هُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الْكُرْدِيُّ (١) الزِّرْزَارِيُّ (%) وَرَدَ فِي الْحَاشِيَةِ تَعْلَيقٌ نَصُّهُ «لِمُحَرِّرِهِ مُحَمَّدِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ رَاضِي النَّجَفِيِّ-/ مِنْ رُسْتَاقٍ مِنْ رَسَاتِيقِ إِرْبِلَ﵀-. كَانَ إِمَامًا عَالِمًا وَرِعًا زَاهِدًا، سَلَكَ فِي خَشَانَةِ الدِّينِ مَسْلَكَ التَّابِعِينَ، وَرَحَلَ الرِّحْلَةَ الْوَاسَعَةَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَكَتَبَ الْكَثِيرَ. أَدْرَكَ الشَّيْخَ أبا الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب الصوفي السجزي (٢) الماليني بهزاة (٣)، وَسَمِعَ عَلَيْهِ «صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ» (٤) وَعِدَّةَ أَجْزَاءٍ. وَسَمِعَ بِبَغْدَادَ أَحْمَدَ بْنَ طَاهِرٍ الْمِيهَنِيَّ (٥)، وَالْمُبَارَكَ بْنَ الْحَسَنِ الشَّهْرَزُرِيَّ (٦) وَغَيْرَهُمَا. وَسَمِعَ مِنْ أَحَادِيثَ أَصْبَهَانَ (٧) عَلَى الْحَافِظِ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي عِيسَى الْمَدِينِيِّ الْأَصْبَهَانِيِّ (٨) بِأَصْبَهَانَ وَعَلَى أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النِّيلِيِّ الْأَصْبَهَانِيِّ (٩) وَعَلَى غَيْرِهِمْ. وَسَمِعَ أَحَادِيثَ الْبَغْدَادَيِّينَ، وَكَانَ إِمَامًا فِي علم القرآن، صنف في القراآت كتابين يدخل كل منهما في جلد، سَمَّى أَحَدَهُمَا «الْمُؤْنِسَ» وَالْآخَرَ «الْمُنْتَخَبَ» (١٠) .
[ ١ / ٣٨ ]
كان على غاية ما يكون عليه، زاهد (ح ح) مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، يَقِفُ الْمُلُوكُ بِبِابِهِ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ، وَإنْ أَذِنَ لَهُمْ جَلَسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، لَمْ يَدْعُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَلَمْ يُعَامِلْهُ إِلَّا بِمَا يُنَافِي قَاعِدَةَ رَسْمِهِ. سُمِعَ عَلَيْهِ الْحَدِيثِ بِالْمَوْصِلِ واربل وغيرهما. إِلَّا أَنَّهُ كَانَ بِإِرْبَلَ أَقَلَّ إِسْمَاعًا. حَضَرْتُ فِي بَعْضِ قَدَمَاتِهِ وَسَأَلْتُهُ السَّمَاعَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَفْعَلُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- فَإِنِّي قَدْ وَصَلْتُ وَأَنَا فِي تَعَبِ الطَّرِيقِ. فَسَأَلْتُهُ: الْإِجَازَةَ، فَتَلَفَّظَ لِي بِهَا. ثُمَّ مَنَعَتْ عَنْ لِقَائِهِ مَوَانِعُ، فَسَافَرَ مِنْ إِرْبِلَ وَغَابَ عَنْهَا غَيْبَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ عَادَ فَمُنِعَ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الْبَتَّةَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ مَرَّةً فَرَأَيْتُ رَجُلًا/ قَدْ نَهَكَتْهُ الْعِبَادَةُ، كَانَ يَأْكُلُ فِي كُلِّ شَهْرٍ نصف مكوك (أ) حِنْطَةً يَحْمِلُهُ فُتُوتًا وَيَنْقَعُهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ عِنْدِ إِفْطَارِهِ وَيَأْكُلُهُ فِي زُبْدِيَّةٍ خَضْرَاءَ مَخْرُوشَةٍ فَانْكَسَرَتْ مِنْهَا قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ، فَقُلْتُ لِلْقَيِّمِ بِأَمْرِهِ: وَلِمَ لَا يَشْتَرِي الشَّيْخُ عِوَضَهَا؟ فَقَالَ: قد اسْتَأْذَنْتُهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ:
هَذَهِ تَكْفِينِي إِلَى أَنْ أَمُوتَ، فَمَاتَ وَلَمْ يَأْكُلْ فِي غَيْرِهَا. وَكَانَ مَأْكُولُهُ مِنْ غَلَّةِ مِلْكٍ لَهُ، وَكَانَ يَأْكُلُ مَعَهُ يَسِيرًا مِنَ الزَّبِيبِ الْأَسْوَدِ.
وَأَقَامَ بِإِرْبَلَ إِلَى أَنْ مَاتَ﵀- وَلَمْ يَنَمْ صَيْفًا أَوْ شِتَاءً إِلَّا دَاخِلَ الدَّارِ الَّتِي كَانَ فِيهَا، لَمْ يَخْرُجْ إِلَى سَطْحٍ وَلَا إِلَى سَاحَةٍ، وَلَا أُوقِدَ عَنْدَهُ سِرَاجٌ قَطُّ.
كَانَ- فِيمَا بَلَغَنِي- يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْكَرِيمَ بَيَدِهِ مِنْ حِفْظِهِ، وَكَانَ تَحْتهُ بَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ (ب) وَعَلَيْهَا تُوُفِّيَ. فَحَضَرَتْهُ وَقَدْ مَرِضَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ مَرَضِهِ وَسُئِلَ الدُّعَاءَ لِي، فَدَعَا لِي﵀- وَكَانَ صَائِمًا فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ، وَكَانَ يُعْطَى الثَّلْجَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. وَكَانَ تَحْت رَأْسِهِ لَبِنَةٌ فَسُئِلَ تَغْيِيرَ هَذَهِ الْحَالَةِ فَأَبَى، فَلَمَّا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ جُعَلَ تَحْتهُ كِيسَ خَامٍ محشوة. فلم يزل على هذه الحال الى أَنْ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ الَّتِي صَبِيحَتُهَا عَاشِرُ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعَينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَدُفِنَ ضَاحِيَ نَهَارِهِ بِالْمَقْبَرَةِ الْعَامَّةِ (١١) ظَاهِرَ إِرْبِلَ مَنْ شَرْقِيِّهَا، وَكَانَ يَوْمُ دَفْنِهِ مَشْهُودًا. نَزَلَ إِلَى قَبْرِهِ وَأَلْحَدَهُ الْفَقِيرُ إِلَى اللَّهِ- تَعَالَى-
[ ١ / ٣٩ ]
أبو سعيد كوكبورى (ت) بن علي بن بُكْتِكِينَ (١٢) - أَعَادَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْنَا بَرَكَتَهُ- وَقُدِّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ شَيْخُنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ الْمُبَارَكُ بْنُ طَاهِرٍ الْخُزَاعِيُّ (١٣) . وَأَنَا/ ذَاكِرٌ مِنْ أَحَادِيثِهِ مَا أُقَدِّمُهُ أَمَامَ هَذَا الْفَصْلِ طَلَبًا لِلْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ (١٤) بِالْمَوْصِلِ بقراءتي عليه، وأنبأني الزرزاري (ث) قال: اخبر (ج ج) الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ الزِّرْزَارِيُّ بِقَرَاءَتِي عَلَيْهِ، وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بن بوخن (ح ح ح) بْنِ أَبوَيْهِ بْنِ النُّعْمَانِ الْبَاوِرِيُّ (١٥) قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النِّيلِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ (١٦)، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْخَلِيلِيُّ الْبَلْخِيُّ (١٧)، أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم علي بن أحمد ابن مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ (١٨)، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ مَعْقِلٍ الشَّاشِيُّ (١٩)، أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ، أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ (٢٠) - ﵀- قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ (٢١)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ (٢٢) حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ (٢٣) عَنْ مُجَالِدٍ (٢٤) عَنِ الشَّعْبِيِّ (٢٥) عَنْ مَسْرُوقٍ (٢٦) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ نِسَاءَهُ حَدِيثًا، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: «كَانَ الْحَدِيثُ حَدِيثَ خُرَافَةَ» . فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا خُرَافَةَ؟ كَانَ رَجُلًا مِنْ عُذْرَةَ (٢٧) أَسَرَتْهُ الْجِنُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ دَهْرًا، ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الْإِنْسِ، فَكَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَى فِيهِمْ مِنَ الْأَعَاجِيبِ فقال الناس: «حديث خرافة» . (ج)
وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّهِ﵀- قَالَ: أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ ابي (ح) بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَدِينِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ مِنْ/ لَفْظِهِ بِأَصْبَهَانَ، فِي مَنْزِلِهِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، قال: أخبرنا أبو الطيب طلحة بن أبي مَنْصُورٍ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي ذَرٍّ الصَّالْحَانِيُّ (٢٨) فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عَشَرَةِ وَخَمْسِمِائَةٍ، قَالَ:
[ ١ / ٤٠ ]
أَخْبَرَنَا جَّدِي أَبُو ذَّرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سبط الصالحاني الواعظ (٢٩)، أخبرنا أبو محمد عبد اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، أَبِي الشَّيْخِ (٣٠) قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ رَسْتَهْ (٣١)، حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ عَمْرٍو (٣٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ (٣٣) عَنْ حُمَيْدٍ (٣٤) عَنْ أَنَسٍ (٣٥) قَالَ: «أَتَتْ بي أمي الى النَّبِيَّﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا خُوَيْدِمُكَ، فَخَدَمْتُ النَّبِيَّﷺ- تِسْعَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ قَطُّ أَسَأْتَ، وَلَا بِئْسَ مَا صنعت» . (خ)
اجْتَمَعَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ رَمَضَانَ التِّبْرِيزِيُّ (٣٦) بِإِرْبِلَ، وَكَانَ ذُكِرَ لِأَبِي حامد فظاظة أخلاقه على الإربليين، فاستأذنه (د) في زِيَارَتِهِ فَامْتَنَعَ مِنْهَا، فَمَا أَحَسُّوا بِهِ إِلَّا وَقَد زَارَ أَبَا حَامِدٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ أبو حامد وتبرك به، هاب الناس (ذ) الشَّيْخَ أَحْمَدَ لِذَلِكَ، وَتَحَدَّثَا إِلَي أَنْ مَضَى أَكْثَرُ اللَّيْلِ. وَفِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيةِ زَارَهُ أَبُو حَامِدٍ، وَصَارَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ سَمِعْتُ أَبَا الْعَلَاءِ الْحَافِظَ (٣٧) بِهَمَذَانَ يُثْنِي عَلَى هَذَا الشَّيْخِ، وَيَأْمُرُ أَهْلَ هَمَذَانَ بِزِيَارَتِهِ وَيَسْتَحْسِنُ مَا أَنْكَرَهُ الْإِرْبَلِيُّونَ مِنُ فَظَاظَتِهِ عَلَى الْوُلَاةِ، وَلُطْفِهِ بِالْفُقَرَاءِ﵄-.