ان مخطوطة «تاريخ اربل» نسخة فريدة لا اخت لها، ولقد استقصيت ما تيسر لي من فهارس المخطوطات في مختلف انحاء العالم، بل وزرت عددا من المكتبات في بريطانيا وارلندا وتركيا ولبنان واقطار المغرب العربي، علّني اجد اثرا لنسخ اخرى فلم اوفق. ولذا فقد كان اعتمادي على نسخة دبلن وحدها، وهذا بحد ذاته مشكلة عويصة بالنسبة للمحقق، اذ يحرمه من امكانيات المعارضة والمقابلة والاستزادة من التحقيق والاستبانة. ومما زاد في تعقيد المشكلة ان الحبر الذي كتبت به المخطوطة اصبح باهتا بمرور الزمن، فجاءت صور بعض الصفحات اشبه بالبيضاء، الامر الذي حملني على التماس جلب المخطوطة من دبلن الى كمبرج، وقد وافق السيد هايس امين مكتبة جيستر بيتي، مشكورا على ارسالها بصورة استثنائية، وهذا فضل منه لا انساه. وبذلك تمكنت من قراءتها واستنساخها بالشكل المطلوب. ومع ذلك فلا يزال عندي عدد من الكلمات بل وبعض العبارات التي تعذر عليّ قراءتها القراءة الصحيحة. وبعد ان قمت بتحقيق النص- وفقا لما سأبينه- سافرت بنفسي الى دبلن وراجعت النص المحقق مرة اخرى على اصل المخطوطة
[ ١ / ٢٦ ]
زيادة في التحري وحرصا على اخراجه باقصى ما يمكن من الضبط والدقة.
اما خطتي في التحقيق فتقوم على محاولة اثبات النص الصحيح واعادة كتابته وفقا لقواعد الاملاء المعروفة في الوقت الحاضر، وتلافي ما فيه من نقص في التنقيط، والاشارة الى الحروف والكلمات التي سقطت سهوا من الناسخ، وتصحيح اسماء الأعلام الواردة فيه وفقا لما جاء في الكتب المعتمدة. وحيث ان المخطوطة وحيدة- كما اسلفنا- فان عملية تثبيت النص كانت صعبة جدا، اذ اقتضت مني جهودا كبيرة لقراءتها حرفا حرفا للتحقق من انسجام السياق وللتأكد من صحة العبارات من الوجهة اللغوية.
وحيث ان المخطوطة حافلة بالشعر، ففيها حوالي ٢٥٠٠ بيت، الامر الذي استوجب علاوة على ما تقدم، التحقق من انضباط الوزن وفقا لبحور الشعر المعروفة.
اما بالنسبة لتدقيق المعلومات الواردة في الكتاب، بل وتحقيق بعض النصوص ايضا، فانني راجعت كل كتاب تيسر لي العثور عليه، وظننت ان فيه بعض بغيتي، حتى زادت مراجعي على الخمسمائة. ولقد راجعت كثيرا من الكتب التي لم ادرجها في ثبت المراجع بسبب عدم عثوري فيها على شيء يمكنني الاستفادة منه في التحقيق. والحقيقة ان الجهد الذي اضعته في هذا المجال كان اضعاف الجهد المبذول في الكتابة (اعني كتابة الاطروحة)، اذ كثيرا ما اضطررت لمراجعة عشرات المراجع التي قد تبلغ الثلاثين عدا في كل مرة لتحقيق كلمة واحدة، ثم عدت خائبا بخفي حنين. وهذا الجهد- بطبيعة الحال- لا يظهر له اثر في ثنايا البحث لان ثمراته كانت سلبية، ولا يعرفه حق المعرفة الا من كابده.
ولقد آليت على نفسي ان لا اترك شيئا يمر دون تحقيق، سواء كان ذلك
[ ١ / ٢٧ ]
اسم علم لشخص أو موضعا او قبيلة او طائفة من الناس، او كان آية قرآنية كريمة او حديثا شريفا، او اسم كتاب او بيتا من الشعر، او كلمة غامضة المعنى او حدثا تاريخيا، الا وراجعت مظانها للتحقق من صحتها او لاستكمال المعلومات المتعلقة بها، أو لزيادة التعريف والايضاح، او لشرح المعنى.
ولهذا فقد تجمع لدي من حصيلة ذلك حوالي ستة آلاف بطاقة اكثرها اسماء اعلام، لذلك كان جل اعتمادي على كتب التاريخ والتراجم والطبقات، علاوة على كتب التفسير والحديث والمعاجم الجغرافية ودواوين الشعر وكتب الادب ومعاجم اللغة. والحقيقة ان مراجعي شملت تقريبا كل الفنون التي ألف بها العرب والمسلمون، فضلا عن عدد من الكتب الحديثة التي كتب بعضها الاجانب. وان نظرة واحدة على ثبت المراجع تكفي لادراك ما اقول.
وحرصت على ان ادون نتائج التحقيق واشير الى مراجعها في الحواشي، خلافا لما جرى عليه بعض المحققين الذين قصروا همهم على الاتيان «بالنص الصحيح»، والاشارة فقط الى مختلف القراءات المتعلقة بالنص لا غير، دون تكليف انفسهم عناء الشرح والتعليق، او التعريف بالشخصيات والمواضع الوارد ذكرها في المتن، او ايضاح الغامض من الاصطلاحات وما اليها. ولكنني وجدت انه ليس من الممكن الفصل بين عملية الاتيان بالنص الصحيح وبين تلك التعليقات للاسباب الآتية:
أ- قد يكون بالامكان اخراج نص صحيح دون الحاجة الى التعليق ومراجعة المؤلفات، اذا تيسر للمحقق عدة نسخ من المخطوطة خالية من التصحيف والتحريف (ويفضل ان تكون بينها نسخة المؤلف) . وهذا امر غير متوفر في اغلب الاحيان. اما بالنسبة لتاريخ اربل، فان الموجود منه هو نسخة واحدة لا غير، ولذا اصبح من المتعين الرجوع الى المؤلفات الاخرى لضبط النص. بل حتى لو توفرت النسخ الصحيحة فان من الضروري مراجعة
[ ١ / ٢٨ ]
الكتب الاخرى ذات العلاقة للتحقق من كيفية ضبط الاسماء والانساب وما الى ذلك.
ب- اعتاد النساخ المسلمون على عدم التنقيط في كثير من الاحيان، او انهم يكتبون النقط في غير اماكنها مما يؤدي الى التباس غير قليل لا سيما في الحروف المتشابهة مثل «ج، ح، خ، و، ب، ت، ث، ن، ى» وما اليها. وهذا بطبيعة الحال يفضي الى الخلط في الاسماء، اذ ليس لضبطها قاعدة يمكن الركون اليها، وبالتالي فمن الواجب مراجعة المظان ذات العلاقة من اجل ضبطها.
ت- ان النص ليس دائما واضح المعنى، كما ان الاسماء الاسلامية كثيرا ما تتشابه سواء في الاسم الاول او في اسماء الآباء والاجداد والانساب، ولا بد لازالة الاشكال الناشىء عن ذلك، من ايضاح المعنى المقصود، او التعريف بالشخص المذكور في المتن تمييزا له عن غيره ممن يشاركه في الاسم والنسب.
ث- ثم ان للقارئ حقا على المحقق، هو ان يقدم له المادة خالية من الشوائب، ويدله- اذا ما عنت له رغبة في المراجعة والتدقيق او الاستزادة- على المراجع التي تعينه لتحقيق غرضه.
ج- ثم ان المحقق مضطر بطبيعة الحال الى مراجعة الكثير من المخطوطات والمطبوعات المنتشرة في مختلف انحاء العالم، مما لا يتيسر للقراء- بل وحتى للمختصين منهم- الرجوع اليها، فانه يكون من زيادة الخير والنفع ان يشرك المحقق قراءه بثمرات ما توصل اليه من خلال تلك المراجع.
وان السبيل الى ذلك هو اغناء المتون بالحواشي الدسمة.
ولهذه الاسباب، اخترت الاخذ بالمنهاج القائم على توضيح النص
[ ١ / ٢٩ ]
بالحواشي والتعليقات ما استطعت الى ذلك سبيلا، لقناعتي بان التحقيق الصحيح ينبغي ان يكون على هذه الشاكلة. ولقد نقلت المتن بكل امانة ودقة، وعند ما اضطررت الى تقويم الخطأ الاملائي او ازالة التصحيف، اشرت الى ذلك في كل حالة من تلك الحالات. الا انني وجدت من المفيد ترقيم التراجم ليسهل الرجوع اليها واضفت الى كل واحدة منها تاريخي الولادة والوفاة لاصحابها. كما انني في بضع حالات وضعت عنوانا لتراجم وردت غير معنونة. وقد اشرت الى ذلك كله في موضعه.
ولقد خرجت التراجم الواردة في المخطوطة بمراجعة الكتب ذات العلاقة، وحاولت استقصاء اخبار اصحابها في جميع المراجع التي تيسر لي الاطلاع عليها، ولم اكتف بذلك بل عرّفت بجميع الرجال الوارد ذكرهم عرضا في ثنايا الكتاب، وفعلت مثل ذلك بالنسبة للاماكن والقبائل والاقوام. كذلك اشرت الى مواضع الآيات القرآنية، وخرجت الاحاديث على كتب الحديث المعتمدة، وفعلت الشيء نفسه بالنسبة للشعر- كلما تيسر لي ذلك. ولم يكن ذلك سهلا في كثير من الحالات، خصوصا وان غير قليل من المراجع خال من الفهارس، ولا سيما المخطوطات الامر الذي اضطرني لفهرستها ليتسنى لي الاستفادة منها. فعملت فهارس لعدد من المخطوطات كتاريخ بغداد لابن الدبيثي والمختار من ذيل تاريخ بغداد لابن السمعاني (وقد عمله ابن المكرم) وتايخ بغداد لابن النجار وتكملة المنذري (وهذه كلها من مخطوطات كمبرج)، وبعض اجزاء «عقود الجمان» لابن الشعار (مخ استانبول) .
كذلك اضطررت لعمل فهارس لبعض الكتب المطبوعة التي تعذر علي في حينه الحصول على فهارسها كمعجم الالقاب لابن الفوطي وذيل مرآة الزمان لليونيني ومستدرك الدكتور مصطفى جواد على «المختصر المحتاج اليه» . واعددت ايضا فهارس لابواب بعض كتب الحديث. وقد زاد مجموع صفحات تلك
[ ١ / ٣٠ ]
الفهارس على ٤٠٠ صفحة، استغرق اعدادها وقتا طويلا واستنفد مني جهدا كبيرا.
وعلاوة على ذلك فان اخبار اربل وحكامها والبارزين من ابنائها مبثوثة في كتب التاريخ والتراجم بين ثنايا السطور، وكان عليّ ان اقرأ تلك الكتب حرفا حرفا لغرض تجميع المادة ثم تنيسيقها وفقا لمواضيع الاطروحة، وفي ذلك ما فيه من المتاعب واستنزاف الوقت. ولكن كان لتلك القراءات الطويلة المرهقة فائدة اخرى لم اكن اتوقعها، اذ كنت اكتشف بمحض الصدفة معلومات في غاية الاهمية بالنسبة لتحقيق النص الذي كنت بصدده، بل وفي بعض الاحيان وفقت في العثور على حل لمشاكل اقلقتني زمنا طويلا ويئست بعد الجهد الجهيد من امكان حلها، فاهتديت مثلا الى صحة قراءة بيت من الشعر، او الى معرفة اسم قائله، او تعرفت على ظروف حدث من الاحداث او مناسبة من المناسبات. فكان ذلك خير عوض واحسن جائزة.
وعلى كل حال، فقد بذلت اقصى ما امكنني من الجهد محاولا اخراج هذا الكتاب بشكل يليق به وبمؤلفه. وارجو ان اكون قد وفقت في اداء حقه حسبة الى الله تعالى. اما اذا كنت قد اخفقت فارجو من القارئ الكريم ان يعذرني اذ انني بشر عرضة للخطأ والصواب، والعصمة لله وحده والسلام.
كمبرج (بريطانيا) في ٢٠ شوال ١٣٩٤ هـ.
الموافق ٥ تشرين الثاني ١٩٧٤.
سامي بن السيد خماس الصقار
[ ١ / ٣١ ]
/ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ تَارِيخِ بَنِي الْعَبَّاسِ «١» بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ