بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فهذا مولود مبارَك، وعطاء يتجدَّد من المجموعة الأولى الخاصة بالمشيخات من "سلسلة تقريب رواة السنة بين يدي الأمة" لأخينا المبارك المجتهد الدؤوب أبي الطيب نايف بن صلاح المنصوري -حفظه الله تعالى-.
وقد أَسْمى هذا الكتاب الماتع النافع بـ "بلوغ الأَماني بتراجم شيوخ أبي الشَّيْخ الأَصْبَهاني".
وقد تميز هذا العطاء بثوبه القشيب عما سبق من كتب هذه السلسلة المباركة بتوسُّع المؤلِّف في ذِكْر شيوخ وتلامذة الراوي المترجم له توسُّعًا يدل على طول نَفَسِه في البحث، -ولا أزكيه على الله تعالى- كما ذكر في ترجمة كل راوٍ الكتاب الذي أخرج فيه أبو الشَّيْخ الأَصْبَهاني حديث هذا الشَّيْخ المترجم له، وجَعَل لكل كتاب منها رمزًا ذكره في مقدمة كتابه هذا، ومن وقف عليه من شيوخ أبي الشَّيْخ خارج كتب أبي الشَّيْخ رمز له برمز (ن)، ولا شك أن من وقف على صفحات الكتاب الحافلة بأسماء تلامذة وشيوخ المترجمين لهم سيُدْرك -آنذاك- مدى الجُهْد الذي بذله المؤلف وفاء بشرطه هذا.
[ ١ / ٧ ]
هذا وقد سَبَق أن طبع للمؤلف من هذه السلسلة المباركة عدة مؤلفات انتفع بها طلاب العلم، وأثنى عليها عدد من المتخصصين في هذا الشأن، وفتحت تلك الكتب شهية طلبة العلم للباقي من هذه السلسلة، فهذه بُشرى أزفها للمتلهفين من أهل العلم وطلابه المدركين لقيمة هذا العمل، سائلًا المولى ﷿ أن ينفع به كا نفع بما سبق من نتاجٍ علمي، وأن يجعله حجابًا من عذاب الله وسخطه في الدارين للمؤلف وأهله وذريته، ولكاتب هذه الكلمات وأهله وذريته ووالديه ولقارئه وناشره وجميع المسلمين.
ومن الكتب التي سبقت طبعتها: "إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني"، و"الدليل المغني إلى تراجم شيوخ أبي الحسن الدارقطني"، و"الرّوْض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم"، و"السلسبيل النقي في تراجم شيوخ البيهقي"، كما أن المؤلف -حفظه الله- يقوم حاليًا بجمع مشيخة الخطيب البَغْدادِي، وعلى مشارف الانتهاء من مشيخة أبي نُعَيم الأَصْبَهاني، وقد أسمى هذا العمل: "الفَتْح الرَّباني في تراجم شيوخ أبي نُعَيْم الأَصْبَهاني"، ومن طموحات المؤلف -وهو أهل لذلك- أن يقوم بمثل هذا الجهد في رجال المسانيد والأئمة الأربعة وغيرهم، بل ربما قام بذلك في المشاهير من الكتب الجامعة للرجال، فيضيف إليها ما لم يُذْكر فيها من كلام أئمة الجرح والتعديل، وكذا التلامذة والشيوخ، ولا يخفى ما في هذه الإضافات من تأثير على الراوي جرحًا أو تعديلًا، وكذا على الحكم بسماع الراوي من فلان أو عدمه، فلو أتم الله هذه المشاريع العلمية، وحقَّق للمؤلف طموحاته الحديثية؛ فستكون هذه الجهود خدمة جليلة للمكتبة الإسلامية: حديثًا وفقهًا، لما هو معلوم من أثر صحة الحديث وضعفه على الفقه والأحكام.
[ ١ / ٨ ]
وكالعادة: فقد قمتُ بمراجعة هذا الكتاب للمؤلف، ولخصتُ أقوال الأئمة في الراوي بحكم مختصر، يسْهل به على طالب العلم معرفة رتبة حديث الراوي قبولًا أو ردًا، وقد ذكرت في عدد من التراجم التي فيها التباس علة حكمي على الراوي بما حكمت به، وقد سبق أن ذكرت الفائدة من ذلك، وملخص ما سبق ذكره ما يلي:
١ - التسهيل على طلبة العلم في معرفة حال الراوي، ومن ثَمَّ درجة رواياته.
٢ - الاعتذار لنفْسي عند من يخالفني من أهل العلم في الحكم على الراوي، فإن مجرد قول الملخِّص: فلان ثقة، أو صدوق، أو ضعيف، أو متروك، مع وجود أقوال لبعض الأئمة ظاهرها يخالف هذا التلخيص؛ فإن سياقة الحكم ملخصًا مجردًا عن بيان موقفي مما ظاهره مخالفتي يورث ريْبة وترددًا عند طالب العلم، فذكْر علة ما ذهبتُ إليه بيان لوجه ما رجحته.
٣ - تدريب طلبة العلم على كيفية الجمع بين أقوال الأئمة التي ظاهرها التعارض، وهذا لعمر الحق من أهم ما يحتاج إليه طالب العلم، حتى لا يقوِّل الأئمة ما لم يقولوا به، ولا يصرف كلامهم عن وجهه.
٤ - ذِكْر القاعدة الحديثية بمثالها الذي ذكر في بعض التراجم التي عللت فيها أحكامي يؤدي إلى فهم القاعدة على وجهها الصحيح، فبالمثال يتضح المقال.
٥ - قد أفسِّر المراد من بعض الحكايات التي يسوقها بعض أئمة الجرح والتعديل، وأوضِّح المراد منها جرحًا أو تعديلًا، وذلك بعد ما رأيتُ كثيرًا من طلبة العلم لا يدركون مراد الأئمة من هذه الحكايات، ولا يسْبرون غَوْرهم في ذلك.
هذا وما من عمل إلا وفيه ما يشوبه عند صاحبه لو أعاد النظر فيه، فكيف إذا
[ ١ / ٩ ]
نظر فيه غيره، لاسيما إذا لم يسْلم من مرغِّب في القدح، ولم يصْفُ من حرص على الطعن، لكن بحسب المرء أن يخلص قصده لخالقه ومولاه، وأن يسلك سبيل أهل العلم فيما يأتي ويذَر، وأن يرجع إلى الصواب إذا ظهر له، وأن تسعه رحمة الله ومغفرته وإحسانه.
هذا وأسأل الله العلي العظيم أن يتولاني بلطفه وعفوه وستره، وجوده وكرمه، وعونه ونصره، ووالدي وأهلي وذريتي وإخواني وذرياتهم وصالح المؤمنين، إنه أعظم مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه أبو الحسن السليماني
مأرب في ٧/ شوال/ ١٤٣١ هـ
[ ١ / ١٠ ]