صَحِبَهُ إلى الشَّامِ، ودَخَلَ معَهُ المواضع الّتي دَخَلها من الشَّام، وسَاحَ فيها، وقد دَخَل ذُو النُّون مَنْبج وجَبَل اللُّكَام.
حَكَى عن ذي النُّون، ورَوَى عنهُ يَعْقُوب بن نَصْر الفَسَوِيّ، ومُحَمَّد بن أحْمَد بن سَلَمَة.
أنْبَأنَا أبو رَوْح عَبْد المُعِزّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، عن أبي القَاسِم بن طَاهِر، قال: أخْبَرَنا أبو عُثْمان إسْمَاعِيْل بن عبد الرَّحْمن الصَّابُونِيّ إجَازةً، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن حَبِيْب المُفَسِّر، قال: سَمِعْتُ أبا بَكْر أحْمَد بن عبد الرَّحْمن المَرْوَزيّ يَقُول: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بن نَصْر الفَسَوِيّ يَقُول: سَمِعْتُ سَالمًا خَادِم ذي النُّون المِصْرِيّ يَقُول: بينا أنا أَسِيْر مع ذي النُّون في جَبَل لُبْنَان، إذ قال لي: مَكانكَ يا سَالِم، لا تَبْرَح حتَّى أعُودَ إليك، فغَابَ عنِّي ثلاثة أيَّامٍ، وأنا أتَقَمَّش من نَبَاتِ الأرْض وبقُولها، وأشْرَب من غُدُر الماء، ثُمَّ عادَ بعد ثلاثٍ مُتَغيِّر اللَّوْن خَاثِرًا، فلمَّا أتَى ثَابَتْ إليه نَفْسُه، فقُلتُ لَهُ: أين كُنْتَ؟ فقال: إنِّي دَخَلْتُ كَهْفًا من كُهُوف الجَبَلِ، فرَأيْتُ رَجُلًا أغْبَر أشْعَث نَحِيْفًا نَحِيْلًا، كأنَّما أُخْرج من حُفْرته، وهو يُصَلِّي، فلمَّا قَضَى صَلاتَهُ سَلَّمْتُ عليه، فرَدَّ عليَّ وقام إلى الصَّلاة، فما زَال يَرْكَع ويَسْجُد حتَّى قَرُب العَصْر فصَلَّى العَصْر، واسْتَنَدَ إلى حَجَرٍ بحِذَاءِ المِحْرَاب يُسَبّح، فقُلتُ لَهُ: رَحِمكَ اللهُ، تُوصِيني بشيءٍ، أو تَدْعُو لي بدَعْوَةٍ، فقال: يا بُنَيّ، آنسَكَ اللهُ بقُرْبهِ، وسَكَتَ، فقُلتُ: زِدْني، فقال: يا بُنَيّ، مَنْ آنَسَه اللهُ بقُرْبهِ أعْطاهُ أرْبَعٍ خِصَالٍ: عِزًّا من غير عَشِيرة، وعِلمًا من غير طَلَب، وغَنَاء من دُون مَالٍ، وأُنْسًا من غير جَمَاعَة. ثمّ شَهقَ شَهْقَةً فلَم يُفِق إلى الغَد، حتَّى تَوَهَّمْتُ
_________________
(١) ترجمته في: تاريخ ابن عساكر ٢٠: ٩٠ - ٩٣، بدران: تهذيب تاريخ ابن عساكر ٦: ٦٠.
[ ٩ / ٤٣٧ ]
أنَّهُ مَيِّتُ، ثُمَّ أفاقَ، فقامَ وتَوضَّأ، ثُمَّ قال: يابُنيَّ، كَم فاتَني من الصَّلَوَاتِ؟ قُلتُ: ثلاثٌ، فقَضَاهَا، ثمّ قال: إنَّ ذِكْر الحَبِيْب هَيَّج شَوْقي، وأزَالَ عَقْلي! قُلتُ: إنِّي رَاجعٌ فزِدْني، قال: حِبَّ مَوْلاكَ ولا تُرد بحُبِّهِ بَدَلًا؛ فإنَّ المُحبِّين لله هُم تِيْجان العُبَّادِ وزَيْن العبَاد، ثُمّ صَرَخَ صَرْخَة فحَركتُه فإذا هو مَيِّتٌ، فما كان إلَّا بعد هُنَيْهَة إذا بجَمَاعَةٍ من العُبَّادِ مُنْحَدرين من الجَبَل، فصلَّوا عليه، ووارَوهُ، فقُلتُ: ما اسْم هذا الشَّيْخ؟ قالوا: شَيْبَان المَجْنُون.
قال سَالِم: فسَألْتُ أهْل الشَّام عنه، فقالوا: كان مَجْنُونًا هَرَبَ من أذَى الصِّبْيَان، قُلتُ: فهل تَعْرفُونَ من كَلامِهِ شيئًا؟ قالوا: نعم، كلمة؛ كان إذا خَرَج إلِى الصَّحَارى يَقُول: فإذا لَم (a) أُجنّ بإلهي فبمَنَ!؟ ورُبَّما قال: فإذا لَم أُجنّ بك رَبِّي فبمَن!؟.