محمد بن (١) أحمد بن موسى الكفيري الدمشقي شيخنا الإمام العالم العلامة أقضى القضاة شمس الدين بقية العلماء صدر المدرسين أوحد المفتين المتفننين رحلة الطالبين.
مولده كما أخبرني به في السابع والعشرين من شوال سنة سبع وخمسين وسبع مائة.
اشتغل بالفقه على المشايخ الشافعية المعتبرين قبل الفتنة كالزهري وابن الشريشي وابن الجابي وشرف الدين الغزي ولزمه الملازمة الكثيرة وتخرج عليه وكان عين جماعته وفاضلهم.
واشتهر بحفظ الفروع من شبيبته وبرع في الفقه وسمع الحديث وأسمع وحدث ودرس وأفتى وصنف وكتب بخطه الكثير لنفسه ولغيره وناب في الحكم عن القاضي علاء الدين ابن أبي البقاء فمن بعده.
وكان عارفًا بصنعة القضاء وغيرها أشعري الاعتقاد سليم الصدر، بشوش الوجه حسن الشكالة مليح القامة كث اللحية عليه مهابة العلم متواضع مع الطلبة وغيرهم ومحاسنه كثيرة طارحًا للتكليف وله نظم كثير فمنه:
خرجت من الدنيا كأني لم أكن دخلت إليها قط يومًا من الدهر
تبلغت فيها باليسير وقد كفى وحصلت منها ما عمرت به قبري
يؤنسني فيه إذا ما سكنته ونعم رفيق صاحب لي إلى الحشر
فيا عامر الدنيا رويدك فاقتصر فإن سهام الموت تأتي وما تدري
وإياك والتفريط فالغبنُ كله لمن منح الدنيا وراح بلا أجر
_________________
(١) إنباء الغمر لابن حجر ٨/ ١٦٠، الضوء اللامع للسخاوي ٧/ ١١١ (٢٤٤)، الأعلام للزركلي ٥/ ٣٣١.
[ ٦١ ]
وله غير ذلك من النظم، وكان نظمه طباعًا من غير معرفة بالعروض وغيره من أسباب النظم.
وحج وجاور بمكة مرات وصنف النكت على التنبيه وهي حسنة في نحو أربعة أجزاء وشرح البخاري في خمس مجلدات وسماه التلويح أخذه من كلام الزركشي والكرماني وابن الملقن وزاد فيه أشياء مفيدة وهو شرح جيد، ودرس بالعزيزية شريكًا لغيره والصارمية وعمرها بعد الفتنة.
وانتقل إلى رحمة الله تعالى بعد ضعف طويل يوم الاثنين ثالث عشر المحرم سنة إحدى وثلاثين وثمان مائة ودفن بمقبرة الصوفية، وشيعه خلق كثير وكان يومًا مشهودًا، عفا الله عنه وعنا بكرمه.
* * *