهِ لسَانُ النَّاطِقِ
بحَقِّ مَنْ رَدَّ الدَّنَانِيْر الّتي … ضَاعَتْ بتَقْدِير الإلَهِ الخاَلِقِ
ارْدُدْ عليَّ مَدَائِحًا أنْشَدْتُها … ذَهَبَتْ لدَيْك ذَهَابَ خُلَّبٍ بَارِقِ
_________________
(١) (a) ق: القيل فاذ.
[ ٩ / ٣١٢ ]
قال: فأَنْفَذَ له قَصِيدَةً وكَتَبَ إليه على ظَهْرها: نحنُ نَسْألُ عن الباقي ونُنْفذه إليك.
وأقَامَ بحَلَب مُسْتَضْعَفًا يُغِيرُ بنوِ كِلَاب على باب حَلَب، تأخُذُ منه الغَسَّالَات والقَوَافِل، ولا يَخْرُج أحَدٌ إلَّا بخِفَارة، ولا يَدْخُلُ إلَّا كذلك.
والأمِيرُ سَدِيدُ المُلْك مُقِيم بالجِسْر لعِلْمه أنَّ الدَّاءَ قد أعْضَل، قال: فاشْتَغَل عنهم بحِصْنه وبَلَدِه كَفَرْ طَاب، يَشْتُو بالجِسْرِ، ويُصِيِّف بكَفَرْ طَاب، إلى أنْ غُلِبَ سَابِق، واسْتَحْكم يَأسُه، أنْفَذَ إليه وقال: أشْتَهِي أنْ تَحْضُر تفصِل بيني وبين إخْوَتي، وما قد دَهِمَنا من شَرَف الدَّوْلَةِ، فَمضَى حينئذٍ وقد أمنَ غَائلتَهُم.
وقال: سَنَة ثَلاثٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، فيها تَسَلَّم شَرَف الدَّوْلَة قلعَة حَلَب، شَهْر رَبي الآخر، ولَم يكُن فيها ما يُؤْكَل.
قلتُ: انْقَطَع ذكر سَابِق بعد أخْذ حَلَب منه، فلَم نَقَع له على ذِكْرٍ ولا خَبَرٍ، والظَّاهِرُ أنَّهُ لم تَطُل مُدَّتُه، وأنَّهُ تُوفِّي بعد ذلك بقليلٍ.