عقب خروجي من وظيفتي الدبلوماسية في كانون الثاني ١٩٦٩، وتحرري من اعبائها، عنت لي فكرة العودة الى الجامعة، وتحقيق امنية عزيزة على قلبي، الا وهي مواصلة الدرس والتحصيل بصرف النظر عن فوات سن التلمذة حسب اعتقاد الكثير من الناس (من اللطيف ان جامعة كمبرج استقبلت في تشرين الاول ١٩٧٤ طالبا عمره ٦٧ سنة لدراسة اللغات والحصول على شهادة ب ع)، لان طلب العلم لا يتحدد بسن معينة. وقد جاء في الحديث: «اطلبوا العلم من المهد الى اللحد» . ولذا فانني قصدت بريطانيا للتعرف على امكانيات الحصول على قبول في احدى جامعاتها. وكان من حسن حظي ان اختار كمبرج. والذي حصل ان المستشرق البريطاني الكبير الراحل الاستاذ آربري، تفضل رغم مرضه الشديد باستقبالي في داره لبحث الموضوع، وقد رحب بفكرتي كل الترحيب مشجعا اياي على المضي فيما عزمت عليه وواعدا بالمساعدة. واثناء الحديث سألني عما اذا كنت قد فكرت في دراسة موضوع معين، فاجبته بالنفي، وقلت له بانني أفضل موضوعا يتصل بالتاريخ مما لا علاقة له بالاحياء من قريب او بعيد، لانني قد
[ ١ / ٧ ]
شبعت من امور هؤلاء خلال خدمتي الدبلوماسية التي قاربت ربع قرن من الزمان، كما انني قاسيت منهم ما فيه الكفاية، وكل الذي اريده هو الابتعاد عنهم ما استطعت الى ذلك سبيلا.
وعندها تفضل الأستاذ الراحل فاقترح عليّ دراسة «تاريخ اربل» لابن المستوفي والقيام بتحقيقه، وناولني جزءا من فهرس مخطوطات «مكتبة جيستر بيتي» في دبلن، الذي يحوي ما ذكره هو عن الكتاب المذكور. ورغم انني لم اسمع من قبل بالكتاب ولا بمؤلفه، ولم اعرف عنهما اي شيء كثير أو قليل، وان المذكور في الفهرس لا يتجاوز بضعة اسطر هي وصف للمخطوطة لا غير، اقول رغم ذلك كله فقد بادرت بالموافقة على الاقتراح فورا، ووعدته ببذل كل جهد ممكن للاخذ باقتراحه. ففرح بذلك واوصاني بمراجعة الأستاذ سارجنت في «معهد الدراسات الشرقية» بالجامعة، لان مرضه كان يحول دون مشاركته في اعمال المعهد، وقد كان ذلك. وهنا ايضا وجدت من الأستاذ سارجنت كل ترحيب وتشجيع، كما وعدني بالمساعدة في الحصول على القبول، وهكذا كان. وانني اذ اكتب هذه المقدمة ارى من واجبي الاعتراف بفضل الأستاذ الراحل آربري عليّ، اولا لتشجيعه اياي على دخول الجامعة بعد ان كنت مترددا بسبب انقطاعي عنها منذ امد بعيد، وثانيا لاقتراحه عليّ دراسة «تاريخ اربل» الذي وجدته بالفعل كتابا يستحق الدراسة والتحقيق. اما الاستاذ سارجنت فانني عاجز عن إيفائه حقه من الشكر والامتنان على المساعدات القيمة التي توالت منه باستمرار منذ لقيته اول مرة في شباط ١٩٦٩ حتى اللحظة الاخيرة من انجاز اطروحتي تحت اشرافه الحكيم وارشاداته الثمينة.