محمد بن (١) أبي الحياة الخضر بن داود المصري نسبًا الحلبي المولد ثم المصري ثم المقدسي الشيخ العالم الفاضل المفنن المحدث شمس الدين.
مولده بحلب سنة ثمان وستين وسبع مائة.
واشتغل بها على جماعة منهم العلامة شهاب الدين الأذرعي صاحب المصنفات، وأخذ النحو عن الأندلسي المشهور بابن جابر شارح الألفية تلميذ أبي حيان وهو المسمى شرحه بالأعمى والبصير. ورحل إلى الشام فأخذ عن الأئمة بها، وحضر عند الشيخ شرف الدين الشريشي شيخ الشافعية بالشام إذ ذاك ورجع إلى بلده، وسمع الحديث وله سند عال بابن ماجة سمعه في سنة سبع وسبعين على المسند كمال الدين بن حبيب وسمعنا بعضه عليه بالباسطية ببيت المقدس بقراءة العلامة ابن عبد الله المغربي المالكي قاضي حماه في سنة ثمان وثلاثين، وسمع معنا جماعة وأجاز لنا بخطه وهو عندي ولم يزل ببلده مقيمًا إلى الفتنة فرحل بعدها إلى مصر فأكرمه الأمير جمال الدين الأستادار الحلبي وكان مدبر المملكة في الدولة الناصرية وجعله موقعًا عنده وأحسن إليه لأنه بلديه وترقى وصار من الأعيان وتميز لفضله ومعرفته، ثم بعد موت جمال الدين المذكور أكرمه القاضي عبد الباسط وتقدم عنده وصار من خواصه فلما أنشأ مدرسته التي ببيت المقدس في سنة ثلاث وثلاثين جعل المذكور شيخها ورتب له على ذلك كل يوم عشرة فقدم إلى القدس وصار من أعيان البلد وكلمته نافذة وقرأ البخاري غير مرة وكان يتكلم على مواضع منه.
ولما وردت بيت المقدس في أثناء سنة ثمان وثلاثين رأيت من المذكور حشمة وإحسانًا ومشاركة في الفضائل ومحاضرة حسنة مع ديانة وله
_________________
(١) الأنس الجليل للعليمي ٢/ ١٢٧.
[ ٥٦ ]
نظم حسن كثير فمنه ما كتب به إليّ بخطه رحمه الله تعالى وكنت لما اجتمعت به وعدته أني آتيه.
رضي الدين يا خدن المعالي ويا ابن الأكرمين من الأئمة
محبك يرتجي إنجاز وعد ففرح بالوفا ما قد أغمّه
فمثلك من وفا حقًا ومثلي يفوز بقربكم في الدهر ثمة
ولما رجعت من القدس كان يكاتبني كل وقت وأكاتبه وغالب كتبه التي أرسلها لي مشحونة بنظمه وفيه أشياء حسنة ونكات أدبية مستحسنة ومن إنشاده ما كتبه لي في جواب كتاب كتبته إليه فقال:
وافا مثالك يزهو لا نظير له في كل معنىً بديع غير مجتلب
يمر بالسمع يحلو في الفؤاد ففي ضروب أجزائه ضرب من الضرب
ومن نظمه ما أنشده في الباسطية التي بالقدس يهنئ واقفها القاضي عبد الباسط فقال:
أغبطكم كون المهيمن خصكم بأن صرت والسلطان يوسف في قرن
فأنتم بنيتم خانقاه تصوف كذاك بناها فاتفقتم على سنن
وفاق بناكم ما بناه لكونه على حرم البيت المقدس قد ركن
وأن الذي فيه يصلي مشاهد لقبلتي الإسلام في الفرض والسنن
ولم يك في القدس الشريف سواهما حضور بجمع بعد عصر من الزمن
وهذا عطاء لا ينال بحيلة ولكن بتوفيق من الله ذي المنن
فوقيت ما تخشاه حالًا وموئلًا وجوزيت في الدنيا وعقباك بالحسن
ومن نظمه ما أرسله إلي في كتاب وفيه ورقة مختصة بالحافظ شمس الدين الدمشقي الشهير بابن نصار الدين فسأله عن حديث "شراركم عزابكم" وذكر أن هذا الحديث ذكره الشيخ شهاب الدين ابن العماد في منظومته المسماة كفاية. . . . فاستفتح السؤال بهذين البيتين:
علم الحديث مسلم في عصرنا للحافظ الأستاذ شمس الدين
[ ٥٧ ]
حطت رحال مؤمليه ببابه يبغين منه معالم النبيين
فكتب الحافظ المذكور الجواب له واستفتحه بهذين البيتين:
بُشرى ببشرى الله حين أثابكم حسن الثناء عليكم في العالم
أنتم حياة للعفاة لأنكم حقًا سليل أبي الحياة العالم
توفي المذكور إلى رحمة الله تعالى بعد مرض طويل عُوفي منه وتصدق بمال كثير ثم انتكس عن قريب وأتته منيته في شهر رجب سنة إحدى وأربعين وثمان مائة.
وفي هذه السنة التي مات فيها وصلني منه كتابان عفا الله تعالى عنه.
* * *