وَلي إمْرَة أطْرَابُلُس في أيَّام عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، وتوجَّهَ منها إلى نَاحِيَةِ أنْطَاكِيَة والجَبَل الأسْوَد في مَكِيدة كَادَها فلْقَط (a) البِطْرِيْق فقَتَلَهُ، ووَلَّاهُ الوَلِيدُ بنُ عَبْد المَلِك غَزْو البَحْر.
أنْبَأنَا القَاضِي أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم السُّلَمِيِّ الفَقِيه، إجَازَةً إِنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ، قال: أخْبَرَنَا أبو نصْر مُحَمَّد بن أحْمَد بن هَارُون، قال: أخْبَرَنَا أبو القَاسِم عليّ بن يعْقُوب بن أبي العَقَب، قال: أخْبَرَنَا أبو عَبْد المَلِك أحْمَد بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَائِذ، قال: قال الوَلِيد: وأخْبَرَني غير واحدٍ أنَّ طَاغِيَة الرُّوم لمَّا رَأى ما صَنَع اللّه للمُسْلِمين مَنْعَهُ (^٢) مَدَائن السَّاحِل، كَاتَبَ أنْبَاط جَبَل لُبْنَان واللُّكَام، فخَرَجُوا جَرَاجِمَة، فعَسْكَروا بالجَبَل، ووَجَّه طَاغِية الرُّوم فلْقَط البِطْرِيْق في جَمَاعَةٍ من الرُّوم في البَحْر، فسَار بهم حتَّى أرْسَى بهم (b) بوَجْهِ الجَر، وخَرَج بمَن معه حتَّى عَلا بهم على جَبَل لُبْنَان، وبثَّ قُوَّادَهُ في أقْصَى الجَبَل، حتَّى بلغَ أنْطَاكِيَة وغيرها من الجَبَل الأسْوَد، فأعْظَم ذلك المُسْلمُونَ بالسَّاحِل، حتَّى لَم يكُن أحدٌ يَقْدر يَخْرج في ناحيةٍ من رَجًا (c) ولا غيرها إلَّا بالسِّلاح.
_________________
(١) (a) قيَّده ابن العديم حيثما يرد في التَّرْجَمَة بإهمال الأوّل، والإعجام من ابن عساكر ونهاية الأرب ١٥: ٢٨٠ (فلقط بن مورق)، بدران: تهذيب تاريخ ابن عساكر ٦: ٦٧ - ٦٨. (b) ابن عساكر: أرساهم. (c) مهملة في الأصل، ومثله عند ابن عساكر، ولعل الصواب بالمعجمة، بمعنى النواحي والأطراف، وجمعه أرجاء. انظر: ياقوت: مُعْجَمُ البلدان ٣: ٢٧.
(٢) كان حيًا سنة ٦٩ هـ، وترجمته في: تاريخ ابن عساكر ٢٠: ١٤٤ - ١٤٦، ابن الأثير: الكامل ٤: ٣٠٤.
(٣) تاريخ ابن عساكر والخبر فيه ٢٠: ١٤٥: منعة.
[ ٩ / ٤٤٦ ]
قال الوَلِيد: فأخْبَرَنا غير واحد من شُيُوخنا أنَّ الجَرَاجِمَة غَلَبَت على الجِبَال كُلّها من لُبْنَان وسَنِيْر وجَبَل الثَّلْج وجِبَال الجَوْلَان، فكانت بَاسنْبل (a) مَسْلَحَة لبَاقي الزُّهَّاد (b)، وعَقْرَبا الجَوْلَان مَسْلَحَهَ حتَّى جَعلُوا يُنادُون عَبْد المَلِك بن مَرْوَان من جَبَل دَيْر المُرَّان من اللَّيْل، حتَّى بَعَثَ إليهم عَبْدُ المَلِك بالأمْوَال ليَكُفُّوا حتَّى يَفْرغ لَهم، وكان مَشْغُولًا بقِتَال أهْل العِرَاق، ومُصْعَب بن الزُّبَيْر وغيره.
قال: ثمّ كَتَبَ عَبْد المَلِك إلى سُحَيْم بن المُهاجِر في مَدِينَة أطْرَابُلُس، يَتَواعَدهُ ويأمرُه بالخُرُوج إليهم، فلم يَزَل سُحَيْم ينتَظر الفُرْصَة منهم، ويَسْأل عن خَبَرهم وأُمُورهم، حتَّى بَلَغَهُ أنَّ فلْقَط في جَمَاعَةٍ من أصْحَابه في قَرْيَةٍ من قُرَى الجَبَل، فخَرَج سُحَيْم في عشرين رَجُلًا، من جُلَدَاء أصْحَابهِ، وقد تهيَّأ بهَيْئَةِ الرُّوم في لبَاسه وهَيْئَته وشَعره وسِلَاحه، مُتَشبِّهًا ببِطْرِيْق من بَطَارِقَة الرُّوم؛ بعثَهُ مَلِك الرُّوم إلى جَبَل اللُّكام في جَمَاعَةٍ من الرُّوم، فغَلَبَ على ما هُنالك.
فلَّمَا دَنَا من القَرْيَة، خَلَّفَ أصْحَابه وقال: انْتظرُوني إلى مَطْلع كَوْكَب الصُّبْح، فدَخَلَ على فلْقَط وأصْحَابهِ، وهُم في كَنِيْسَة يَأكُلون ويَشْربُون، فمَضَى إلى مُقَدَّم الكَنِيْسَة، فصَنَعَ ما يَصْنَعُه النَّصارى من الصَّلاة والقَوْل عند دُخُولها (c) كَنَائِسها، ثمَّ جَلَسَ إلى فلْقَط، فقال له: مَنْ أنتَ؟ فانْتَمى إلى الرَّجُل الّذي يَتَشبَّهُ به، فصَدَّقَهُ، وقال له: إنِّي إنَّما جئتُكَ لِمَا بلَغَني من جهاز سُحَيْم، وما أجْمعَ بهِ من الخُرُوج إليك، لأُخْبرك بهِ وأكْفيكَ أمْرَهُ إنْ أتَاك، ثُمَّ تَنَاول من طَعَامهم، ثمّ قال لفلْقَط وأصْحَابه: إنَّكُم لَم تَأتُوا ها هُنا للطَعَام والشَّرَاب، ثمّ قال لفلْقَط: ابْعَث معي عَشرةً من هؤلاء من أهْلِ النَّجْدَة والبَأْسِ، حتَّى نَحْرسكَ اللَّيْلة، فإنِّي لسْتُ آمَنُ أنْ يَأتيك ليْلًا، فبَعَثَ معه عَشرة، وأمَرَهم بطَاعَته، فخَرَجَ بهم إلى أقْصَى
_________________
(١) (a) تاريخ ابن عساكر: باسبل، ولم أهتد لمعرفتها. (b) ابن عساكر: مسلحة لنا في الرقاد. (c) ابن عساكر: دخول.
[ ٩ / ٤٤٧ ]
القَرْيَة، وقام بهم على الطَّريق الّذي يتخوَّفُون أنْ يَدْخُل عليهم منه، فأقام حَارِسًا منهم، وأمَرَ أصْحَابه فنامُوا، وأمَرَ الحَارِس إذا هو أراد النَّوْم، أنْ يُوقِظ حَارِسًا منهم ويَنام هو، فحَرَس الأوَّل ثمّ أقام الثَّانيّ، ثمِّ قَام سُحَيْم الثَّالث ثُمَّ قال: أنا أحْرس فنَم، فلمَّا اسْتَثْقَلوا (a) نَوْمًا، قَتَلَهم بذُبَابَة سَيْفه رَجُلًا رَجُلًا، فاضْطَرَبَ التَّاسِع فأصَاب العَاشِر برِجْله، فوَثَبَ إلى سُحَيْم فاتَّخذا (b) وصَرَعَهُ الرُّوميّ، وجَلَس على صَدْره، واسْتَخْرج سُحَيْمٍ سِكِّينًا في خُفّة، فقَتَلَهُ بها. ثُمّ أتَى الكَنِيْسَة، فقَتَلَ فلْقَط وأصْحَابه، رَجُلًا رَجُلًا.
ثُمّ خَرَج إلى أصْحَابهِ العشرين، فجاء بهم فأرَاهُم قَتْلَهُ مَنْ قَتَلَ من الحَرَس وفلْقَط، ومَن في الكَنيْسَة، ووضعُوا سُيُوفهم فيمَن بقيّ، فنَذِرَ (c) بهم مَنْ بَقِيَ منهم، وخَرجُوا هُرَّابًا حتَّى أتَوا سُفُنَهم بوَجْهِ الحَجر، فرَكبُوها ولحَقُوا بأرْضِ الرُّوم، ورجَع أنْبَاط جَبَل لُبْنَانَ إلى قُرَاهم.
أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنَا عليّ بن الحَسَن (^١)، قال: أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد بن الأكْفانِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيْز بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنَا أبو مُحَمَّد بن أبي نَصْر، قال: أخْبَرَنَا أحْمَدُ بن إبْراهيم، قال: حدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ عَائِذ، قال: حدَّثَنَا الوَلِيد، قال: لمَّا وَلِيَ الوَلِيد بن عَبْد المَلِك، وَلّى غَازِيَة البَحْر ثلاثة نَفَرٍ من المَوَالِي: سُحَيْم بن المُهاجِر، وأبا خُرَاسَان، وسُفْيانَ الفَارسِيّ.
أخْبَرَنَا أبو الفَضْل أحْمَد بنُ مُحَمَّد بن الحَسَن في كتابهِ، قال: أخْبَرَنَا عَمِّي الحافِظُ أبو القَاسِم (^٢)، قال: سُحَيْم بن المُهاجِر من سُكَّان أَطْرَابُلُس، ووَلِيَ إمْرَتها في
_________________
(١) (a) في متن الأصل وابن عساكر: استثقل، وصوبه ابن العديم في الهامش بالمثبت. (b) في الأصل بإهمال المثناة الفوقية، والمثبت من تاريخ ابن عساكر. (c) الأصل وابن عساكر: فندر، بالدال المهملة، والمراد: أنَّهم علموا بخبرهم فتنبَّهوا.
(٢) تاريخ ابن عساكر ٢٠: ١٤٦.
(٣) تاريخ ابن عساكر ٢٠: ١٤٤.
[ ٩ / ٤٤٨ ]
أيَّام عَبْد المَلِك بن مَرْوَان، وكَتَبَ إليهِ عَبْدُ المَلِك أنْ يَكِيد بعض الرُّوم، ووَلَّاهُ الوَلِيدُ غَزْو البَحْر.
كذا قال! ولَم يكْتُب إِليهِ عَبْدُ المَلِك أنْ يَكِيد، وإنَّما كَتَبَ إليه يأمُره بالخُرُوج، فدَبَّرَ هو برَأيهِ ما دبرهُ.
[ ٩ / ٤٤٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبه توفيقي