هُوَ أَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرحمن ابن أَبِي الْعِزِّ الْوَاسَطِيُّ (١) . وَرَدَ إِرْبِلَ قَدِيمًا ثُمَّ غاب عنها زمانا وأتاها (أ) فِي زَمَنِ أَبِي سَعِيدِ كُوكُبُورِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، فَهُوَ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ رَغْبَةً فِي الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ. أَخَذَ أَجْزَاءً كَثِيرَةً مِنْ حديث (ب) أَبِي الْوَقْتِ عَبْدِ الْأَوَّلِ بْنِ عِيسَى﵀- بِإِفَادَةِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ صَدَقَةَ (٢) بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ وَزِيرِ الْوَاسِطِيِّ﵀-، وَكَانَ صَحِبَهُ مِنْ وَاسِطَ إِلَى بَغْدَادَ، وَأَقَامَ فِي صُحْبَتِهِ. وَلَقِيَ غَيْرَ أَبِي الْوَقْتِ، إِلَّا أَنَّ أَحْسَنَ سَمَاعِهِ عن أبي الوقت. ويدّعي شيئا (ت) لَا لِحَاجَةٍ فِي الْمَسْأَلَةِ وَحِرْصِهِ عَلَى تَحْصِيلِ دُنْيَا، وَهُوَ بَخِيلٌ شَحِيحٌ. وَكَانَ يَكْتُبُ فِي التسميع «المقرئ»، ولم يكن- إن شاء (ث) اللَّهُ- قَارِئًا فَكَيْفَ مُقْرِئًا؟
وَأَسْمَعَ بِإِرْبِلَ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْمُظَفَّرِيَّةِ وَغَيْرِهَا، مِثْلِ حَلَبَ وَدِمَشْقَ وَغَيْرِهِمَا، جُمْلَةً مِنْ كُتُبُ وَأَجْزَاءٍ «٢» . وَسَمِعَ أَبَا جَعْفَر احمد بن (ج) محمد العباسي، وأبا المظفر محمد ابن أحمد التريكي (ح)، وأبا المظفر هبة الله بن أحمد ابن الشَّبْلِيَّ (٣) وَغَيْرَهُمْ.
حَدَّثَنِي مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشيخ الامام صدقة بن وزير الخسروسابوري عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي مَجْلِسِ وَعْظِهِ بِبَغْدَادَ، يُنْشِدُ، وَقَدْ رِفَعَتْ إِلَيْهِ رُقْعَةٌ فِيهَا شِكَايَةٌ مِنْ يَهُودِيٍّ يُدْعَى ابْنَ كَمُّونَةَ (٤) مُتَوَلِّيَ دَارَ الضَّرْبِ بها،
[ ١ / ١٣٨ ]
وَالْمُسْتَنْجِدُ بِاللَّهِ (٥) يَسْمَعُ وَعْظَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يُرَى، قَالَ: وَلَا أَعْلَم أَهِيَ لَهُ أَمْ لغيره: [الكامل]
يا ابن الخلائف من قريش والّذي طهرت مناسبه (خ) مِنَ الْأَدْنَاسِ
وَلَّيْتَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ عَدُوَّهُمْ مَا هكذا كان بنو (د) الْعَبَّاسِ
/ مَا الْعُذْرُ إِنْ قَالُوا غَدًا: هَذَا الَّذِي وَلَّى الْيَهُودَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ؟
فِي مَوْقِفٍ مَا فِيهِ إِلَّا خَاضِعٌ أَوْ مُهْطِعٌ أو مقنع للرّاس
أعضاؤهم (ذ) فِيهِ الشُّهُودُ وَسَجْنُهُمْ نَارٌ وَحَاكِمُهُمْ شَدِيدُ الْبَاسِ
إِنْ كُنْتَ مَا طُلْتَ الدُّيُونَ مَعَ الْغِنَى فَغَدًا تُؤَدِّيهَا مَعَ الْإِفْلَاسِ
أَنْشَدَ: «مَطَلْتَ» رُبَاعِيًّا فقدّم الألف (ر)، ثُمَّ قَالَ: «يَا ابْنَ هَاشِمٍ، أُذْكَرُ غَدًا يَوْمَ يَكُونُ الْحَاكِمُ اللَّهُ وَالشُّهُودُ الْجَوَارِحُ» . وَأَخَذَ فِي وَعْظِهِ ثُمَّ نَزَلَ، فَمَا أَحَسَّ إِلَّا وَقُطْبُ الدِّينِ (٦) قَدْ أَوْثَقَ الْيَهُودِيَّ كِتَافًا، وَأَتَى بِهِ إِلَى الشَّيْخِ صَدَقَةَ، وَقَالَ لَهُ: مُر فِيهِ بِأَمْرِكَ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُعْزَلَ وَتُكَفَّ يده. فقال قطب الدين: «انفعل بِهِ زِيَادَةً عَلَى مَا أمَرْتَ؟» فَقَالَ: أَنْتُمْ أَخْبَرُ، فَأُخَذَ جَمِيعَ مَالِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.
وَجَدْتُ عَلَى وَرَقَةٍ فِي آخِرِ كِتَابٍ: «أَنْشَدَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو عمرو مسعود (٧) بن علي الأردبيلي (ز) - حَفِظَهُ اللَّهُ- قَالَ: أَنْشَدَنِي الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرِ ابن الْبَيَاضِيِّ الْهَاشِمِيِّ (٨) لِنَفْسِهِ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْقَائِمِ (٩) بِأَمْرِ اللَّهِ- رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرِضْوَانُهُ- حِينَ وَلَّى ابْنَ فُضْلَانَ (١٠) الْيَهُودِيَّ- لَعَنَهُ اللَّهُ- بَعْضَ اعماله: [الكامل]
يا ابن الْخَلَائِفِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأُلَى طَهُرَتْ أُصُولُهُمْ مِنَ الأدناس
قلّدت امر المؤمنين (س) عَدُوَّهُمْ مَا هَكَذَا فَعَلَتْ بَنُو الْعَبَّاسِ
حَاشَاكَ مِنْ قَوْلِ الرَّعِيَّةِ إِنَّهُ نَاسٍ لِقَاءَ اللَّهِ أو متناس
[ ١ / ١٣٩ ]
مَا الْعُذْرُ إِنْ قَالُوا غَدًا: هَذَا الَّذِي وَلَّى الْيَهُودَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ؟
إِنْ قُلْتَ: كَانُوا دَبَّرُوا أَمْوَالَكُمْ فَبُيُوتُهَا قَفْرٌ بِلَا أَكْنَاسِ
لَا تَذْكُرَنْ إِحْصَاءَهُمْ مَا وَفَّرُوا ظُلْمًا وَتَنْسَى مُحْصِيَ الْأَنْفَاسِ
/ وَخَفِ الْقَضَاءَ غَدًا إِذَا وَفَّيْتَ (ش) مَا كَسَبَتْ يَدَاكَ الْيَوْمَ بِالْقِسْطَاسِ
فِي مَوْقِفٍ مَا فِيهِ إِلَّا شَاخِصٌ أَوْ مُهْطِعٌ أَوْ مقنع للرّاس
أعضاؤهم فيها الشّهود وسجنهم (ص) نَارٌ وَحَاكِمُهُمْ شَدِيدُ الْبَاسِ
لَا تَعْتَذِرْ مِنْ صَرْفِهِمْ بِتَعَذُّرِ الْمُتَصَرِّفِينَ الْحُذَّقِ الْأَكْيَاسِ
مَا كُنْتَ تَفْعَلُ بَعْدَهُمْ إِنْ أُهْلِكُوا؟ مَا فِعْلُ وَغْدُ الْقَوْمِ فِي الْأَدْنَاسِ؟
وَحَدَّثَنِي مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: حضرت طعام هذي (ض) بن جورين ابن الْكُرْدِيِّ (١١) فَتَرَوَّحْتُ بِكُمِّي مِنْ كَثْرَةِ الذِّبَّانِ، وَسَمِعَنِي أَقُولُ: «لَيْتَ فِي بَيْتِي مِثْلَ هَذَا الذِّبَّانِ، فأمر لي بعشرة قواصر (ط) تمر، وعشر جرار سيلان (ظ)، وَمِنْ جَمِيعِ مَا حَصَلَ عِنْدَهُ مِنَ الْحَلَاوَةِ. قَالَ: وَيُقَالُ أَنَّهُ حَضَرَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فِي صُنْدُوقَيْنِ فَأَفْرَغَهُ، وَوَقَفَ قَائِمًا وَجَعَلَ يَرْكُلُهُ بِرِجْلِهِ وَالنَّاسُ يَأْخُذُونَ إِلَى أَنْ كَادَ يَنْفَدُ، فَقَالَ للذي جاء به: «اطلب سهمك»، فأخذ منه جُمْلَةً زَوَّجَ مِنْهَا سَائِرَ مَنْ فِي دَارِهِ (ع) .
وَمِنْ حَدِيثِهِ مَا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ عِيسَى بْنِ شُعَيْبٍ السِّجْزِيُّ، بِقِرَاءَةِ الشَّيْخِ صَدَقَةَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ وَزِيرٍ، يَوْمَ الْأَحَدِ ثَامِنَ عَشَرَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِمَدِينَةِ بَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله (غ) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيُّ (١٢)، وَقَالَ أَخْبَرَنَا: أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ احمد الشريحي (١٣)، قال: حدثنا ابو محمد (ف) يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامُ (١٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ (١٥)، قَالَ: حَدَّثَنَا أيّوب بن (ق) مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
[ ١ / ١٤٠ ]
قال: قال رسول اللهﷺ-: «أُعْطِيتُ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ/ الْأَرْضِ حَتَّى وُضِعَتْ فِي يَدَيَّ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِﷺ- وَأَنْتُمْ تنتفلونها» (ك)، وربما قال: «تنتثلونها» (ل) .
وَكَانَ مُقَامَهُ آخِرًا بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ كُلَّمَا دَخَلَ مَدِينَةً أَثْبَتَ نَسَبَهُ فِيهَا. يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ لَهُ شَيْءٌ طَائِلٌ مِنْ مَالٍ، كَانَ لَا يُفَارِقُهُ مَشْدُودًا عَلَى وَسَطِهِ.
سَأَلْتُهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ عَنْ عُمُرِهِ، فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ عَلَى أَبِي الْوَقْتِ وَلِي سِتٌّ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، فَيَكُونُ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْمِائَةِ، وَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ جماعة كثيرون (ل) .
حَدَّثَنِي بَعْضُ الطَّلَبَةِ، وَكَتَبَ لِي بِخَطِّهِ: تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ الْوَاسِطِيُّ الثَّبْتُ﵀- في بكرة يوم الاحد خامس عشرين (م) جمادى الآخرة سنة ثمان عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ بِالْمَوْصِلِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ بِمَسْجِدِهِ فِي السِّكَّةِ (١٦) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَاهَانَ الْهَمَذَانِيُّ (١٧)، رَجُلٌ مِنْ طَلَبَةِ الْحَدِيثِ.