بدأ -رحمه الله تعالى- بسماعه للحديث من علماء بلده أصبهان، كما هو دأب المحدثين في ذلك، أن الطالب يتلقى العلم أولًا من علماء بلده؛ لقربهم ومعرفته بهم، فقد قال الخطيب في "تاريخه" (١/ ٢١٤): أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزَّار بهمذَان، قال: سمعت أبا الفضل صالح بن أحمد بن محمد التَّمِيْمِي الحافظ، يقول: "ينبغي لطالب الحديث ومن عُنيَ به، أن يبدأ بكتب حديث بلده ومعرفة أهله، وتفهمه وضبطه حتى يعلم صحيحه وسقيمه، ويعرف أهل التحديث به، وأحوالهم معرفة تامة، إذا كان في بلده علم وعلماء قديمًا وحديثًا، ثم يشتغل بعدُ بحديث البلدان والرحلة فيه" (^١).
وقد مكث في بلده وهو ينهل من معين علمائها، ويحضر مجالسهم مدة طويلة، وحق له ذلك؛ لما كان لأصبهان من مكانة علمية مرموقة؛ بحيث صارت مقصد القاصي والداني، ولا سيما بعد ما استوطنها عدد من كبار حفاظ المحدثين، فقد قال أبو الشيخ في "طبقاته": (٢/ ١٩٣): حدثني أبي -رحمه الله تعالى- قال: ثنا أحمد بن
_________________
(١) إسناده صحيح.
[ ١ / ٢٠ ]
مهدي، قال: قدم أبو حفص -يعني الفلاس- من أصبهان، فذُكر لأبي النعمان عارم، فقال: قدم أبو حفص من أصبهان، وحمل خمسة آلاف درهم، فقال: "هاجر أبو داود إلى أصبهان، وصيروها دار هجرة".
وقال الذهبي في رسالته "الأمصار ذوات الآثار" (ص: ٢٣٢): "وأصبهان التي كانت تُضاهي بغداد في علوم الإسناد، وكثرة الحديث، والأثر".
وقال السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ": "كانت أصبهان تُضاهي بغداد في العلو والكثرة".
وقد كان أول سماعه للحديث في سنة أربع وثمانين ومائتين، قبل سن العاشرة من عمره -يرحمه الله-. قال ابن عبد الهادي في "طبقاته" (٣/ ١٣٨): "سمع سنة أربع وثمانين -يعني ومائتين-، وكتب العالي والنازل".
وقال الذهبي في "التذكرة" (٣/ ٩٤٥): "سمع في سنة أربع وثمانين وهلم جرًا، وكتب العالي والنازل، ولقي الكبار".
وقال في "النبلاء" (١٦/ ٢٧٧): "طلب الحديث في الصِّغَر، اعتنى به الجد، فسمع من جده محمود بن الفرج الزاهد، …، وإسحاق بن إسماعيل الرَّمْلي سمع منه في سنة أربع وثمانين ومائتين".
وقال في "التاريخ" (٢٦/ ٤١٨ - ٤١٩): "سمع في صغره، وأول سماعه سنة أربع وثمانين".
وقال في "العبر" (٢/ ١٣٢): "أول سماعه في سنة أربع وثمانين ومائتين من إبراهيم بن سعدان، وابن أبي عاصم وطبقتهما".
قال مقيده -عفا الله عنه-: ومما يدل على قدم سماعه، وحرصه على سماع الحديث ممن قدم بلدته أصبهان قوله في "الطبقات" (٣/ ٣١٠) في ترجمة شيخه إبراهيم بن سعدان: "توفي سنة أربع وثمانين ومائتين". ففي هذا النص دليل على أن
[ ١ / ٢١ ]
سماعه منه كان فيها أو قبلها.
وقال -أيضًا- (٣/ ٣٠٧): "محمد بن أبي سهل، توفي سنة خمس وثمانين ومائتين، أدركته، وسمعت منه مجالس، وذهب سماعي".
وقال في (٣/ ٢٩٦): "أبو الشيخ الأبْهَري محمد بن الحسين، كتبت عنه سنة ست وثمانين ومائتين".
وقال في (٣/ ٤٢٩): "أبو العباس محمد بن أحمد الهروي، كتبنا عنه سنة ست وثمانين ومائتين، وخرج -يعني من أصبهان-".
وقال في (٣/ ٢٢٢): "القاسم بن محمد بن الصَّبَّاح الأصْبَهانِي، حضرت مجلسه، وسمعت منه، مات سنة ست أو سبع وثمانين".
وقال في (٣/ ٣٨٦): "أبو بكر أحمد بن عمرو البزَّار، قدم علينا مرتين، المرة الثانية سنة ست وثمانين ومائتين".
وقال في (٣/ ٦١٢): "عمر بن بحر الأسدي، قدم علينا سنة ثمان وثمانين ومائتين".
وقال في (٣/ ٦١٥): "عمر بن نُصَيْر القُرَشِي، كتبت عنه سنة ثمان وثمانين ومائتين، وخرج إلى طَرَسوس".
وقال أبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٣٣٩): "حدثنا عبد الله بن محمد بن جَعْفَر، ثنا أبو بكر الدِّيْنوَرْي المفسر سنة ثمان وثمانين ومائتين".
وقال في (٣/ ٦٠٨): "أحمد بن عيسى بن ماهان الرَّازِي الجوال، قدم علينا سنة تسع وثمانين ومائتين، وأملى علينا في الجامع".
وقال في (٤/ ٨٦): "أحمد بن روح الشَّعْراني، قدم علينا -يعني قبل التسعين- ومائتين". "أخبار أصبهان" (١/ ١١٠).
وقال في (٤/ ٧٣): "الحسن بن إدريس العَسْكري، قدم علينا سنة إحدى
[ ١ / ٢٢ ]
وتسعين ومائتين".
وقال في (٤/ ٨٢): "الحسن بن علي بن نصر الطُّوسي، قدم علينا سنة خمس وتسعين ومائتين".
وقال (٤/ ٥٠): "عبد الله بن الحسين بن زهير النَّيْسابُوري، قدم علينا سنة ست وتسعين ومائتين، ثم خرج إلى البصرة".
وقال (٣/ ٥٠٢): "حاجب بن أبي بكر أرَكِيْن، قدم علينا أيام بدر سنة ست وتسعين ومائتين".
وقال في (٤/ ٤٠): "عبد اللّه بن الحسين بن محمد بن زهير النَّيْسابُوري، قدم علينا قبل الثلاثمائة، يُحدِّث من حفظه".