أحمد بن (١) علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن حجر أبو العباس وأبو الفضل العسقلاني الأصل المصري الشهير بابن حجر شيخنا الإمام العلامة الحافظ الأستاذ قاضي القضاة شهاب الدين بقية الأعلام شيخ المحدثين بالديار المصرية ومؤرخها وصاحب المصنفات التي سارت بها الركبان، مولده كما أخبرني به وكتبه لي بخطه في ثالث عشر من شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة بالقاهرة.
وأول ما سمع الحديث بمكة المشرفة في سنة خمس وثمانين فأدرك جماعة كثيرة من أصحاب ابن الشحنة ووزيرة وبقية المسندين، وأجاز له جماعة كثيرة.
_________________
(١) درر العقود الفريدة للمقريزي ١/ ٢٧٤، رفع الإصر عن قضاة مصر لابن حجر ١/ ٨٥، الذيل على رفع الإصر للسخاوي ٧٥ (٤)، الضوء اللامع للسخاوي ٢/ ٣٦، حسن المحاضرة للسيوطي ٢/ ٣٦٣ (١٠٢)، شذرات الذهب لابن العماد ٩/ ٣٩٥، البدر الطالع للشوكاني ١/ ٨٧ (٥١)، الأعلام للزركلي ١/ ١٧٨، معجم المؤلفين ٢/ ٢٠.
[ ١٣٤ ]
ورحل في طلب العلم بنفسه وهو شاب وكتب الطباق والأجزاء بخطه ومهر في الحديث وتخرّج على حافظ العصر وبقية الأعلام أبي الفضل العراقي ومهر عليه وقرأ عليه الكثير من مصنفاته وغيرها، وتميز في الفن وشيخه موجود واشتهر صيته، وجلس إلى جانب شيخه في حال إملائه.
وقرأ في الفقه على الشيخ وأذن له فيه بالتدريس والإفتاء وكذلك على بقية المشايخ بالقاهرة مثل ابن الملقن والشيخ برهان الدين الأبناسي والشيخ شمس الدين ابن القطان وغيرهم من مشايخ عصره.
ومهر في الفنون لكن غلب عليه فن الحديث فانتهت إليه معرفة هذا الشأن وصار إمام زمانه فيه بعد وفاة شيخه وتصدّى لنفع الناس ودرّس وأفتى وولي المناصب الكبار والتداريس بعدة أماكن في القاهرة.
وتصدى للتصنيف فصنف الكثير ولم يصنف أحد في زمانه مثله ولا قريبًا منه، بلغني من جماعة من أصحابه أنها تزيد على المائة ومن مشاهيرها لسان الميزان وتخريج أحاديث الرافعي ومقدمة البخاري وتغليق التعليق الذي فيه، وأجلّها كما كتبه لي بخطه في إذنه لي بالإفتاء في أواخر سنة ست وثلاثين صحبة الأشرف لما توجه إلى آمد (١) شرحه المشهور على البخاري المسمى بفتح الباري، وقد انتهى فيه إلى الدعوات في تلك السنة في عشر مجلدات، وبلغني أنه الآن كمل أو شارف الكمال في نحو العشرين مجلدًا وأنه لم يصنف مثله ولا على منواله وأنه يشهد له بالمرتبة العليا في الفنون، وله ديوان شعر وهو إمام الأدباء في زمنه، وقد تقدم لك من شعره مرثية الشيخ وهي في غاية الجودة والفصاحة شاهدة له بما ذكرناه.
ولي نيابة الحكم عن القاضي جلال الدين ثم استقل به من مدة في
_________________
(١) آمد: أعظم مدن ديار بكر وأجلها قدرًا وأشهرها ذكرًا -معجم البلدان- ياقوت الحموي ٧٦٨ (٤٠).
[ ١٣٥ ]
عدة مرات في أيام الأشرف، وأظنّها بهذه المرة أربع مرات.
ورحل إلى الشام طالبًا للعلم في سنة اثنين وثمان مائة، فأخذ عن المشايخ الموجودين إذ ذاك، ثم رجع إلى بلده وحج مرات، ورحلت إليه الطلبة من الآفاق.
وله كتاب في الوفيات ومعجم كبير لمشايخه وخرّج لنفسه ولغيره، وكتاب في مناقب الشيخ.
وبالجملة: فهو إمام زمانه وحافظ وقته وأوانه وعنده من الذكاء والفطنة وصفاء القريحة ما تحير فيه الأبصار، أبقاه الله تعالى للمسلمين عمومًا ولمحبيه وطلبته خصوصًا.
ثم توفي إلى رحمة الله تعالى بالقاهرة بمنزله داخل باب الشعرية جوار المنكورية في ليلة السبت ثامن عشرين الحجة الحرام سنة اثنتين وخمسين وثمان مائة، وكان يومًا مشهودًا ودفن بالقرافة، قريبًا من الشافعي -﵁-.
* * *