هو أبو عبد الله (أ) مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْخَضِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بن الخضر بن علي ابن عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَرَّانِيِّ (١)، مِنْ كفر (٢) باجدّا (ب) إِمَامٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، مُشَارٌ إِلَيْهِ بِحَرَّانَ (٣)، وَاعِظٌ يُدَرِّسُ فِي كُلِّ يَوْمٍ التَّفْسِيرِ. وَرَدَ إربل حاجّا في سنة أربع وستمائة، وَجَلَسَ بِالدِّيوَانِ بِالْقَلْعَةِ، وَحَضَرَ مَجْلِسَهُ الْفَقِيرُ إِلَى الله- تعالى- أبو سعيد كوكبوري بن علي بْنِ بُكْتُكِينَ، وَزَوَّدَهُ إِلَى مَكَّةَ الْمَحْرُوسَةِ فَأَحْسَنَ زَادَهُ. عِنْدَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَغْدَادِيِّينَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، كأبي الفتح محمد بن عبد الباقي ابن الْبَطِّيِّ (٤) وَأَبِي الْفَضْلِ أَحْمَدَ بْنِ شَافِعٍ (٥) وَغَيْرَهُمَا. لَمْ أَسْمَعْ عَلَيْهِ، رَأَيْتُ لَهُ مُجَلَّدًا سَمَّاهُ «تحفة الخطباء (ت) مِنَ الْبَرِيَّةِ فِي الْخُطَبِ الْمِنْبَرِيَّةِ» (٦) يَحْتَوِي عَلَى خُطَبٍ مِنْ إِنْشَائِهِ، سَلَكَ فِيهَا مَسْلَكِ ابْنِ نُبَاتَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- سُئِلَ عَنْ مَوْلِدِهِ، فَقَالَ: فِي أَوَاخِرِ شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَوَجَدْتُهُ بِخَطِّهِ فِي إِجَازَةٍ كَذَلِكَ (ث) .
تَفَقَّهَ فِي حَدَاثَتِهِ بِبَغْدَادَ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ﵁-، مُغَالٍ فِي مُعْتَقَدِهِ، قَائِمٌ عَلَى حِفْظِ مَذْهَبِهِ. وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّهِ، مِنْ كِتَابٍ كَتَبَهُ إِلَى الْفَقِيرِ إِلَى الله- تعالى- أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- أدام/ الله سلطانه- أوّله [الكامل]
رِدْ بِالْعِطَاشِ عَلَى دُمُوعِي وَامْلَأْ مَزَادَاتِ الْجَمِيعِ
وَاخْبِرْهُمُ أَنَّ الْمُكَدَّرَ صَفْوُهَا لَوْنُ النَّجِيعِ
وَإِذَا أَرَادُوا النَّارَ فَاقْبِسْهُمْ لَظَاهَا مِنْ ضُلُوعِي
نَفْسٌ تَذُوبُ عَلَى الْأَحِبَّةِ بِالْبُكَا ذَوْبَ الشُّمُوعِ
لَا تَحْسَبُوهَا أَدْمُعًا هَطَلَتْ عَلَى طَلَلِ الرُّبُوعِ
لَكِنَّهَا نفس تقا طر بِالزَّفِيرِ مَعَ الدُّمُوعِ
لَهْفِي لِأَيَّامٍ خَلَتْ كَانَتْ كأيّام الرّبيع
[ ١ / ٩٦ ]
يُقَبِّلُ الْيَدَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ، وَيُوَاصِلُ بِصَالِحِ الْأَدْعِيَةِ جَنَابَ الْمَوْلَى السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْمُعَظَّمِ، مُظَفَّرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، نَاصِرِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ- عَقَدَ اللَّهُ أَلْوِيَتَهُ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ، وَأَيَّدَ دَوْلَتَهُ بِأَيْدِي الْأَيْدِ وَالتَّسْدِيدِ، وَحَرَسَ هِمَّتَهُ بِإِلْهَامِهَا كُلَّ أَمْرٍ رَشِيدٍ، وَأَوْطَأَ قَدَمَهُ مِنْ سَامِقَاتِ الْمَجْدِ كُلَّ بُرْجٍ مَشِيدٍ، وَرَمَى أَعْدَاءَهُ بِالْقَهْرِ وَالتَّبْدِيدِ، وَلَا زَالَ مُتَفَيِّئًا ظِلَّ النِّعْمَةِ الْمَدِيدِ، قَامِعًا كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، ظَافِرًا مِنَ الدَّارَيْنِ بِكُلِّ مَا يُرِيدُ، حَظِيًّا فِي الآخرة بجنة طلعها نضيد (ج)، وأزواجها أبكار (ج) غِيدٌ، آمِنًا مِنْ غَصَصِ الْأَذَى وَالتَّنْكِيدِ، مُنْخَرِطًا في سلك المقول «لهم ما يشاءون ولدينا مزيد» (ج) بمحمد وآله وصحبه أولي الحمد والتمجيد.
«وَيُنْهِي عُكُوفَهُ عَلَى الدُّعَاءِ لِلْمَوْلَى عَنْ صِدْقِ وَلَاءٍ وَإِخْلَاصٍ، وَصَفْوٍ صَادِقٍ وَاخْتِصَاصٍ، وَاللَّهُ- تَعَالَى- يُحَقِّقُ الْأَمَلَ بِالْإِجَابَةِ، وَيَحْمَدُ لِلْمَوْلَى السُّلْطَانِ حَالَهُ ومآبه» .
/ بَلَغَنِي أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَقْتَ العصر، عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة بحرّان (ح) . وَحَدَّثَنِي الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ الْحَرَّانِيُّ (٧) مِنْ لَفْظِهِ قَالَ: وَهَذَا خَطُّهُ كَتَبَهُ لِي «وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْخَضِرِ بْنِ محمد ابن تيميّة، أبو عبد الله ابن أَبِي الْقَاسِمِ الْحَرَّانِيُّ الْخَطِيبُ الْمُقْرِئُ الْوَاعِظُ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ، حَسَنُ الْقَصَصِ حُلْوُ الْكَلَامِ، مَلِيحُ الشَّمَائِلِ، له القبول التام عند الخاص والعام (خ)، مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالدَّينِ. كَانَ أَبُوهُ أَحَدَ الأبدال (د) وَالزُّهَّادِ. حَدَّثَنِي غَيْرَ مَرَّةٍ، وَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنِ اسْمِ «تَيْمِيَّةَ» مَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: حَجَّ أَبِي أَوْ جَدِّي- أَنَا أَشُكُّ أَيُّهُمَا- قَالَ: وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ حَامِلًا، فَلَمَّا كَانَ بتَيْمَاءَ (٨) رَأَى جُوَيْرِيَةً خَرَجَتْ مِنْ خِبَاءٍ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى حَرَّانَ وَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ وَضَعَتْ جَارِيَةً، فَلَمَّا رَفَعُوهَا إِلَيْهِ قَالَ: يَا تَيْمِيَّةَ! يَا تَيْمِيَّةَ! يَعْنِي أَنَّهَا تُشْبِهُ الَّتِي رَأَى بِتَيْمَاءَ فَسُمِّيَ بِهَا، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ.
[ ١ / ٩٧ ]
تفقّه بحرّان على أبي الفتح أحمد ابن أبي الوفاء (٩)، وحامد بن محمود ابن أبي الحجر (١٠)، وببغداد على أبي الفتح (١١) ابن المنّي (ذ)، وأبي العباس ابن بَكْرُوسٍ (١٢) وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ فَهْمًا عَاقِلًا حَاذِقًا بِالْمُنَاظَرَةِ، صَنَّفَ مُخْتَصَرَاتٍ فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَتَوَلَّى التَّدْرِيسَ، وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ الرِّئَاسَةُ بِحَرَّانَ، وَكَانَ شَاعِرًا مُجَوِّدًا، قَدْ بَرَعَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وجميع العلوم له فيها (ر) يَدٌ بَيْضَاءُ.
سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْفَتْحِ محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان البطي، وأبا (ز) مَنْصُورٍ جَعْفَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيَّ (١٣)، وَأَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ هِبَةَ اللَّهِ الْمَوْصِلِيَّ (١٤) وَأَبَا الْفَتْحِ يَحْيَى بْنَ ثَابِتِ بن بندار (١٥)، وأبا الحسين عبد الحقّ (س)، وَأَبَا نَصْرٍ عَبْدَ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ (١٦)، وَشُهْدَةَ بِنْتَ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْفَرَجِ الدَّيْنَوَرِيِّ (١٧) وَأَبَا الْخَيْرِ عَبْدَ الرَّحِيمِ بْنَ مُوسَى الْأَصْبَهَانِيَّ (١٨)، وَأَبَا مُحَمَّدٍ/ فوارس ابن الشُّبَّاكِيَّةِ (١٩)، وَأَبَا طَالِبٍ الْمُبَارَكَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ خُضَيْرٍ الصَّيْرَفِيَّ (٢٠)، وَأَبَا الْحَسَنِ سَعْدَ اللَّهِ بْنَ نصر ابن سعيد ابن الدَّجَاجِيَّ (٢١)، وَأَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ الْمُرَحِّبِ بْنِ عَسَاكِرَ الْبَطَائِحِيَّ (٢٢) الْمُقْرِئَ، وَأَبَا الْفَتْحِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَجَا الدَّبَّاسَ (٢٣)، وَأَبَا محمد عبد الله بن عبد الصمد بن عَبْدِ الرَّزَّاقِ السُّلَمِيَّ (٢٤)، وَغَيْرَهُمْ بِبَغْدَادَ وَبِحَرَّانَ أَبَا الفتح أحمد ابن أَبِي الْفَتْحِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي الْوَفَاءِ، وأبا النجيب (٢٥) عبد القاهر السهروردي (ش) ولبس منه خرقة التصوف، وحامد ابن أَبِي الْحَجَرِ وَجَمَاعَةً بِحَرَّانَ. وَقَرَأَ الْأَدَبَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ الْخَشَّابِ وَكَانَ يَنْحَلُهُ. وَمَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فِي شهر شعبان (ص) .
أَخْبَرَنَا قِرَاءَةً، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ محمد ابن أبي القاسم (ض) قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفَرَّاءُ (٢٦) قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ الصَّلْتِ الْمُجَبِّرُ (٢٧) قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي رَجَبٍ من سنة خمس وأربعمائة، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم ابن عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مُوسَى الْهَاشِمِيُّ (٢٨) إِمْلَاءً، حَدَّثَنَا أبو سعيد
[ ١ / ٩٨ ]
الْأَشَجُّ (٢٩) حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ (٣٠) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ (٣١) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (٣٢) عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ (٣٣) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِﷺ- يَقُولُ: «إنّما الأعمال بالنّيّة، وإنّما لامرىء ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله﷿- وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ «
(ط) أخرجه البخاري (٣٤) عن الحميدي (٣٥) عن سفيان (٣٦) (ظ) .
أنشدني لنفسه: (المتقارب)
سَلَامٌ عَلَيْكُمْ مَضَى مَا مَضَى فِرَاقِي لِكُمْ لَمْ يَكُنْ عَنْ رِضَا
/ سَلُوا اللَّيْلَ عَنِّيَ منذ غبتم أجفنيّ بالنّوم هل أغمضا (ع)؟
أأحباب قلبي وحقّ الذي (غ) بِمُرِّ الْفِرَاقِ عَلَيْنَا قَضَى
لَئِنْ عَادَ عِيدُ اجْتِمَاعِي بِكُمْ وَعُوفِيتُ مِنْ كَارِثٍ أَمْرَضَا
لَأَلْتَقِيَنَّ مَطَايَاكُمُ بِوَجْهِي وَأَفْرِشُهُ فِي الْفَضَا
وَلَوْ كَانَ حبوا على جبهتي (ف) وَلَوْ لَفَحَ الْوَجْهَ جَمْرُ الْغَضَا
تُرَى خِيَمُ القرب من بعد فراقكم عمدها قوّضا (ق)
تَعُودُ عَلَيْنَا بِتَظْلِيلِهَا وَيَرْجِعُ رَبْعِي قَدْ رَوَّضَا (ق)
فَأَحْيَا وَأَنْشِدُ مِنْ فَرْحَتِي: «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ مَضَى مَا مَضَى»
وَأَنْشَدَنَا، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو الْحَسَنِ سَعْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرِ بْنِ سَعِيدٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَنْشَدَنَا الْفَقِيهُ أَبُو الخَطَّابِ الْكَلْوَذَانِيُّ (٣٧) لِنَفْسِهِ: (الخفيف)
كَيْفَ أُخْفِي هَوَاكُمُ وَعَلَيْهِ شَاهِدُ الْحُزْنِ وَالدُّمُوعُ تَنِمُّ
وَإِذَا اللَّائِمُونَ لَامُوا فَطَرْفِي فِي هَوَاكُمُ أَعْمَى وَسَمْعِي أَصَمُّ
كُلَّ يَوْمٍ تُجَدِّدُونَ عَلَى القل ب عَذَابًا وَلَيْسَ لِلْقَلْبِ جُرْمُ
وَمَتَى دَام ذَا- وَلَا دَامَ مِنْكُمْ- تَلِفَتْ مُهْجَتِي وَفِي ذَاكَ إثم
[ ١ / ٩٩ ]
وَأَنْشَدَنَا، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الدَّجَاجِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو الخَطَّابِ مَحْفُوظُ بْنُ أَحْمَدَ لنفسه: (الطويل)
يَقُولُونَ لِي لَا تَبْلُ قَلْبَكَ بِالْهَوَى فَتَضْنَى وَهَذَا قَوْلُ غَيْرِ مُحصَّلِ
وَلَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يَمْنَعُ الْعِشْقَ قَلْبَهُ لَكُنْتُ إِذَنْ رَبًّا أُعَافِي وَأَبْتَلِي