محمد بن (١) إسماعيل بن علي بن أبي الحسن بن سعيد بن صالح بن عبد الله بن صالح الشهير بالقلقشندي المصري الأصل ثم القدسي، الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله بن الإمام العلامة تقي الدين شيخ الشافعية في زمنه ببيت المقدس الشريف.
أخذ عن والده، وأخذ عن والدي أيضًا شيخ الإسلام الوالد -الأصول قبل رحلته إلى الشام، وقد ذكره في شرحه للمنهاج في موضعين أو ثلاثة.
وكان والده (٢) من الأئمة الأعلام المتضلعين بعلوم الشريعة فقهًا وأصولًا وحديثًا وغير ذلك، لقي الأئمة الكبار وأخذ عنهم كالفخر المصري وأجازه بالإفتاء، وسمع الحديث الكثير وحدّث، وأقام بالقدس متصديًا لنشر العلم، وأقرأ الطلبة، وممن انتفع عليه من الطلبة كما قال الحسباني، وكان حافظًا للمذهب يستحضر الروضة فيما قيل، وكان دينًا خيرًا، مولده سنة
_________________
(١) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/ ٥٢ (٧٤٤)، إنباء الغمر لابن حجر ٦/ ٤١، الأنس الجليل للعليمي ٢/ ١٣٩، الضوء اللامع للسخاوي ٧/ ١٣٧ (٣٣٤).
(٢) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٣/ ٨٧ (٦٣٩)، ذيل العراقي على العبر ٢/ ٤٣٤، درر العقود الفريدة للمقريزي ٢/ ٢٣٣ (٣٢٥)، إنباء الغمر لابن حجر ١/ ٢٠٥، الدرر الكامنة لابن حجر ١/ ٣٧٠ (٩٣٩)، الأنس الجليل للعليمي ٢/ ١٥٩، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ١١/ ١١٤، شذرات الذهب لابن لعماد ٨/ ٤٤٢.
[ ٤٣ ]
اثنين وسبع مائة بمصر، وقرأ بها وحصّل ثم قدم دمشق بعد الثلاثين فقرأ على الشيخ فخر الدين المصري وأجازه كما تقدم، ثم أقام بالقدس الشريف وصاهر الشيخ صلاح الدين العلائي وصار معيدًا عنده بالصلاحية، وجاءه من بنت الشيخ صلاح الدين عدة أولاد فضلاء أذكياء علماء، واشتهر أمره وبعد صيته بتلك البلاد ورحل إليه من تلك النواحي جماعة من الطلبة وصاروا أئمة، ويقال أن العلائي مع عظمته وجلالته انتفع به في الفقه، والحق أن كلًا منهما انتفع بصاحبه، ومات في جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وسبع مائة، وخلف ولدين عالمين أجلهما صاحب الترجمة المذكور.
فلنعد إلى ما نحن بصدده من ترجمة، ولد الشيخ شمس الدين سنة خمس وأربعين وسبع مائة.
وسمع من المنذري وأخذ العلم عن أبيه وجده الإمام صلاح الدين العلائي.
قال شيخنا الحافظ ابن حجر أبقاه الله تعالى: اشتغل ومهر وساد حتى صار شيخ القدس في الفتوى والتدريس كأبيه وسمعت منه. انتهى.
قلت: ورحل إلى القاهرة واجتمع بالشيخ وسأله مسائل وأثنى الشيخ عليه ثناءً بالغًا.
ورجع إلى بلده يفتي ويدرس ويفيد إلى أن توفي بها في شهر رجب سنة تسع وثمان مائة، ودفن عند والده وأخيه في الحرش المقابل لزاوية القلندرية وتربة بهادر "بماملا" المقبرة الشهيرة ببيت المقدس غربي البلد، وقد زرته في رحلتي لزيارة بيت المقدس مع جماعة من المشايخ في المقبرة المذكورة.
وعقب المذكور عدة أولاد أجلهم * زين الدين عبد الرحيم (١) أخذ عن والده وفضل وانتهى وبرع إلى أن صار بعد والده عين الشافعية ببيت المقدس وخطب بالمسجد الأقصى. . . . ولما سكن القاضي شمس الدين الهروي هناك حصل بينهما شرور ومرافعات وقوي الهروي عليه.
_________________
(١) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/ ٨٩ (٧٦٩)، الضوء اللامع للسخاوي ٤/ ٨٤ (٤٦٨).
[ ٤٤ ]
قال شيخنا شيخ الشافعية الشيخ تقي الدين ابن قاضي شهبة: وقد رأيت خطه على فتوى وهي تدل على كثرة استحضاره وجودة ذهنه وتصرفه، لا أعلم من حاله شيئًا غير ذلك.
توفي سنة عشرين وثمان مائة عن نحو خمسين سنة.
والثاني (١) من أولاده الشيخ شمس الدين عبد الرحمن، سمع من أبيه وخاله الشيخ شهاب الدين العلائي، ورحل إلى الشام فأخذ عن الشيخ شهاب الدين ابن حجي ثم قدم القاهرة مرارًا، وعلق الكثير بخطه وكان حسن الخط.
توفي في ذي القعدة سنة ست وعشرين وثمان مائة. انتهى.
قلت: والثالث (٢) صاحبنا تقي الدين أحد الأعيان اليوم ببيت المقدس، له اشتغال، حضر عند والده وغيره، ورحل إلى الشام وأخذ عن بعض علمائها، وبحث مع الشيخ علاء الدين بن سلام بحضرة القاضي نجم الدين بن حجي وعمه أخو الشيخ شمس الدين فهو العلامة برهان الدين إبراهيم -كان عالمًا فاضلًا في فنون وله في المعقولات يدٌ طولى لا سيما اللغة، مات قبل أخيه بمدة كهلًا رحمه الله تعالى.
قلت: إن مولده سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، وحصل له رئاسة عظيمة في الدولة الأشرفية.
قال شيخنا الشيخ برهان الدين البقاعي في معجمه: وما زال يخالط الأكابر بحسن الآداب، ويستجلب القلوب إلى أن صار رئيس القدس بغير مدافع، وملجأهم عند المعضلات بلا نزاع.
توفي رحمه الله تعالى نهار الخميس ثاني عشر جمادى الآخرة سنة سبع وستين، وصلي عليه بالمسجد الأقصى الشريف ودفن بباب اللد بالزاوية القلندرية رحمه الله تعالى آمين.
_________________
(١) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٤/ ٩٠، الأنس الجليل للعليمي ٢/ ١٦٨، الضوء اللامع للسخاوي ٤/ ١٢٢ (٣٢٩)، شذرات الذهب لابن العماد ٩/ ٢٥٣، معجم المؤلفين - كحالة - ٥/ ١٧١.
(٢) الأنس الجليل للعليمي ٢/ ١٨٩، الضوء اللامع للسخاوي ١١/ ٦٩ (١٩٧)، شذرات الذهب لابن العماد ٩/ ٤٥٢.
[ ٤٥ ]