وَلِيَ المِصِّيْصَة في أيَّامِ المَهْدِيّ، وكان من الشُّجْعَان المَذْكُورين في الحَرْب، وأُولي الآرَاء والغَنَاء، ولَم يَزَل سَاكِنًا في الثُّغُور، مُجَاهِدًا فِي سَبِيْل اللّه، وكان مَخْلَد بن الحُسَين، وأبو إسْحَاق الفَزَارِيّ يَعْتَمدان عليه، وله خَبَرٌ مع الرَّشِيْد في الغَزَاة الّتي غَزَاها وهو خَلِيفَة.
ذَكَرَ أبو بَكْر أحْمَد بن يَحْيَى البَلاذُرِيّ في كتاب البُلْدان (^٣)، قال: ولَم تَزَل الطَّوَالِعُ تَأتِيها - يعني المِصِّيْصَة - من أنْطَاكِيَة في كُلِّ عامٍ، حتَّى وَلِيَها سَالِم البُرْنُسِيّ (a)، وفَرَضَ معه لخَمْسِمائة (b) مُقَاتِل على خَاصَّةِ عَشرة دَنَانِيْر، عَشرة دَنَانِيْر، فكَثُرَ مَنْ بها وقَوُوا، وذلك في خِلَافَة المَهْدِيّ رَحْمَةُ اللّهِ عليه.
وذَكَرَ أبو مُوسَى هَارُون بن مُحَمَّد بن إسْحَاق بن عِيسَى الهاشِمِيّ في كتاب النَّسَب (^٤)، وقَرَأتُه في كتابهِ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن حَمّاد المِصِّيْصيّ، مَولَى المَهْدِيّ، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن عُثْمان بن زِيَاد المِصِّيْصيّ، عن أَبيهِ، قال: خَرَجْنا مع أَمِير المُؤْمنِيْن رِضْوَانُ اللّه عليه غُزَاةً من المِصِّيْصَةِ، فلمَّا صرْنا في غُمارِ عَسْكَره كان
_________________
(١) (a) البلاذري: البرلسيّ. (b) الأصل: بخمسمائة.
(٢) تاريخ ابن عساكر ٢٠: ٩٠.
(٣) ترجمته في: تاريخ خليفة ٤٣٧، ٤٦٣، والبلاذري: فتوح البلدان ٢٢٨، المسعودي: التنبيه والإشراف ١٨٩، ونسبه البَلاذريّ والمسعودي: البُرلُّسيّ، وهي نسبة إلى بُرلُّس: البلدة المصرية الساحلية قرب الإسكندرية. ونسبة ابن العديم إلى البُرْنُس، القبيلة البَربريّة، واللافت أن يُضيف له لقب السِّندي!.
(٤) فتوح البلدان ٢٢٨.
(٥) عنوانه: كتاب نسب بني العبَّاس، انظر التعريف بالكتاب ومؤلفه في الجزء الأوّل.
[ ٩ / ٤٣٣ ]
يبْلغُه اخْتِلاطُنا بالجُنْد ومُنَازَعتُنَا إيَّاهُم في المَنَازِل، فعَزَلَ عَسْكَرَنا من عَسْكَره، وعَرَضَنا، فبَلَغ أهْلُ المِصِّيْصَة ومَنْ ضَوى إليهِم ألْفَين وثَمانمائة ونَيِّفًا على السَّبْعين، وبَلَغَ أهْلُ أذَنَة ثَمانمائة ونَيِّفًا على الثَّمانيْن، وبَلَغ أهْلُ طَرَسُوس ألْفًا وسِتِّمَائة ونَيِّفًا وأرْبَعين، فعَزَلَنا من عَسْكَره، ونَزَلنا طُوَانَة، وأقَمْنا بها ثلاثة أيَّام حتَّى صَار إليه عُيُونُه، فأخْبَرُوه خَبَرَ الطَّاغِيَة، وأنَّهُ لا جَمْعَ له، فسِرْنا حتَّى انْتَهَينا إلى أَدَرُوليَة، فأقَمْنا بمَرْج أَدرُوليَة أرْبَعَ ليالٍ، والرَّشِيْد لا يَسْتَشِير أحَدًا من أهْل الثُّغُور، وفَتَحْنا ثلاثةً وعِشْرين حِصْنًا من حُصُون العَدُوّ، وذلك أنَّ الطَّاغِيَة وجّهَ إلى البَطَارِقة الّذين في ناحية الضَّوَاحِي فجَمَعَهُم ورِجَالهم، حتَّى عَسْكَروا على خَلِيْج القُسْطَنْطِينِيّة، والنَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ أنَّ الطَّاغِيَة يُرِيد لقاءَ هارُون.
وعَزَم أَمِيرِ المُؤْمنِيْن على لقاءِ الطَّاغِيَة حيث كان (^١)، فتوجَّهَ من أَدَرُوليَة حتَّى دَخَل القُفْلِ، والقُفْلُ شعْبٌ مَسِيْرته أرْبَعَةُ أمْيَالٍ، ثُمَّ يُفْضِي إلى مَرْجٍ رَحبٍ فَسِيْح، يَلِيهِ خَلِيْج قُسْطَنْطِينِيَّة، فنَزَلَ على نَهْرٍ عظيم كَثِير الماءِ، والعَدُوّ نُزُول على ذلك النَّهْر، فكَتَبَ الطَّاغِيَةُ إلى بَطَارقَتَه أنْ أَنْزلُوا القُفْلَ، ولتكُن الرَّجَّالَةُ مُنتظِمَةً حتَّى تَمْلأ القُفْل، والخَيْلُ على بابِ الشّعْب ممَّا يَلي عَسْكر أمِير المُؤمنِين وخَارِج القُفْل، والعَدُوُّ يَحُول بين المُسْلمِيْنَ وبين أَنْ يَنَالُوا شَيئًا من العُلُوفَة، وقد ضَيَّق على المُسْلِمِيْنَ غاية التَّضييْق وليسَ لهم مَلْجأٌ ولا مَسْلَكٌ.
فلَّمَا اشْتَدَّ بالمُسْلِمِيْن ما هم فيه من الجَهْد، كَتَبَ أَميرُ المُؤْمنِيْن كِتَابًا إلى الطَّاغِيَةِ لَطْلبُ المُهَادَنَة، وبَذَلَ له كُلّ أَسِير وأَسِيْرة، وأنَّهُ يَبْنِي ما هُدِمَ من الحُصُون الّتي خرَّبها فِي مَسِيْره، فأبَى عليه. واشْتَدَّت شَوْكَة العَدُوّ، وطَمِعُوا كُلّ مَطْمَعٍ، وضعُفَتْ خُيُول المُسْلِمِيْن، ونَخَبَتْ قُلُوبهم.
_________________
(١) خبر الرشيد في غزوة الروم هذه، وإعماله الحيلة بمشورة إبْرَاهِيم الفزاري ومخلد بن الحَسَن، أوردها المسعودي والحميريّ، وذكرا بدل أدرولية: هرقلة، وأوردا حيلة أخرى غير هذه. انظر مروج الذَّهب ٢: ٥٦ - ٥٧، الروض المعطار ٥٩٣.
[ ٩ / ٤٣٤ ]
فلمَّا رَأى الرَّشِيْد ذلك، فَزع إلى الأشْيَاخ من أهْلِ الثُّغُور، فجَمَع إبْراهيم بن مُحَمَّد الفَزَارِيّ، ومَخْلَد بن الحُسَين، ولَم يكُن في أيَّامهما لهما نَظِيرُ في الدِّيانَة والفَضْل والعِلْم، فقال له إبْراهيم بن مُحَمَّد: يا أَمِير المُؤمنِيْن، خَلَّفْتَ الرَّأيَ خَلْفَ القُفْل، ولكُلِّ مَقَامٍ مَقَال، ومَخْلَد يَصِير إلى أَمِير المُؤمنِيْن (a)، وتَفرَّق القَوْم على ذلك، فلمَّا كان في اللّيْل صار أَمِير المُؤْمنِيْن إلى مَحْلَد بن الحُسَين مُعَظِّمًا له، وكان مَخْلَد من عُقَلَاءِ الرِّجَال، فقال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، أصِير إليكَ في لَيْلَتَنا إنْ شَاءَ اللهُ، ومَضَى مَخْلَدٌ إلى إبْراهِيم بن مُحَمَّد الفَزَارِيّ فأرْسَلا إلى سَالِم البُرْنُسِيّ؛ من أَشْجَعِ أهْلِ زَمَانِهِ من السِّنْد، فَخَلَيَا به، واسْتَعلمَا ما عنده من الرَّأي، فأعْلَمَهُم أنَّهُ لا يَجْتَمع معهما عند أَمِير المُؤْمنِيْن، وأنَّهُ يَحْتاجُ إلى ما كان في خَزَائن أَمير المُؤْمنِيْن من كُسْوَة وطيْبٍ وطَعَامٍ ومالٍ، وأنَّهُ يَحْتاجُ أنْ يُظْهِرَ العِصْيَان والمُحَارَبة هو وأهْل الثُّغُور لأَمِير المُؤْمنِيْن ولأصْحَابهِ، فما كان عند أَمِير المُؤْمنِيْن من عدة (b)، وأنَّهُ يَحْمل أصْحَابَهُ على صِدْق المُحَارَبة.
فَمضَى مَخْلَد بن الحُسَين إلى أَمِير المُؤْمنِيْن بذلك، فأجابَهُ إلى ما سَأل، ودَفَعَ إليهِ ما أرَاد، وبَاكَر سَالِم القِتَالَ، واعْتَزل أهْل الثُّغُور عن قُرب أَمِير المُؤْمنِيْنِ، وتَلَاحم القَوْم بينهم الحَرْب، وعُرْقبَت (c) دَوَابّ، وخُرِّقَتْ مَضَارب، وزَحَفَ سَالِم البُرْنُسِيّ بمَن مَعَهُ من أهْلِ الثُّغُور، حتَّى نَزَل بالقُرْبٍ من مُعَسْكر الرُّوم، وبَعَثَ يَطْلبُ منهم الأمَانَ، ويُطْمِعُهُم في أَمِير المُؤْمنِيْن ومَن مَعَهُ، وفي كُلِّ ذلك تَجئ الرُّسُلُ إلى سَالِم يَسْألُونَهُ الرُّجُوع إلى أَمِير المُؤْمنِيْن، وتُحْمل إليه الجَوَائِز والخلَع، فكُلّ ذلك يردُّها، وبَطَارِقَة الطَّاغِيَة ورُؤساؤهم يَنْظرُونَ إلى ذلك.
_________________
(١) (a) النص فيه اضطراب ونقص بيِّنٌ. (b) كذا في الأصل، وفوقه "صـ". (c) في الأصل: "وغُرقتْ" وفوقها "صـ"، وصوَّبه المؤلف في الهامش بالمثبت.
[ ٩ / ٤٣٥ ]
وكَتَبَ إلى البَطَارِقَة كِتَابًا وألْطَفَهُم، ووَجَّه إليهم بمالٍ وكُسًا وطِيْب، ودَعَاهم إلى طَعَامِهِ في مَضْربهِ، فأجَابَهُ العَدُوُّ، ووَجَّهَت البَطَارِقَة بكتابهِ إلى الطَّاغِية، فكَتَبَ إليهم أنْ يَقْبلُوا من سَالِم ولا يَعْرضُوا له إلَّا بسَبِيل خَيْر، ولا لأحدٍ ممَّن تبعَهُ، فإنَّهُم أهْلُ الثُّغُور ورِجَال الحَرْب، صُبُرٌ عندَ اللِّقَاء، وشَوْكَتُهُم الشَّوْكَةُ الصَّعْبَةُ، فآنَسوه وآنَسَهم، وحَلَفَ لهم وحَلَفُوا له، وقال: إنَّ في أصْحَابي مَنْ لا أَثِق بهِ، لحَدَاثَة سِنِّه وقِلَّة حُنْكَته، وفي أصحَابكُم كذلك، فقالوا: نَعَم، فقال: تكُون طَائِفَة مكان كذا، وطَائِفَة مكان كذا.
فرتَّب سَالِمٌ أصْحَابَهُ في الدَّرْب كُلِّه، وصَارَ في يَديهِ وأيْدِي المُسْلمِيْن، وتَميلُ طَائِفَةٌ على سَاقة سَالِم، فقُتِلَ من المُسْلِميْن ثلاثة نَفَر، وأخَذَ العَدُوّ من ثِقْلة سَالِم بَعْضَها، ويَمِيل سَالِم بمَن معَهُ من أهْلِ الثُّغُور على العَدُوّ، فقُتِلَ من العَدُوّ نَيِّفٌ على سَبْعِين ألف رَجُل، وأُسِرَ من العَدُوّ زُهَاء ثلاثين ألفًا، وغَنِمَ المُسْلمُونَ من الدَّوَابِّ والبِغَالِ والدُّرُوع والسُّيُوف ما لا يُحْصَى، ونادَتْ رِجَال من النَّصْرانِيَّةِ بسَالِم: يا سَالِم، ارْحَم النَّصْرانِيَّة، ابْق منهم بَقِيَّة! فجَمَعَ الغَنائِم وأجازَها الجَبَل، وضَرَبَ القِبَاب لأَمِير المؤمنِيْن رَحْمَةُ الله عليه، ونَضَّد جِيَفَ القَتْلَى على الطَّريق يُمْنَةً ويُسْرةً، واسْتَنْقَذَ ما كان من عَطَايَاهُ للبَطَارِقَة، ووجَّه إلى أَمِير المُؤْمنِيْن فأقْبَل، وحَلَفَ سَالِمٌ لا يَرْكَب ولا يُفَارق ركابَ أَمِير المُؤْمنِيْن حتَّى يُجِيْزَهُ الدَّرْبَ، فلمَّا نزل المُسْلمُونَ مَنْزِلَهُم أمرَ أَمِير المُؤْمنِيْن بضَرْب أعْنَاقِ الأُسَارَى، فلم يَسْتَبق منهم أحدًا، ولم يَمُرّ أَمِير المُؤْمنِيْن بحِصْنٍ إلَّا فَتَحَهُ اللهُ عليه حتَّى قَدِمَ المَأمَن.
[ ٩ / ٤٣٦ ]