وأبوه مُسْتَفَاد أحَد غِلْمَان سَيْف الدَّوْلَة أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن حَمْدَان.
_________________
(١) (a) ق: ﵁. ولم أهتد لتخريجه. (b) إضافة على مقتضى السياق.
(٢) توفي سنة ٤٢٥ هـ، وترجمته في: تاريخ حلب للعظيمي ٣٢٦، ٣٣١، زبدة الحلب ١: ١٨٣ - ٢١٣.
[ ٩ / ٤١٢ ]
وسَالِم أحد الأعْيَان المُمَدَّحين والقُوَّاد المَشْهُورين، ودَاره بحَلَب بالزَّجَّاجِين شَرْقِي المَدْرسَة، وإليه تُنْسَبُ الحَمَّام إلى جَانبها المَعْرُوفة بَحَمَّام ابن مُسْتَفَاد وهي دَاثِرَة، ودَاره المَذْكُورَة هي الدَّار المَعْرُوفة بدار ابن الرُّوميّ وهو مُسَاوِر بن مُحَمَّد الرُّوميّ مَمْدُوح المُتَنَبِّي.
وكان صالح بن مِرْدَاس نَزَلَ على حَلَب وحَصَرها وبها سَدِيد المُلْك أبو الحَارِث ثُعْبَان بن مُحَمَّد بن ثُعْبَان في القَصْر الّذي كان مُلَاصِقًا القَلْعَة، وفي القَلْعَة مَوْصُوف الخَادِم الصَّقْلَبِيّ، وهُما في حَلَب من قِبَل الظَّاهر ابن الحاكِم، فوَقَع بين سَالِم بن مُسْتَفَاد وبين مَوْصُوف خَلْف، وكان سَالِم مُتَمكِّنًا بحَلَب، وللحَلَبيِّيْن إليهِ مَيْلٌ، فعَزَمَ مَوْصُوف على قَتْل سَالِم، فجَمَع سَالِم جَمْعًا من الحَلَبِيِّين، وفَتَحَ باب قِنَّسْرِيْن، وخَرَجَ إلى صَالح فأخَذَ منه أمانًا لنَفْسِه ولأهْل حَلَب، وسَلَّم المَدِينَة إلى صالح يَوْم السَّبْت لثلاث عَشرة لَيْلَة خَلَتْ من ذي القَعْدَة من سَنَة خَمْس عَشرة وأرْبَعِمائة.
واحْتَمَى ثُعْبَان في القَصْر ومَوْصُوف في القَلْعَة، ونُصِبَت العَرَّادَات والمِنْجَنِيْقات عليهما، ووَلَّى صالح سَالمًا حلَب وجَعَل إليه الرِّئَاسَة بها، وتَقْدِمَة الأَحْدَاث، ورَتَّبه، وكَاتَبه سُليْمان بن طَوْق على قِتَال القَلْعَة والقَصْر، وسَار صالح إلى قِتَال أَنُوشْتِكِيْن الدِّزْبِرِيّ، فقَلَّ الماء بالقَلْعَة، وعَمَل عليها رَجُل أسود يُعْرْفُ بأبي جُمْعَة، وكان عَرِيف المَصَامِدَة، وكان يَنْزل إلى المَدِينَة، ويَصْعد إلى القَلْعَة، فأفسدَهُ سَالَم بن مُسْتَفَاد وسُليْمان بن طَوْق، فلمَّا جاء أبو جُمْعَة ليَصْعَدَ إلى القَلْعَة في بعضِ الأيَّام، تقدَّمِ مَوْصُوف الخَادِم برَدّ الباب في وَجْههِ فرُدّ، فصَاحَ إلى أصْحَابه فالتَقَت المَصَامِدة والعَبِيْد ونَصَبُوا الصُّلْبان ثلاثة أيَّام، ودَعوا لملِك الرُّوم ولعنُوا الظَّاهرَ، وقَاتَلُوا القَلْعَة، ثُمَّ نَفَروا وحَمَلُوا المَصَاحِفَ على أطْرَاف الرِّمَاح في الأسْوَاق ونادوا: النَّفِيْر، ووَقَع الصَّوْت إلى الحَلَبِيِّيْن، فنَفَروا
[ ٩ / ٤١٣ ]
من كُلّ جَانب، وزَحَفُوا إلى القَلْعَة من كُلّ جَانِب، واسْتَأمَن جَمَاعَة من المَغارِبَة الّذين كانوا في القَلْعَة، وطِيْفَ بهم في المَدِينَة، وبسطَتْ ثِيَاب الدِّيْبَاج والسَّقْلَاطُون وبذر (a) المَال مُقَابل القَلْعَة، وبَذَل ذلك لمَنْ يَنْزل إلى ابن مُسْتَفَاد وابن طَوْق، فطَلعُوا إلى القَلْعَة من كُلِّ مَكان، ودَخَلَ ابن مُسْتَفَاد وابن طَوْق القَلْعَة يَوْم الأرْبَعَاء مُسْتَهَلّ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة ستّ عشرة وأرْبَعِمائة، وقُبِضَ على مَوْصُوف وثُعْبَان، وبَقِيا إلى أنْ وَصَلَ صالح وفَعَل بهما ما سَنَذكرُه فيما بَعْد إنْ شَاءَ اللّهُ تعالَى.
ودَام ابن مُسْتَفَاد في الكَرَامَة وعُلُوّ المَرْتَبة في أيَّام صَالِح وبعدَ مَوْته إلى أنْ اسْتَوْحَشَ سَالِم بن مُسْتَفَاد من شِبْل الدَّوْلَة نَصْر بن صالح في سَنَة ثَلاثٍ وعشرين وأرْبَعِمائة، فاسْتَنْفَر عليه سَالِم أحْدَاثَ حَلَب ورَعَاعَها، ولبسُوا السِّلاح، وعَوَّلُوا على مُحَارَبة القَلْعَة.
وكان يَتَردَّد بين سَالِم وبين نَصْر كَاتبٌ نَصْرَانِيٌّ يُعْرَفُ بتُوْمَا، وكان يُحَرِّف ما يَنْقلُه عن ابن مُسْتَفَادٍ إلى نَصْر، ويَزِيْد في التَّجَنِّيّ، ويَسُوْم شطَطًا لا يُمْكنُ إجَابته إليهِ، وذلك من غير عِلْم من ابن مُسْتَفَادٍ.
فلمَّا رَأى نَصْر كَثْرة تَعَدِّيهِ حَمَلَ نَفْسَهُ على مُحَارَبتهِ، ورَكِبَ إليهِ، فلمَّا رآهُ الحَلَبِيُّونَ دَعَوا وانْقَلبُوا إليهِ، وقَاتَلُوا دارَ ابن مُسْتَفَاد، فطَلَبَ الأمَان، فحَلَف له بأنَّهُ لا يَجْري له دَمًا، وحَبَسَهُ بالقَلْعَة ونُهِبَت دَارُه، ثُمَّ خافَ اسْتِبْقاءهُ فقَتَلَهُ خَنْقًا ليَخْرُج عن يَمِيْنه بأنَّهُ لَم يُجْرِ له دَمًا، وتبيَّن لنَصْر بعد قليلٍ كَذب ذلك النَّصْرانِيّ الكَاتِب، وما كان يُحَرِّفه في رِسَالته، فقَبَض عليه وطَالَبه بمالٍ، فلعَّا اسْتَصْفَى مَالَهُ، دَخَلَ عليهِ بَعْضُ أجْنَادِ القَلْعَة فخَنَقَهُ.
_________________
(١) (a) كذا في الأصل بالذال، ولعل الصواب بالمهملة: جمع بَدْرَة؛ كيس فيه مقدار محدد من المال.
[ ٩ / ٤١٤ ]
كَذا ذَكَرَهُ أبو هَمَّام بن المُهَذَّب في تَارِيْخهِ.
قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميِّ في تَاريْخه (^١)، وأخْبَرَنا به أبو اليُمْن زَيْد بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، والمُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليٍّ الطُّوْسيّ، إجازَةً من كُلِّ واحدٍ منهما، عن أبي عَبْد اللّه العُظَيْميّ، قال: سَنَة خمْسٍ وعشرين وأرْبَعِمائة، وفيها قَبَضَ نَصْرُ بن صالح على سَالِم بن المُسْتَفَادِ، وقَتَلَهُ برأي دُوْقس أنْطَاكِيَة، وكان قد عَصَى وقام أحْدَاثُ حَلَب معه، فقَبَضَ عليه يَوْم الجُمُعَة حَادِي عَشر ذي القَعْدَة، وقَتَلَهُ لَيْلَة الأَحَد، وقيل لَيْلَة الاثْنَين ثاني عَشر ذِي الحِجَّة من السَّنَةِ.