قام سليما بن الحكم كما ذكرنا يوم الجمعة لست خلون من شوال سنة تسع وثلائمائة، وتلقب بالمستعين بالله.
ثم دخل قرطبة كما ذكرنا في ربيع الآخر سنة أربعمائة، وتلقب حينئذ بالظافر بحول الله مضافًا إلى المستعين.
ثم خرج عنها في شوال سنة أربعمائة، ولم يزل يجول بعساكر البربر في بلاد الأندلس يفسد وينهب، ويفقر المدائن والقرى، بالسيف والغارة، لا تبقى البربر معه على صغر ولا كبير، ولا امرأة إلى أن دخل قرطبة في صدر شوال سنة ثلاث وأربعمائة، وكان من جملة جنده رجلان من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب يسميان القاسم، وعليًا ابني حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس [بن إدريس] بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁. فقودهما على المغاربة.
ثم ولي أحدهما سبتة وطنجة، وهو على الأصغر منهما، وولي القاسم الجزيرة الخضراء وبين الموضعين المجاز المعروف بالزقاق وسعة البحر هنالك، نحو اثني عشر ميلًا، وافترق العبيد إذ دخل البربر مع سليمان قرطبة فملكوا مدنًا عظيمة، وتحصنوا فيها فراسلهم علي بن حمود المذكور، وقد حدث له طمع في ولاية الأندلس وكتب إليهم يذكر لهم أن هشام بن الحكم إذ كان محاصرًا بقرطبة كتب إليه يوليه عهده فاستجابوا له وبايعوه فزحف من سبتة إلى مالقة، وفيها عامر بن فتوح الفائقي مولى فائق مولى الحكم المستنصر فطاع له، ودخل مالقة فتملكها علي بن حمود وأخرج عنها عامر بن فتوح.
ثم زحف [مع خيران الفتى، وجماعة العبيد] إلى قرطبة فخرج إليه محمد بن سليمان
[ ٢٤ ]
في عساكر البربر، وانهزم بن سليمان ودخل علي بن حمود قرطبة، وقتل سليمان بن الحكم صبرا، ضرب عنقه بيده يوم الأحد لسبع بقين من المحرم سنة سبع وأربعمائة وقتل أباه الحكم بن سليمان بن الناصر أيضًا في ذلك اليوم، وهو شيخ كبير له اثنتان وسبعون سنة، فكانت مدة سليمان منذ دخل قرطبة إلى أن قتل ثلاثة أعوام، وثلاثة أشهر وأيامًا، وكان قد ملكها قبل ذلك ستة أشهر كما ذكرنا، وكانت مدته منذ قام مع البربر إلى أن قتل سبعة أعوام وثلاثة أشهر وأيامًا، وانقطعت دولة بين أمية في هذا الوقت وانقطع ذكرهم على المنابر في جميع أقطار الأندلس، إلى أن عاد بعد ذلك في الوقت الذي نذكره إن شاء الله.
وكانت أمه أم ولد اسمها [ظبية] ومولده سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وترك من الولد ولي عهده محمدًا لم يعقب، والوليد، ومسلمة، وكان سليمان أديبًا شاعرًا. أنشدني أبو محمد علي بن أحمد قال: أنشدني فتى من ولد إسماعيل بن إسحاق المنادى الشاعر كان يكتب لأبي جعفر أحمد بن سعيد بن الدب قال: أنشدني أبو جعفر قال: أنشدني أمير المؤمنين سليمان الظافر لنفسه قال أبو محمد: وأنشدنيها قاسم بن محمد الروائي قال: أنشدنيها وليد بن محمد الكاتب لسليمان الظافر:
عجبًا يهاب الليث حد سنان وأهاب لحظ فواتز الأجنان
وأقارع الأهوال لا متهيبًا منها سوى الإعراض والهجران
وتملكت نفسي ثلاث كالدمى زهر الوجوه نواعم الأبدان
[ ٢٥ ]
ككواكب الظلماء لحن لناظر من فوق أغصان على كثبان
هذي الهلال وتلك بنت المشتري حسنا وهذي أخت غصن البان
حكمت فيهن السلو إلى الصبا فقضى بسلطان على سلطان
فأبحن من قلبي الحمى وثنيننى في عز ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا ملكًا تذلل للهوى ذل الهوى عز وملك ثاني
ما ضر أني عبدهن صبابة وبنو الزمان وهن من عبداني
إن لم أطع فيهن سلطان الهوى كلفا بهن فلست من مروان
وإذا الكريم أحب أمن إلفه خطب القلى وحوادث السلوان
وإذا تجارى في الهوى أهل الهوى عاش الهوى في غبطة وأمان
وهذه الأبيات معارضة للأبيات التي تنسب إلى هارون الرشيد، وأنشدنيها له أبو محمد عبد الله بن عثمان بن مروان العمري وهي:
ملك الثلاث الآنسات عناني وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى وبه قوين أعز من سلطاني
[ ٢٦ ]