هُوَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١)، كَذَا كَانَ يَكْتُبُ فِي نَسَبِهِ، الرُّهَاوِيُّ. أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ فِرِنْجِيًّا، وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ مَمَالِيكِ بَنِي أَبِي الْفَهْم (٢) بِحَرَّانَ. نَشَأَ عَلَى الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَالدِّينِ- كَذَا نُقِلَ إِلَيَّ- وَرَحَلَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الرِّحْلَةَ الْوَاسِعَةَ.
نَقَلْتُ مِنْ جُزْءٍ: «وُلِدَ بِالرُّهَا (٣) فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ» . وَسَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ، فَقَالَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وخمسمائة (أ) .
[ ١ / ١٣١ ]
أخبرني الوالي (ب) مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرَّانِيُّ أَنَّهُ عَتِيقُ أَبِي الْفَهْمِ رَئِيسِ حَرَّانَ (٢) .
سَمِعَ الْكَثِيرَ مِنَ الْحَدِيثِ وَكَتَبَهُ، وَأَتْقَنَ مَا نَقَلَهُ. حَنْبَلِيُّ الْمَذْهَبِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَالِيًا فِيهِ، كَانَ لَا يُنْكِرُ مَا جَرَى فِي أَمْرِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ﵄، وَكَرَّمَ وَجْهَيْهُمَا-،. وَذَكَرَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أهل الكوفة خرجوا من المختار ابن أَبِي عُبَيْدٍ (٤) سَمُّوا أَنْفُسَهُمُ «التَّوَّابِينَ» (٥) لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ قَعَدَ عَنْ نَصْرِهِ.
كَانَ فِي أَخْلَاقِهِ بَعْضُ الشراسة، وعنده شيء مِنْ كِبْرٍ، وَرَدَ إِرْبِلَ وَأَسْمَعَ بِهَا، وَوَلِيَ التَّحْدِيثَ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْمُظَفَّرِيَّةِ بِالْمَوْصِلِ (٦) مُدَّةً قَرِيبَةً (ت)، وَانْهَدَمَتْ عَنْ آخِرِهَا وَأَعَادَ عِمَارَتَهَا عَلَى غَيْرِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ. وَرَحَلَ عَنِ الْمَوْصِلِ، فَهُوَ الآن بحرّان (ث) .
لَقِيَ الْإِمَامَ أَبَا الْعَلَاءِ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ الْهَمَذَانِيَّ، وَأَبَا طَاهِرٍ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ (٧) الْأَصْبَهَانِيَّ السّلفي بالاسكندرية، وغيرهما من أهل العلم (ث) .
سَمِعَ بِبَغْدَادَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ ابن الخشّاب، وأبي محمد الموصلي (ج)، وأبي الحسين بن يوسف (ر)، والكلمة شهدة، ويحيى (٨) /بن عبد الله (ح)، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ. وَرَحَلَ إِلَى وَاسِطَ (٩) فَسَمِعَ بِهَا من أبي العباس ابن الجلخت (١٠)، وأبي الفتح ابن عَبْدِ السَّمِيعِ (١١)، وَسَمِعَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْكَتَّانِيِّ الْمَوَاقِيتِيِّ (١٢) وَغَيْرِهِ، وَبِأَصْبَهَانَ مِنْ أَبِي عَبْدِ الله الرّستمي (خ)، وَمَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ (١٣) وَبِهَرَاةَ مِنْ نَصْرِ بْنِ سَيَّارِ بن صاعد (١٤) وأبي محمد عبد الجليل ابن أَبِي سَعْدٍ الْمُعَدِّلِ (١٥)، وَبِنَيْسَابُورَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الطُّوسِيِّ (١٦) . حَدَّثَ بِالْكَثِيرِ وَسَمِعَ عَلَيْهِ طَلَبَةُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ، سَمِعْتُ مِنْهُ وَأَجَازَ لِي.
بَلَغَتْنِي وَفَاتُهُ بِحَرَّانَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وذلك
[ ١ / ١٣٢ ]
فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الْحَرَّانِيُّ، وَقَالَ؛ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الرّهاوي الفهمي مولاهم، في جمادى (د) سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ بِحَرَّانَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الخطيب أبو عبد الله ابن تَيْمِيَّةَ، وَدُفِنَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ بِبَابِ الْكَبِيرِ. وَسَمِعْتُ الْفَقِيرَ إِلَى اللَّهِ- تَعَالَى- أَبَا سَعِيدٍ كُوكُبُورِيِّ بن علي يقول: «كنت ازوره بحران (ذ)، وَكَانَ كَثِيرًا يَزُورُ أُمَّهُ- وَهِيَ فِرِنْجِيَّةٌ عَلَى دِينِهَا- فَقُلْتُ: لَمَ لَا تَعْرِضُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ؟ فَقَالَ: هِيَ امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ وَلَا تَرْجِعُ عَنْ دِينِهَا أَبَدًا، فَلَا يُفِيدُ قَوْلِي لَهَا.
فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَزُورُهَا؟ فَقَالَ: أَعْلَمُ أَنَّهَا تَشْتَاقُ إِلَيَّ، فَأَزُورُهَا لِتَبِلَّ شَوْقَهَا»، أَوْ كَمَا قَالَ.