وَذُكِرَ لِي أَنَّهُ وَرَدَ إِرْبِلَ. وَقَفْتُ عَلَى كِتَابٍ بِخَطِّهِ فِيهِ مِنْ تَأْلِيفِهِ، كِتَابٍ سَمَّاهُ «دَرْجَ الْغُرَرِ وَدُرْجَ الدُّرَرِ (٢)» أَلَّفَهُ لِلْوَزِيرِ جَلَالَ الدِّينِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ جَمَالِ الدِّينِ أَبِي جَعْفَر مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيِّ (٣) مِنْ خُطْبَتِهِ:
«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ، وَعَلَّمَهُ الْبَيَانَ (أ)، وَجَعَلَهُ تُرْجُمَانَ الْجَنَانِ، وَمِيزَانَ اللِّسَانِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ الْمُؤَيَّدِ بِالْقُرْآنِ، الْمُسَدَّدِ بِالتِّبْيَانِ، وَعَلَى آله وأصحابه أعلام الاسلام، وأيمان الإيمان» . (ب)
«وَبَعْدُ فَهَذَا مَجْمُوعٌ يَحْتَوِي عَلَى بَدَائِع نَتَّجَتْهَا الطَّبَائِعُ، وَحَصَّنَتْهَا الصَّنَائِعُ، مِنْ جَوَامِعِ حِكَمٍ أَنْشَدَتْهَا الْمَجَامِعُ، وَرَوَائِعُ كَلِمٍ تَقَرَّظَتْ بِهَا الْمَسَامِعُ/ وَنُخَبٍ تنازعتها الغرائز السليمة، وتداولتها النحايز (ث) الكريمة، من نظم يضمّ حبوة (ث) الْوَقَارِ، وَنَثْرٍ يُثْنِي نَشْوَةَ الْعُقَارِ، وَإِشَارَاتٍ تَوَافَرَتْ بِهَا الْأَرْوَاحُ، وَتَدَارَسَتْ بِرَسَائِلِهَا الرِّيَاحُ، وَاخْتَرْتُ مِنْ فنونها أناسيّ عيونها وأبكارها، دون عونها (ج)، وَانْتَزَعْتُ غُرَرَ فَوَائِدِهَا، وَافْتَرَعْتُ عُذْرَ فَوَائِدِهَا، مِنْ مُحَاضَرَةِ أَعْلَامِ الْبَرَاعَةِ، وَمُحَاوَرَةِ فِرْسَانِ الْيَرَاعَةِ. وَكُلُّ كَلِمَةٍ غُرَّةُ دِيوَانٍ، وَسَابِقُ مَيْدَانٍ، لَا يُنَازَعُ عنان سبقه، ولا يجاذب أهداب حنقه» . (ح)
«وَأَمَّا مَا حَدَانِي عَلَى تَأْلِيفِ الشَّوَارِدِ، وَتَأْنِيسِ هذه الأوابد، على
[ ١ / ٤٧ ]
انحلال معاقد الحال، وانفراج مدحة (خ) الِاخْتِلَالِ، امْتِثَالُ مَرْسُومِ الْأَمِيرِ- وَذَكَرَ أَلْقَابَهُ وَنَسَبَهُ-، وَقَالَ: أَنْجَزَ اللَّهُ فِي أَيَّامِهِ مَوَاعِيدَ الْإِقْبَالِ، وَحَقَّقَ فِي جَلَالِهِ مَخَايِلَ الْآمَالِ وَأَفَاضَ سِجَالَ رحمته على سلفه (د) وَهُوَ مِنْ عُقْمِ الْأَرْضِ الْوَلَّادَةِ بِمِثْلِهِ، وَصَدِيَتْ رِيَاضُ الْبَقَاءِ إِلَى شَآبِيبِ طَوْلِهِ. وَهُوَ- أَدَامَ اللَّهُ ظِلَّهُ- مُنْذُ لَفَظَهُ الْمَهْدُ، وَجَفَاهُ الرَّضَاعُ، لم يزل طامح الهمّة إلى شَرَفٍ يَفْرُعُ ذِرْوَتَهُ، وَيَتَسَنَّمُ قِمَّتَهُ، وَعَزٍّ يُثْنِي إِلَيْهِ عِنَانِهُ، وَيَتَبَوَّأُ مَعَانَهُ، وَعِلْمٍ يَحِلُ عُقَدَهُ، وَيَدَّخِرُ عُدَدَهُ، وَخُلُقٍ تَأَرَّجَ بِذِكْرِهِ الْأَجْوَادُ، وَتَعْبِقُ بنشره الشّفاه، مثال ذلك: [الكامل]
قَادَ الْجُيُوشَ لِخَمْسَ عَشْرَةَ حِجَّةً وَلِدَاتُهُ إِذْ ذاك في أشغال (ذ)
قَعَدَتْ بِهِمْ هِمَّاتُهُمْ وَسَمَتْ بِهِ هِمَمُ الْمُلُوكِ وَسَوْرَةُ الْأَبْطَالِ
«ظِلُّهُ فِرَاسَةُ مَنْ قَالَ: فَكَأَنَّهُ تَوَسَّمَ فِيهِ الْفَأْلَ وَالذَّكَاءَ أَثْقَبَ زَنْدِهَا، وَأَصْغَى وِرْدِهَا وَقَد أَطْلَعَ الْفَأْلَ فِيهِ مَعْنًى نَازَعَنِي (ر) فيه ألمعيّ: [مخلّع البسيط]
/ قَالُوا: الْفَتَى جَدُّهُ عَلِيٌّ قُلْتُ الْفَتَى جِدُّهُ عَلِيُّ»
وَذَكَرَ بَعْدَهُ مَا تَرَكْتُهُ. وَفِي الْكِتَابِ لصاحب المجموع (ز):
[البسيط]
رُشِّ التُّرَابَ بِمَاءِ الْعَيْنِ آوِنَةً فَلِلتُّرَابِ إِذَا رَشَّشْتَهُ أَرَجُ
هَذَا النَّسِيمُ الَّذِي فَاحَ التُّرَابُ به لامّهات وآباء لنا درجوا
وله: [البسيط]
مَا بَاعَدَ الْبَوْنُ بَيْنَ الْوِرْدِ وَالصَّدْرِ وَأَفْسَحَ الشَّوْطُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأَثَرِ
كَمْ مَرَّةٍ نَوَّرَ الْآَمَالَ فَانْفَرَجَتْ مَسَافَةُ الْخُلْفِ بَيْنَ النَّوْرِ وَالثَمَرِ
فاستطلع الدّرج (س) عَنْ أَنْبَاءِ مَنْ دَرَجُوا كَمْ عَبْرَةٍ فِي مطاويه لمعتبر
[ ١ / ٤٨ ]
فَلَا يَغُرَّنْكَ شَمْلُ الدَّهْرِ مُنْتَظِمًا فَإِنَّ شَمْلَ اللَّيَالِي نُهْبَةُ الْغِيَرِ
وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ مِنَ الْأَشْعَارِ عَلَى قِلَّتِهَا فِيهِ بِمَا ضَمَّنَهُ﵀- فِي آخِرِهِ مِنْ عِبَرٍ لِرَضِيِّ الدِّينِ (٤) الخزاعي (ش): [الهزج]
سَلَامِي عَدَدَ الْقَطْرِ عَلَى أَخْلَاقِكَ الزُّهْرِ
وَوَجْهٍ إن دجا الليل يباهي (ص) عرّة البدر
مواعيد وحاشاها كمثل الألّ (ض) في القفر
فمن يوم إلى يوم ومن شهر إلى شهر
ومنه (ط): [الرجز]
خَلْعُ الْعِذَارُ أَصْوَبُ وَالْعَيْشُ فِيهِ أَطْيَبُ
كُنْ عَاذِلِي أَوْ عَاذِرِي فَإِنَّنِي مُسَيَّبُ
لَا تُوعِدَنِّي بِالرَّدَى فَإِنَّنِي لَا أَرْهَبُ
خَسِرْتُ دِينِي وَدَنَى (ظ) فِي حُبِّهِمْ مَنْ يَرْغَبُ
إِنِّي إِذَا تَنَسَّمَتْ رِيحَ الشِّمَالِ أَطْرَبُ
/ لِأَنَّهَا قَدْ بَشَّرَتْ بِأَنَّهُمْ قَدْ قَرُبُوا
إِنْ وَصَفُوا أَشْوَاقَهُمْ فَعَنْ ضَمِيرِي أَعْرَبُوا
لَا تَصْدُقُوا فِي هِجْرَتِي عِدُوا بِوَصْلِي واكذبوا
ومن خطه لأبزون بن مهبزذ العماني (٥) [الكامل]
أشكو إليك ومن صدودك أشتكي وأظن من شَغَفِي بِأَنَّكَ مُنْصِفِي
وَأَصُدُّ عَنْكَ مَلَالَةً كَيْ لا يرى (ع) مِنْكَ الصُّدُودُ فَيَشْتَفِي مَنْ يَشْتَفِي
مَنْ صَحَّ قَبْلَكَ فِي الْهَوَى مِيثَاقُهُ حَتَّى يَصِحَّ وَمَنْ وَفَى حَتَّى يَفِي؟
لِآخِرِ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ على بلوغ الأمل (غ) .
[ ١ / ٤٩ ]