ذِكْرُ النُّوشَجَانُ، عَنْ عَمِّهِ يَعْقُوبَ النَّصْرَانِيِّ كَاتِبِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ فَيْرُوزَ بْنَ يَزْدَجِرْدَ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ مُلُوكِ الرُّومِ يَسْتَهْدِيهِ كَبِيرًا مِنْ حُكَمَائِهِمْ وَحَاذِقًا مِنْ أَطِبَّائِهِمْ، فَاخْتَارَ مِنْ بُلْدَانِ مَمْلَكَتِهِ رَجُلًا، فَلَمَّا وَفَدَ عَلَى فَيْرُوزَ، قَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْحَكِيمُ، أَنْهَضْنَاكَ إِلَى أَرْضِنَا لِتَخْتَارَ مِنْ بُلْدَانِ مَمْلَكَتِنَا لَنَا بَلَدًا تَصِحُّ بِهِ هَذِهِ الْأَرْكَانُ الْأَرْبَعَةُ الْكِبَارُ الَّتِي بِسَلَامَتِهَا يَطُولُ بَقَاءُ الْحَيَوَانِ، وَبِاعْتِدَالِهَا تَصْحَبُ الْأَجْسَامَ الصِّحَّةُ وَتُزَايِلُهَا الْعِلَّةُ، يَعْنِي بِالْأَرْكَانِ الْأَرْضَ، وَالْمَاءَ، وَالْهَوَاءَ، وَالنَّارَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَكَيْفَ أُدْرِكُ ذَلِكَ، قَالَ: اسْتَقْرِ بُلْدَانَ مَمْلَكَتِنَا، فَمَا وَقَعَ اخْتِيَارُكَ عَلَيْهِ فَاكْتُبْ إِلَيَّ مِنْهُ لِأَتَقَدَّمَ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ، وَأَتَّخِذَهُ دَارَ مَمْلَكَتِي، وَأَتَحَوَّلُ إِلَيْهِ، فَانْتَدَبَ الرُّومِيُّ طَائِفًا فِي بُلْدَانِ مَمْلَكَتِهِ وَوَقَعَ اخْتِيَارُهُ عَلَى أَصْبَهَانَ، فَأَقَامَ بِهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي طُفْتُ فِي مَمْلَكَتِكَ فَانْتَهَيْتُ إِلَى بَلَدٍ لَا يَشُوبُ شَيْئًا مِنْ أَرْكَانِهِ فَسَادٌ، وَقَدْ نَزَلْتُ أَنَا مِنْهُ فِيمَا بَيْنَ حِصْنَيْ قَرْيَةِ يوان، فَإِنْ رَأَى الْمَلِكُ أَنْ يُقْطِعَنِي مَا بَيْنَ الْحِصْنَيْنِ مِنْ أَرْضِ يوان وَيُطْلِقَ لِي بِنَاءَ كَنِيسَةٍ وَدَارٍ، فَأَطْلَقَ لَهُ مَسْأَلَتَهُ، فَبَنَى دَارَهُ بِإِزَاءِ الْحِصْنَيْنِ، وَوَقَعَتْ رُقْعَتُهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ دَارُ النُّوشَجَانِ وَإِسْحَاقَ مِنْ يوان إِلَى السَّاعَةِ وَبَنَى الْبِيعَةَ بِإِزَاءِ الْحِصْنِ الْآخَرِ وَعَنَى بِالْحِصْنِ الْآخَرِ مَوْضِعَ رُقْعَةِ مَسْجِدِ الْجَامِعِ الْيَوْمَ، إِذْ كَانَ حِينَئِذٍ حِصْنَانٍ مِنْ حُصُونِ قَرْيَةِ يوان، وَوَقَعَتْ رُقْعَةُ الْبَيْعَةِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الَّذِي عَلَى طَرَفِ مَيْدَانِ سُلَيْمَانَ وَبِنَاؤُهُ بَاقٍ إِلَى السَّاعَةِ وَتَقَدَّمَ الْمَلِكُ فَيْرُوزُ إِلَى أَرْدَسَابُورَ بْنِ آذَرْمَانَانَ الْأَصْبَهَانِيِّ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ بِإِتْمَامِ بِنَاءِ سُورَةِ مَدِينَةِ جَيٍّ وَتَعْلِيقِ أَبْوَابِهَا، فَعَزَمَ فَيْرُوزُ عَلَى التَّحَوُّلِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى أَصْبَهَانَ ثُمَّ انْتَقَضَ عَزْمُهُ بِخُرُوجِهِ إِلَى أَرْضِ الْهَياطِلَةِ وَهَلَاكُهُ هُنَاكَ ثُمَّ وَلِيَ الْأَمْرَ قَبَاذُ بْنُ فَيْرُوزَ فَلَمَّا
[ ١ / ٥٦ ]
اسْتَقَرَّ فِي الْمُمَلَّكَةِ تَقَدَّمَ إِلَى الرُّومِيِّ أَنْ يَخْتَارَ لَهُ بَلَدًا مُعْتَدِلَ الْهَوَاءِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَوَسِّطِ فِي حَالِ اللُّدُونَةِ، وَالرُّطُوبَةِ، وَالْيُبُوسَةِ، نَسِيمُهُ خَفِيفٌ رَقِيقٌ مُضِيءٌ يَسْتَرْوِحُ إِلَيْهِ الْقُلُوبَ، وَيَنْفَسِحُ لَهُ الْأَبْصَارُ وَيَخْتَارُ لَهُ مِنَ الْأَحْطَابِ أَطَنَّهَا صَوْتًا، وَأَطْيَبَهَا رَائِحَةً، الَّتِي الْتِهَابُهَا صَافٍ، وَحَرُّهَا مُتَوَسِّطٌ وَدُخَانُهَا مَعَ قِلَّتِهِ عَذِيُّ، وَيَخْتَارُ لَهُ مِنَ الْمِيَاهِ الْفُرَاتِ الزُّلَالَ الصَّافِيَ الْعَذْبَ، الْخَفِيفَ الْوَزْنِ، السَّرِيعَ الِامْتِزَاجِ بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، الْبَعِيدَ الْيَنْبُوعِ، الْمُنْحَرِفَ مِنَ الْغَرْبِ إِلَى الشَّرْقِ، الشَّدِيدَ الْجِرْيَةِ، الدَّائِمَ الِاقْتِبَالِ لِلْمَطَالِعِ، فَلَا يَشُوبُهُ طَعْمٌ كَرِيهٌ، وَلَا رَائِحَةٌ مُنْكَرَةٌ، وَلَا غَالِبُ الْبَيَاضِ، وَلَا نَاصِعُ الْخُضْرَةِ، وَلَا أَوْرَقُ الْقَتَمَةِ لِطِيبَةِ التُّرْبَةِ وَأَنْ يَخْتَارَ لَهُ مِنَ الْبُلْدَانِ أَطْيَبَهَا تُرْبَةً، وَأَسْطَعَهَا رَائِحَةً، وَأَصْفَاهَا هَوَاءً، وَأَنْقَاهَا جَوًّا، وَأَزْهَرَهَا كَوَاكِبَ، وَأَوْضَحَهَا ضِيَاءً، الَّتِي لَا عُيُونُ الْكِبْرِيتِ بِقُرْبِهَا، وَإِذَا احْتُفِرَ فِيهَا آبَارٌ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى طَمِّهَا، الْقَرِيبَةَ اللِّينَةَ، الْمُعْتَدِلَةَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ، لَا قَرِيبَةٌ مِنَ الْفَلَكِ وَلَا بَعِيدَةٌ مِنْهُ، لَا مُرْتَفِعَةٌ صُعُودًا، وَلَا مُنْخَفِضَةٌ هُبُوطًا، وَلَا مُتَدَانِيَةٌ، وَلَا مُتَبَايِنَةٌ مِنَ الْبِحَارِ، مُوَازِيَةٌ لِوَسَطِ الْأَرْضِ، وَحَيْثُ يَقِلُّ فِيهَا هُبُوبُ الرِّيَاحِ الْعَوَاصِفِ جَازَهَا نَهْرٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ الرُّومِيُّ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَجَدْتُ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَفُوتُهَا الْقَلِيلُ مِنْهَا فِي إِيرَانَ شَهْرَ وَهُوَ أَصْبَهَانُ وَلَمَّا مَاتَ بِلَاشُ أَخُو قَبَّاذَ وَكَانَ لِلْعُلُومِ مُحِبًّا، وَإِلَى الْآدَابِ مُشْتَاقًا، نَظَرَ قَبَّاذٌ فِي كُتُبِهِ فَاسْتَحْسَنَ تَذْكِرَةَ الرُّومِيِّ الْمُسْتَوْطِنِ أَصْبَهَانَ فَفَرَّقَ الْمُهَنْدِسِينَ فِي بُلْدَانِ مَمْلَكَتِهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي نَفْضِ الْبِقَاعِ، وَوَزْنِ الْمِيَاهِ، وَسَوْفِ التُّرَابِ، وَالْفَحْصِ عَنْ أَخْلَاقِ سُكَّانِ الْبُلْدَانِ، وَأَعْرَاقِهِمْ، فَانْتَدَبُوا لِمَا أَمَرَهُمْ وَكَتَبُوا إِلَيْهِ وَأَعْلَمُوهُ، وَجَدْنَا أَخْصَبَ بِقَاعِ مَمْلَكَةِ الْكَرِيمِ السَّعِيدِ الرَّءُوفِ عَشَرَةَ مَوَاضِعَ: أَرْمِينِيَةُ وَأَذَرْبِيجَانُ، وَدسنين، وَمَاهْ دِينَارَ
[ ١ / ٥٧ ]
، وَمَاهْ نِهَاوَنْدَ، وَماه كران، وَكَرْمَانَ، وَأَصْبَهَانُ، وَقُومِسُ، وَطَبَرِسْتَانُ، وَوَجَدْنَا أَخَفَّ بِقَاعِ مَمْلَكَتِهِ مَاءً عَشَرَةَ مَوَاضِعَ: دِجْلَةَ، وَالْفُرَاتِ، وَزَرْنَرْوَذَ أَصْبَهَانَ، وَمَاءُ سُورَانَ، وَمَاءُ ذَاتِ الْمَطَامِيِر مِنْ قُرَى حُلْوَانَ، وَمَاءُ هفنجاني، وَمَاءُ جُنْدِيَسَابُورَ، وَمَاءُ بَلْخٍ، وَمَاءُ سَمَرْقَنْدَ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ أَصْبَهَانَ: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ الرُّومِيِّ مِنْ خِفَّةِ الْمِيَاهِ أَنَّ الْمُوَفَّقَ كَانَ يُنْقَلُ إِلَيْهِ الْمَاءُ مَطْبُوخًا مِنْ زرنروذِ أَصْبَهَانَ لَمَّا عُزِلَ عَنْ أَصْبَهَانَ إِلَى بَغْدَادَ إِلَى أَنْ مَاتَ وَعَادَ الْحَدِيثُ إِلَى قَوْلِ الرُّومِيِّ، قَالَ: وَوَجَدْنَا أَسْرَى بِقَاعِ مَمْلَكَتِهِ فَوَاكِهَ سَبْعَةِ مَوَاضِعَ: طرسفون وَهُوَ الْمَدَائِنُ، وَبلاشون وَهُوَ حُلْوَانُ، وَماسبذان، وَنَهَاوَنْدُ، وَأَصْبَهَانُ، وَالرَّيُّ، وَنَيْسَابُورُ وَوَجَدْنَا أَقْحَطَ مَوَاضِعِ مَمْلَكَتِهِ ثَمَانِيَةَ
[ ١ / ٥٨ ]
مَوَاضِعَ: مِيسَانَ، ودست ميسان وَلكلتانيةَ، وَبادريا، وَباكسيا، وَماسبذان وَوَجَدْنَا أَعْقَلَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ: أَصْبَهَانَ، وَالْحِيرَةَ، وَالْمَدَائِنَ، وَمَاءَ دِينَارٍ، وَنَيْسَابُورَ، وَإِصْطَخْرَ، وَالرَّيَّ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَنَشْوَى وَوَجَدْنَا أَوْبَأَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ: النوبندجان، وَسَابُورُ خُوَاسْتَ، وَجُرْجَانَ، وَحُلْوَانَ، وَبَرْذَعَةَ، وَإِصْطَخْرَ، وَزنجان وَوَجَدْنَا أَمْكَرَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ: ماسبذان، وَمِهْرِجَانَ، وَخُوزِسْتَانَ، وَالرَّيَّ، وَالرُّويانَ، وَأَذَرْبِيجَانَ، وَأَرْمِينِيَّةَ
[ ١ / ٥٩ ]
، وَالْمَوْصِلَ، وَشَهْرَزُورَ، وَالصَّامَغَانَ وَوَجَدْنَا أَبْصَرَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِالْخَرَاجِ: أَصْبَهَانَ، وَكَسْكَرَ، وَعَبَرْتَا، وَحُلْوَانَ، وَماسبذان، وَهُرْمُشِيرَ وَوَجَدْنَا أَبْخَلَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ: مَرْوَ، وَإِصْطَخْرَ، وَدَارَابْجِرْدَ، وَخُوزَ، وَخُوزِسْتَانَ، وَمَاهْ سبذان، وَدبيل، وَمَاهَ دِينَارس، وَحُلْوَان
[ ١ / ٦٠ ]
، وَماسبذان وَوَجَدْنَا أَسْفَلَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ: الْبَنْدِيجَانَ، وَبادرايا، وَباكسيا، وَبهندف، وَقهور، وَخُوزِسْتَانَ وَوَجَدْنَا أَقَلَّ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ نَظَرًا فِي الْعَوَاقِبِ: طَبَرِسْتَانَ، وَأَرْمِينِيَّةَ، وَقُومِسَ، وَكوستان، وَهراةَ، وَكَرْمَانَ، وَماه كران، وَشَهْرَزُورَ فَلَمَّا نَظَرَ قَبَّاذٌ فِيمَا ذُكِرَ لَهُ مِنَ الْبُلْدَانِ مَيَّزَ مَا بَيْنَ الْمَدَائِنِ إِلَى نَهْرِ بَلْخٍ، فَلَمْ يَجِدْ بُقْعَةً أَنْزَهَ وَلَا أَعْذَبَ مَاءً وَلَا أَلَذَّ نَسِيمًا مِمَّا بَيْنَ قرماسين إِلَى عَقَبَةِ هَمَذَانَ، فَأَنْشَأَ قرماسين وَبَنَى فِيهَا لِنَفْسِهِ بِنَاءً مُعَمَّدًا عَلَى أَلْفِ كَرْمٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْبِنَاءِ، قَالَ: كردمان شَاهَانْ فَسُمِّيَ كردمان شَاهَانْ، ثُمَّ عُرِّبَ فَقِيلَ قرماسين وَمَعْنَاهُ قَدْ بَنَيْتَ مَسْكَنَ الْمُلُوكِ فَلَمَّا مَيَّزَ قَبَّاذٌ مَمْلَكَتَهُ وَعَرَفَ الْبِقَاعَ وَمَسَحَ الْبِلَادَ وَعَدَّ الْفَرَاسِخَ نَقَلَ الْأَشْرَافَ مِنْ فَارِسَ وَخُرَاسَانَ وَبِلَادِ الفهلويين وَهِيَ أَصْبَهَانُ، وَالرَّيُّ، وَهَمَذَانُ، وَمَاءُ نِهَاوَنْدَ، وَمَاءُ دِينَارٍ، فَأَسْكَنَهُمْ حَافَتَيْ دِجْلَةَ، ثُمَّ أَنْزَلَ أَهْلَ الصِّنَاعَاتِ بَطْنَ جوخي، ثُمَّ أَنْزَلَ التُّجَّارَ هُرْمُشِيرَ، وَالْأَطِبَّاءَ جُنْدِيَسَابُورَ، وَالْحَاكَةَ السُّوسَ وَتُسْتَرَ، وَالْحَجَّامِينَ بادرايا وَباكسايا "
[ ١ / ٦١ ]
وَرَوَى صَاحِبُ كِتَابِ أَصْبَهَانَ، وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِسْنَادَهُ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ السِّيَرِ: أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ وَلَّى عَلَى أَصْبَهَانَ وَهْزَاذَ بْنَ يَزْدَادَ الْأَنْبَارِيَّ، وَكَانَ ابْنَ عَمٍّ لِكَاتِبِهِ زَاذَانَ فَرُّوخَ الْمَجُوسِيِّ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهِ فِي مُقَامِهِ بِأَصْبَهَانَ يَسْأَلُهُ نَظَرًا لِأَهْلِهَا بِبَعْضِ خَرَاجِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ كِتَابًا، هَذِهِ نُسْخَةُ بَعْضِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي اسْتَعْمَلْتُكَ يَا وَهْزَاذُ عَلَى أَصْبَهَانَ أَوْسَعِ الْمَمْلَكَةِ رُقْعَةً وَعَمَلًا، وَأَكْثَرِهَا خَرَاجًا بَعْدَ فَارِسَ وَالْأَهْوَازِ، وَأَزْكَاهَا أَرْضًا حشِيشُهَا الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْدُ، وَجَبَلُهَا الْفِضَّةُ وَالْإِثْمِدُ، وَأَشْجَارُهَا الْجَوْزُ، وَاللَوْزُ، وَالْكُرُومُ الْكَرِيمَةُ وَالْجِلَوْزُ، وَالفواكهُ الْعَذْبَةُ، طَيْرُهَا عَوَامِلُ الْعَسَلِ، وَمَاؤُهَا فُرَاتٌ، وَخَيْلِهَا الْمَاذِيَانَاتُ الْجِيَادُ، أَنْظَفُ بِلَادِ اللَّهِ طَعَامًا، وَأَلْطَفِهَا شَرَابًا، وَأَصَحِّهَا تُرَابًا، وَأَوْفَقِهَا هَوَاءً، وَأَرْخَصِهَا لَحْمًا، وَأَطْوَعِهَا أَهْلًا، وَأَكْثَرِهَا صَيْدًا، فَأَنَخْتَ عَلَيْهَا يَا وَهْزَاذُ بِكَلْكَلٍ اضْطُرَّ أَهْلُهَا إِلَى مَسْأَلَتِكَ مَا سَأَلْتَ لَهُمْ لِتَفُوزَ بِمَا يُوضَعُ عَنْهُمْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا وَإِلَّا أُبْعِدُكَ عَنْ ظَنِّ السُّوءِ فَسَتُرَدُّ فَتَعْلَمُ، وَإِنْ صَدَقْتَ فِي بَعْضِهِ وَقَدْ أَخْرَبْتَ الْبَلَدَ، أَتَظُنُّ يَا وَهْزَاذُ أَنْ أُنَفِّذَ لَكَ مَا مَوَّهْتَ وَسَحَرْتَ مِنَ الْقَوْلِ وَقَعَدْتَ تُشِيرَ عَلَيْنَا بِهِ، فَعَضَّ يَا وَهْزَاذَ عَلَى غُرْلَةِ أَيْرِ أَبِيكَ، وَمُصَّ بَظْرَ أُمِّكَ، وَايْمُ اللَّهِ، لَتَبْعَثَنَّ إِلَيَّ بِخَرَاجِ أَصْبَهَانَ كُلِّهِ، أَوْ لَأَجْعَلَنَّكَ طَوَابِيقَ عَلَى أَبْوَابِ مَدِينَتِهَا، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ أَوْفَقَ الْأَمْرَيْنِ لَهَا أَوْ ذَرْ، وَالسَّلَامُ " وَحكى أَبُو مَعْشَرٍ أَنَّ الْمُلُوكَ طَلَبُوا لِمُسْتَوْدَعِ الْعُلُومِ مِنَ الظُّرُوفِ أَصْبَرَهَا عَلَى الْأَحْدَاثِ وَأَبْقَاهَا عَلَى الدَّهْرِ وَأَبْعَدَهَا مِنَ التَّعَفُّنِ وَالدُّرُوسِ فَاخْتَارُوا لَهَا لِحَاءَ شَجَرِ التُّوزِ، وَاقْتَدَى بِهِمْ أَهْلُ الْهِنْدِ وَالصِّينِ فَاخْتَارُوهَا أَيْضًا لِقِسِيِّهِمُ الَّتِي يَرْمُونَ عَنْهَا؛ لِصَلَابَتِهَا وَبَقَائِهَا عَلَى الْقَسِّيِّ غَابِرَ الدَّهْرِ، فَلَمَّا كَتَبُوا مُسْتَوْدَعَ عُلُومِهِمْ فِي أَجْوَدِ مَا وَجَدُوهُ مِنَ الظُّرُوفِ طَلَبُوا لَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ وَبُلْدَانِ الْأَقَالِيمِ أَصَحَّهَا تُرْبَةً، وَأَقَلَّهَا عُفُونَةً، وَأَبْعَدَهَا مِنَ الزَّلَازِلِ وَالْخُسُوفِ، وَأَعْلَكَهَا طِينًا، وَأَبْقَاهَا عَلَى الدَّهْرِ بِنَاءً فَانْتَفَضُوا بِلَادَ الْمَمْلَكَةِ وَبِقَاعِهَا فَلَمْ يَجِدُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَجْمَعَ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ مِنْ أَصْبَهَانَ، ثُمَّ فَتَّشُوا عَنْ بِقَاعِ هَذَا الْبَلَدِ فَلَمْ يَجِدُوا فِيهَا أَفْضَلَ مِنْ رُسْتَاقِ جَيِّ، وَلَا وَجَدُوا فِي
[ ١ / ٦٢ ]
رُسْتَاقِ جَيٍّ أَجْمَعَ لِمَا رَامُوهُ مِنْ مَدِينَةِ جَيٍّ فَجَاءُوا إِلَى قهندز هُوَ فِي دَاخِلِ الْمَدِينَةِ حَتَّى بُنِيَ بِنَاءٌ عَجِيبٌ مُحْكَمٌ وَثِيقٌ فَأَوْدَعُوهُ عُلُومَهُمْ وَقَدْ بَقِيَ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا وَهُوَ يُسَمَّى سارويه وَلَقَدْ تَهَدَّمَتْ مِنْ هَذِهِ الْمَصْنَعَةِ قَبْلَ زَمَانِنَا بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ نَاحِيَةٌ فَوَجَدُوا فِي أَزَجٍ مَعْقُودٍ مِنْ طِينِ الشيفتق كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْ كُتُبِ الْأَوَائِلِ كُلُّهَا فِي لِحَاءِ التُّوزِ مُودَعَةً أَصْنَافَ الْعُلُومِ مِنْ عُلُومِ الْأَوَائِلِ بِالْكِتَابَةِ الْفَارِسِيَّةِ
[ ١ / ٦٣ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمُذَكِّرَ، يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الدَّقَّاقَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ الْمُحَدِّثِينِ، يَقُولُ: دَخَلَ أَيُّوبُ بْنُ زِيَادٍ الْأَصْبَهَانِيُّ عَلَى الْمَأْمُونِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: " يَا أَيُّوبُ، صِفْ لِي أَصْبَهَانَ وَأَوْجِزْ، فَقَالَ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَوَاؤُهَا طَيِّبٌ، وَمَاؤُهَا عَذْبٌ، وَحَشِيشُهَا الزَّعْفَرَانُ، وَجِبَالُهَا الْعَسَلُ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَخْلُوَ مِنْ خِلَالٍ أَرْبَعٍ: جَوْرُ السُّلْطَانِ، وَغَلَاءُ الْأَسْعَارِ، وَقِلَّةُ الْأَمْطَارِ، وَفَقْدُ مِيَاهٍ "، فَأَطْرَقَ الْمَأْمُونُ سَاعَةً وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: يَا أَيُّوبُ، لَعَلَّ قُرَّاءَهَا مُنَافِقُونَ، وَتُجَّارَهَا مُرْبِئُونَ، وَتُنَّاءَهَا شَرَبَةُ خُمُورٍ، وَفِي أَطْرَافِهَا لَا يُصَلُّونَ كَذَا رُوِيَ: دَخَلَ أَيُّوبُ عَلَى الْمَأْمُونِ، وَوَهِمَ الْمُذَكِّرُ أَوْ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِيهِ، فَإِنَّ أَيُّوبَ بْنَ زِيَادٍ الَّذِي كَانَ عَامِلًا عَلَى أَصْبَهَانَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ وَالسُّوقَ كَانَ يَلِي عَلَى أَصْبَهَانَ مِنْ قِبَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَلَمْ يَعِشْ إِلَى خِلَافَةِ الْمَأْمُونِ
[ ١ / ٦٣ ]
سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ يَقُولُ غَيْرَ مَرَّةٍ: سَمِعْتُ مَنْ يَحْكِي: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ صَاحِبَ مَيْدَانِ سُلَيْمَانَ الْأَصْبَهَانِيِّ دَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ، فَقَالَ لَهُ: صِفْ لِي أَصْبَهَانَ وَأَوْجِزْ، فَقَالَ: " هَوَاؤُهَا طَيِّبٌ، وَمَاؤُهَا عَذْبٌ، وَحَشِيشُهَا الزَّعْفَرَانُ، وَجِبَالُهَا الْعَسَلُ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَخْلُوَ مِنْ خِلَالٍ أَرْبَعٍ: جَوْرُ سُلْطَانٍ، وَغَلَاءُ الْأَسْعَارِ، وَقِلَّةُ أَمْطَارٍ، وَقِلَّةُ مِيَاهٍ "، فَأَطْرَقَ الْمَأْمُونُ سَاعَةً، وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ يَنْكُتُ بِهِ الْأَرْضَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، لَعَلَّ قُرَّاءَهَا مُنَافِقُونَ، وَتُجَّارَهَا مُرْبِئُونَ، وَتُنَّاءَهَا شَرَبَةُ خُمُورٍ، وَفِي أَطْرَافِهَا لَا يُصَلُّونَ "
[ ١ / ٦٣ ]
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ حَيَّانَ فِي آخَرِينَ يَقُولُونَ: سَمِعْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدوسٍ الطَّحَّانَ الْفَقِيهَ، يَقُولُ: قَالَ لِي ابْنُ زُغْبَةَ بِمِصْرَ: " بَلَغَنِي يَا أَهْلَ أَصْبَهَانَ: أَنَّ سَهْلَكُمْ زَعْفَرَانُ، وَجَبَلَكُمْ عَسَلٌ، وَلَكُمْ فِي كُلِّ ذَرَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ "، فَقُلْتُ: كَذَلِكَ بَلَدُنَا، فَقَالَ: «لَا أُصَدِّقُ هَذَا، هَذِهِ الْجَنَّةُ بِعَيْنِهَا»
[ ١ / ٦٣ ]
سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ الْعُكْبُرِيَّ ⦗٦٤⦘ بِمَكَّةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ابْنَ بِنْتِ مَنِيعٍ، يَقُولُ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «لَوْلَا أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ فَارِسَ ثُمَّ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ»
[ ١ / ٦٣ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَأَبُو أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ قَالَا: ثنا أَبُو خَلِيفَةَ، ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «لَوْ لَمْ أَكُنْ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ»
[ ١ / ٦٤ ]
وَقَالَ حُجَيْن بْن الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: «لَوْ تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ بَلَدٍ، لَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ»
[ ١ / ٦٤ ]
حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رُسْتَةَ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْمُؤَذِّنُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ الْمَكِّيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ، سَمِعْتُ عَمِّي إِدْرِيسَ يَقُولُ، سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يَقُولُ: " كَتَبَ نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعَانَ يَسْتَمِدُّ الرِّجَالَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ أَنْ يُحَارِبُوا رَبَّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَكَتَبُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ الْبُلْدَانِ: نَعَمْ نَعَمْ، مَا خَلَا أَصْبَهَانَ، وَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا طَاقَةَ لَنَا بِإِلَهِ السَّمَاءِ، وَنُحَارِبُ مَنْ شِئْتَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ، فَعَذُبَ مَاؤُهُمْ، وَطَابَ هَوَاؤُهُمْ، وَكَثُرَ فَاكِهَتُهُمْ، وَصَحَّ تُرْبَتُهُمْ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ " قَالَ وَهْبٌ: «وَبَلَغَنِي أَنَّ الْمَيِّتَ يُدْفَنُ بِأَصْبَهَانَ فَبَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ تَرَاهُ جَافًّا فِي قَبْرِهِ» رَوَاهُ الْخَصِيبُ بْنُ جَحْدَرِ، عَنْ وَهْبٍ، نَحْوَهُ
[ ١ / ٦٤ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الضَّرَّابَ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ رَجُلٍ ذَكَرَهُ، عَنْ خَصِيبِ بْنِ جَحْدَرٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " لَمَّا تَأْبَى نُمْرُوذُ، وَجَحَدَ قُدْرَةَ الرَّبِّ تَعَالَى بَعَثَ إِلَى أَهْلِ النَّوَاحِي يَحْشُرُهُمْ لِمُحَارَبَةِ رَبِّ الْعِزَّةِ، فَتَفَرَّقُوا وَصَارُوا فِي جِبَالِ أَصْبَهَانَ، وَقَالُوا: كَلَّا، لَا نَجْحَدُ قُدْرَةَ الرَّبِّ رَبِّ السَّمَاءِ، فَأَنْبَتَ اللَّهُ فِي تُرْبَتِهَا الزَّعْفَرَانَ، وَأَلْقَى فِي جِبَالِهَا الشَّهْدَ، فَبِهَا سُمِّيَ أَصْبَهَانَ أَي أصبه كافربد " قَالَ إِسْحَاقُ: " وَبَنَى ماربين يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ: كَانَ يَجُولُ فِي الدُّنْيَا فَدَخَلَ أَصْبَهَانَ فَنَزَلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ماربين وَإِنَّمَا سُمِّيَ ماربين لِأَنَّهُمْ بَصُرُوا بِحَيَّةٍ ارْتَفَعَتْ مِنَ الْأَرْضِ فَقِيلَ لِيُوشَعَ ماربين أَيِ انْظُرْ إِلَى الْحَيَّةِ فَسُمِّيَ ماربين بِهَا "
[ ١ / ٦٤ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ⦗٦٥⦘ مُحَمَّدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فُورَكٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، ثنا شَاذَةُ بْنُ الْمِسْوَرِ، ثنا نُصَيْرُ بْنُ الْأَزْهَرِ، ثنا أَبُو عُبَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّاجِيُّ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: " زَعَمَ أَنَّ نُمْرُوذَ بْنَ كَنْعَانَ كَتَبَ فِي الْبِلَادِ يَسْتَمِدُّهُمْ لِمُحَارَبَةِ رَبِّهِ تَعَالَى، فَأَجَابُوهُ كُلُّهُمْ إِلَّا أَهْلَ أَصْبَهَانَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ لَا طَاقَةَ لَنَا بِمُحَارَبَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "، أَوْ قَالَ: " رَبِّ السَّمَاءِ، قَالَ: فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُمْ، فَطَيَّبَ مَاءَهُمْ، وَطَيَّبَ فَوَاكِهَهُمْ، وَطَيَّبَ هَوَاءَهُمْ "
[ ١ / ٦٤ ]
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ حَيَّانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مَنْ يَحْكِي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّحْوِيِّ، قَالَ: " خَرَجَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ إِلَى ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ فِي حَوَائِجَ لَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، قَالَ: أَنْتُمْ مِنَ الَّذِينَ لَا يَزَالُ فِيهِمْ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مُسْتَجَابِي الدَّعْوَةِ؟ " قَالُوا: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ نُمْرُوذَ بْنَ كَنْعَانَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى السَّمَاءِ كَتَبَ فِي الْبُلْدَانِ يَدْعُوهُمْ إِلَى مُحَارَبَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأَجَابُوهُ كُلُّهُمْ إِلَّا أَهْلَ أَصْبَهَانَ، فَحَمَلَ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مُقَيَّدِينَ، فَلَمَّا أَنْ نَظَرُوا إِلَى وَجْهِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ آمَنُوا بِهِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَبَدًا بِأَصْبَهَانَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ، فَلَا يَزَالُ بِأَصْبَهَانَ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ " وَكَانَ نُمْرُوذُ أَوَّلَ مَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ مَلَكُوا الدُّنْيَا شَرْقًا وَغَرْبًا، وَهُوَ نُمْرُوذُ بْنُ كُوشَ بْنِ كَنْعَانَ بْنِ حَامٍ، وَقَالَ بَعْضُ النَّسَّابَةِ ابْنُ سَنْحَارِيبَ بْنِ كَنْعَانَ بْنِ كُوشَ بْنِ حَامٍ وَهُوَ صَاحِبُ النُّسُورِ، وَهُوَ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، بَقِيَ فِي مُلْكِهِ سَبْعِينَ سَنَةً لَا يَمَسُّهُ أَحَدٌ، وَلَا يَمَسُّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ التَّاجَ، وَبَنَى الصَّرْحَ لِمُحَارَبَةِ رَبِّ السَّمَاءِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ لِذَلِكَ
[ ١ / ٦٥ ]
فِيمَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ السِّنْدِيِّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوْيْهِ الْقَطَّانُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ، أَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ قَدْ قَرَأَ الْكُتُبَ: " أَنَّ نُمْرُوذَ كَتَبَ إِلَى الْقَبَائِلِ، وَالْعَشَائِرِ، وَالْبِلَادِ، وَكُلِّ مَلِكٍ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ ذَلَّتْ لَهُ مُلُوكُ الْأَرْضِ، وَكَانَ يَنْزِلُ أَرْضَ السَّوَادِ، قَالَ: فَجَمَعَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا، وَكَانَ لَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ، قَالَ: فَجَلَسَ لَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: أَتَعْلَمُونَ لِمَ دَعَوْتُكُمْ وَجَمَعْتُكُمْ، قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ قَبْلَكُمْ أُمَمٌ وَقُرُونٌ، وَأَنَّ فِي السَّمَاءِ مَلِكًا أَهْلَكَهُمْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ، وَإِنِّي أَرَى مِنَ الرَّأْيِ أَنْ أَبْنِيَ صَرْحًا فَأَرْتَفِعَ إِلَى السَّمَاءِ فَيَكُونَ الْمُلْكُ لِي أَوْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ لِي أَمِنْتُمْ مِنْ بَأْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِي أَمِنْتُمْ، قَالُوا: رَأْيُنَا لِرَأْيِ الْمَلِكِ، قَالَ: فَخَرَجُوا يَأْتَمِرُونَ فِي مَوْضِعِ الصَّرْحِ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ تَبَلْبَلَتْ أَلْسِنَتُهُمْ، لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ لُغَةَ صَاحِبِهِ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ " وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «إِنَّمَا تَبَلْبَلَتِ الْأَلْسُنُ يَوْمَ جَعَلَ اللَّهُ
[ ١ / ٦٥ ]
النَّارَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بَرْدًا وَسَلَامًا»
[ ١ / ٦٦ ]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ السِّنْدِيِّ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوْيْهِ الْقَطَّانُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ السِّنْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " أَنَّ نُمْرُوذَ بَنَى الصَّرْحَ فَارْتَفَعَ فِي السَّمَاءِ صَرْحٌ لَهُ سَبْعَةُ آلَافِ دَرَجَةٍ، قَالَ: وَجَعَلَ يَرْمِي فِي السَّمَاءِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ نَبْلَهُ مُخْتَضِبًا دَمًا، فَأَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ: إِنِّي قَتَلْتُ مَلِكَ السَّمَاءِ، فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ ﵇، فَصَاحَ فِي أَسْفَلِ الصَّرْحِ صَيْحَةً فَصَارَ رَمِيمًا وَسَقَطَ عَنْ صَرْحِهِ عَلَى مَزْبَلَةٍ تُصِيبُ خَيَاشِيمَهُ وَشَفَتَهُ عَذِرَةُ إِنْسَانٍ حَتَّى انْغَمَسَ فِيهَا هَوَانًا مِنْهُ عَلَى اللَّهِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦] "
[ ١ / ٦٦ ]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مَلَّةَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ، ثنا أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ، يَقُولُ: «أَصْبَهَانُ سُرَّةُ الْعِرَاقِ»
[ ١ / ٦٦ ]
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الطِّهْرَانِيُّ الْمُؤَدِّبُ، ثنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّامِرِيُّ الْخَزَّازُ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ غُلَامُ الْخَلِيلِ، ثنا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿، قَالَ: لَمَّا قَالَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، أَجَابَهُ أَرْضُ أَصْبَهَانَ فَأَصْبَهَانُ فَمُ الدُّنْيَا وَلِسَانُهَا "
[ ١ / ٦٦ ]
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ إِمْلَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُمَرَ رُسْتَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ، يَقُولُ: «خِيَارُ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، وَشِرَارُهُمْ شِرَارُ النَّاسِ»
[ ١ / ٦٦ ]
حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَجَازَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، فَمَرَّ عَلَى أَخْوَالِهِ بَنِي كَاهِلٍ، فَقَالَ: «أَيُّ الْمَالِ أَجْوَدُ؟» قَالُوا: مَالُ أَصْبَهَانَ، قَالَ: «أَعْطُونِي مِنْ مَالِ أَصْبَهَانَ»
[ ١ / ٦٦ ]
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ مَعَ مَسْرُوقٍ بِالْبَصْرَةِ، فَإِذَا بَيْنَ يَدَيْهِ تَلٌّ مِنْ وَرِقِ ثَلَاثَةِ آلَافِ أَلْفٍ مِنْ خَرَاجِ أَصْبَهَانَ، فَقَالَ: " يَا أَبَا وَائِلٍ، مَا ظَنُّكَ بِرَجُلٍ يَمُوتُ وَيَدَعُ مِثْلَ هَذَا، قَالَ: فَقُلْتُ: وَكَيْفَ إِذَا كَانَ مِنْ غُلُولٍ؟ قَالَ: «فَذَاكَ شَرٌّ عَلَى شَرٍّ»
[ ١ / ٦٦ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ لُوَيْنٌ، يَقُولُ ⦗٦٧⦘: «مَا رَأَيْتُ كُورَةً أَحْسَنَ بِنَاءً وَأَعْذَبَ مَاءً مِنْ هَذِهِ الْكُورَةِ، وَجَعَلَ يَذْكُرُ أَنْهَارَهَا، وَكَثْرَةَ أَهْلِهَا، وَعُمْرَانِهَا، وَنَظَافَةَ طُرُقِهَا»، فَقَالَ: «لَوْ كَانَتْ مَجَالِسُ لَصَلَحَ لَهَا»، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى نَهْرِ فدين فَأَعْجَبَهُ، فَقَالَ: «لَوْ أَقَمْتُ بِكُورَةٍ مَا أَقَمْتُ إِلَّا بِأَصْبَهَانَ»
[ ١ / ٦٦ ]
وَحَدَّثَ عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: «مَا لِيمَ قَوْمٌ نَزَلُوا عَلَى مَاءٍ عَذْبٍ»
[ ١ / ٦٧ ]
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ حَيَّانَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: " لَمَّا سَارَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فِي شَرْقِ الدُّنْيَا وَغَرْبِهَا طَالِبًا لِمَاءِ الْحَيَوَانِ، أَخَذَ عَلَى الْبَرِّ ثُمَّ رَجَعَ عَلَى الْبَحْرِ، فَلَمْ يَدَعْ مَدِينَةً إِلَّا دَخَلَهَا عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى أَصْبَهَانَ دَخَلَ مَدِينَتَهَا وَلَمْ يَنْزِلْهَا وَخَرَجَ عَنْهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَابَهَا الشَّرْقِيَّ دَعَى بِالْفَعَلَةِ، فَقَالَ: احْفِرُوا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ حُفْرَةً حَتَّى تَبْلُغُوا الْمَاءَ "، فَحَفَرُوا خَارِجَ الْبَابِ حُفْرَةً فَبَلَغُوا الْمَاءَ سَاعَةً وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى دَابَّتِهِ فَقَالُوا: قَدْ بَلَغْنَا الْمَاءَ، فَقَالَ: اكْبِسُوهَا، وَرُدُّوا مَا أَخَرَجْتُمْ مِنْهَا، وَأَعِيدُوهَا كَمَا كَانَتْ "، فَفَعَلُوا، وَلَمْ يَبْقَ مِمَّا أُخْرِجَ مِنْهَا شَيْءٌ وَاحْتَاجَ إِلَى زِيَادَةٍ، فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ قَدْ رَدَدْنَا مَا حَفَرْنَا مِنْهَا إِلَى الْمَوْضِعِ فَلَمْ تَسْتَوِ الْحُفْرَةُ وَلَا رَجَعَتْ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذِهِ مَدِينَةٌ قَحْطَةٌ، لَا تَخْلُو مِنْ قَحْطِ الْمَطَرِ وَالسِّعْرِ الْغَالِي، ثُمَّ ارْتَحَلَ عَنْهَا مِنْ سَاعَتِهِ مَاضِيًا "
[ ١ / ٦٧ ]
وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَخْلَدٍ، وَكَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ يَقُولُ: " وَقُتِلَ بِأَصْبَهَانَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ لَعَنَهُ اللَّهُ، تَرَكَ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، زَعَمَ أَنَّهُ يَرْتَادُ دِينًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ شَكَّ فِي الْإِسْلَامِ، قَتَلَهُ سَلْمُ بْنُ أَحْوَزَ عَامِلٌ كَانَ بِأَصْبَهَانَ مِنْ قِبَلِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَذَاكَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ: بَلَغَنِي أَنَّ قِبَلَكَ رَجُلًا مِنَ الدَّهْرِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، فَإِنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، فَقَتَلَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَذَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَحُدِّثْنَاهُ فِي مَجْمُوعَةٍ فِي فَضِيلَةِ الْفُرْسِ مُرْسَلًا مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ
[ ١ / ٦٧ ]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ نُبَيْهٍ، سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الزَّاهِدَ، يَقُولُ: كُنَّا نَخْتَلِفُ إِلَى الشَّاذَكُونِيِّ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِأَهْلِ الْيَهُودِيَّةِ: إِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَجْلِسِ فَتَعَالَوْا إِلَى الْبَيْتِ لِأَزِيدَكُمْ شَيْئًا، قَالَ: فَكَانَ يُمْلِي عَلَيْنَا خَمْسَةَ أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ، قَالَ: فَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَزَاحَمُونَا وَكَانُوا يُؤْذُونَنَا، قَالَ: فَقَالَ الشَّاذَكُونِيُّ: «هَذِهِ الْعَدَاوَةُ الَّتِي بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْيَهُودِيَّةِ مِنْ أَيَّامِ أَبِي مُوسَى لِأَنَّ أَهْلَ الْيَهُودِيَّةِ جَاءُوا مَعَ أَبِي مُوسَى إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى أَخَذُوهَا، فَوَقَعَتْ هَذِهِ الْعَدَاوَةَ مِنْ يَوْمَئِذٍ» قَالَ الشَّيْخُ ﵀ بَدَأْنَا بِعَوْنِ اللَّهِ بِذِكْرِ مَنْ قَدِمَ أَصْبَهَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَتَسْمِيَتِهِمْ مُجَرَّدًا مِنْ أَخْبَارِهِمْ، لِيَسْهُلَ حَفِظُهَا، وَمَعْرِفَةُ أَسَامِيهِمْ عَلَى مَنْ أَرَادَهَا، ثُمَّ نَذْكُرُهُمْ بِأَنْسَابِهِمْ، وَأَسْنَانِهِمْ، وَبَعْضِ أَحْوَالِهِمْ، مَقْرُونًا بِمَا يُقَرِّبُ وَيُسَهِّلُ مِنْ
[ ١ / ٦٧ ]
بَعْضِ أَحَادِيثِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَمِنْهُمْ رَيْحَانَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵉، وَسَابِقُ مَوْلُودِ الْمُهَاجِرِينَ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵄، وَسَابِقُ الفُرْسِ وَقَائِدُ الْعَجَمِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ﵁، وَالْحَبْرُ الرَّكِينُ وَالْعَامِلُ الْأَمِينُ سَابِقُ الْيَمَنِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُهُ الْمُسْتَشْهِدُ بِأَصْبَهَانَ مُوسَى بْنُ أَبِي مُوسَى ﵄، وَحَافِرُ الْآبَارِ، وَبَانِي الْحِيَاضِ لِلْحَجِيجِ وَالْعُمَّارِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كَرِيزٍ، وَنَاصِبُ الْأَلْوِيَةِ وَالرَّايَاتِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ، وَالْمُقَدَّمُ لِلْفُتُوحِ وَالْمِقْدَامُ فِي الْحُرُوبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ الْأَنْصَارِيُّ، وَالْمَشْهُورُ الْمَقَامِ وَالْمَذْكُورُ الْأَيَّامِ عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ، وَالْعَامِلُ الْأَمِينُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، وَالْبَطَلُ الصَّرِيعُ الْحَسَنُ الصَّنِيعِ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَالْمُتَوَلِّي لِلْجُنُودِ وَالْحَافِظُ لِلْعُهُودِ خَالِدُ بْنُ غَلَّابٍ، وَشَاهِدُ الْفَتْحِ الشَّافِعُ لِلْبَيْعَةِ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ، وَالْمَشْهُودُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ حُمَمَةُ الدَّوْسِيُّ، وَعُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ شَهِدَ مَعَ النَّبِيَّ ﷺ غَزْوَتَيْنِ، وَالشَّاعِرُ الْحَكِيمُ الْمَدْعُو لَهُ بِالثَّبَاتِ وَالتَّبْيِينِ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ، وَالْوَاقِفُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِخْنَفُ بْنُ سُلَيْمٍ الْغَامِدِيُّ، وَأُهْبَانُ بْنُ أَوْسٍ الْأَسْلَمِيُّ مُكَلِّمُ الذِّئْبِ، وَالْمُتَغَطِّي بِفِرَاشِ الرَّسُولِ وَالْمُتَوَفَّى فِي مِخْضَبِهِ ﷺ أَبُو إِبْرَاهِيمَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَعَتِيقَةُ، وَالسَّائِبُ بْنُ الْأَقْرَعِ الثَّقَفِيُّ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ أَنَّهَا سَبَقَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، قِيلَ إِنَّ اسْمَهَا أَمَةُ اللَّهِ ﵃ أَجْمَعِينَ
[ ١ / ٦٨ ]