هُوَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَرَوِيُّ السَّائِحُ (١)، مَوْصِلِيُّ الْمَوْلِدِ، كَانَ أبوه من أهل هراة، وأبو الحسن (أ) طَافَ الْأَرْضَ ذَاتَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَرَدَ إِرْبِلَ وامتدح بها قاضيها (ب)، وَوَقَعَ إِلَيَّ شِعْرُهُ هَذَا فَلَمْ أُثْبِتْهُ.
فِيهِ فَضْلٌ وَعِنْدَهُ أَدَبٌ وَذَكَاءٌ، وَكَانَ خَرَّاطًا، وَلَمْ يَرِدْ مَدِينَةً إِلَّا وَكَتَبَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَشْهُورَةِ بِهَا بِخَطِّهِ، فَقَلَّمَا يَخْلُو مَوْضِعٌ مَشْهُورٌ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَّا وَفِيهِ خَطُّهُ، وَالنَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَهُ عِيَالٌ عَلَيْهِ.
اسْتَقَرَّتْ بِهِ الْحَالُ بِحَلَبَ عِنْدَ سُلْطَانِهَا الْمَلِكِ الظَّاهِرِ أَبِي الْمُظَفَّرِ غَازِي بْنِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ- أَدَامَ اللَّهُ سُلْطَانَهُ- فَهُوَ مُقِيمٌ إِلَى الْآنَ عِنْدَهُ، لَهُ مِنْهُ الْحُرْمَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْمَنْزِلَةُ الْوَافِرَةُ. وَبَنَى عَلِيٌّ رِبَاطًا وَوَقَّفَ عَلَيْهِ وَقْفًا فَهُوَ يَسْتَغِلُّ جَدَّهُ (ت)، ويزوره الملك الظاهر كل عام (ث)، وَقَدْ أَثْرَى مِنْ نِعْمَتِهِ، وَإِنَّمَا كَتَبْتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي الْآخِرِ إِلَى الِانْقِطَاعِ. وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ مِنْهَا «الْإِشَارَاتُ فِي مَعْرِفَةِ الزِّيَارَاتِ» (٢) وَكِتَابُ «الْخُطَبُ الْهَرَوِيَّةُ لِلْمَوَاقِفِ الْمُعَظَّمَةِ النَّاصِرِيَّةِ» (٣)، بَلَغَنِي أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِحَلَبَ فِي شَهْرِ «٢» سَنَةَ إحدى عشرة وستمائة (ح) .
[ ١ / ١٥١ ]
ناولني أبو (خ) الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْمُتَزَهِّدُ الْخَرَّاطُ (٤) - وَذَكَرَ لِي أَنْ كَانَ بَيْنهُمَا صُحْبَةٌ- جُزْءًا فِيهِ ما يجيء فيما (د) بَعْدُ، وَقَرَأْتُهُ وَهُوَ يَسْمَعُ، وَحَدَّثَنِي إِنَّهُ سَمِعَهُ من علي بن أبي بكر (ذ)، وَهُوَ نُسْخَةُ مَا عَلَى التُّرْبَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا عَلِيُّ بْنُ الْهَرَوِيِّ بِظَاهِرِ مَدِينَةِ حَلَبَ عَلَى الجادّة الآخذة إلى دمشق (ر) عَلَى/ جَانِبَهَا الْغَرْبِيِّ، وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَى الصَّخْرِ، مَا هَذَهِ صُورَتُهُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُبْحَانَ مُشَتِّتِ الْعِبَادِ فِي الْبِلَادِ، وَقَاسِمِ الْأَرْزَاقِ فِي الْآفَاقِ. سَيَّرَ قَوْمًا إِلَى الْآجَالِ وَقَوْمًا إلى الآمال (ز) . هَذَهِ تُرْبَةُ الْعَبْدِ الْغَرِيبِ الْوَحِيدِ، عَلِيِّ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْهَرَوِيِّ. عَاشَ غَرِيبًا وَمَاتَ وَحِيدًا، لَا صَدِيقَ يَرْثِيهِ، وَلَا خَلِيلَ يَبْكِيهِ، وَلَا أَهْلَ يَزُورُونَهُ، وَلَا إِخْوَانَ يَقْصِدُونَهُ، وَلَا وَلَدَ يَطْلُبُهُ، وَلَا زَوْجَةَ تَنْدِبُهُ.
آنَسَ اللَّهُ وَحْدَتَهُ، ورحم غربته. وهو القائل (س): سَلَكْتُ الْقِفَارَ، وَطُفْتُ الدِّيَارَ، وَرَكِبْتُ الْبِحَارَ، وَرَأَيْتُ الْآثَارَ، وَسَافَرْتُ الْبِلَادَ، وَعَاشَرْتُ الْعِبَادَ»، فَلَمْ أَجِدْ صَدِيقًا صَادِقًا، وَلَا رَفِيقًا مُوَافِقًا. فَمَنْ قَرَأَ هذا الخط فلا يغترّ بأحد قط: (الكامل) .
طَفْتُ الْبِلَادَ مَشَارِقًا وَمَغَارِبًا وَلَكَمْ صَحِبْتُ لِسَائِحٍ وجليس (ش)
وَرَأَيْتُ كُلَّ غَرِيبَةٍ وَعِجَيبَةٍ وَلَقِيتُ هَوْلًا فِي رخاي وبوسي (ص)
أَصْبَحْتُ مِنْ تَحْتِ الثَّرَى فِي وَحْدةٍ أَرْجُو إلهي أن يكون أنيسي
وعليه أيضا (ض): «لَا ذَاكَ دَامَ وَلَا ذَا يَدُومُ»، وَعَلَيْهِ أَيْضًا: «بَنَوْا وَعَلَّوْا وَمَضَوْا وَخَلَّوْا»، وَعَلَيْهِ أَيْضًا: «كُنْ مِنَ الْفِرَاقِ عَلَى حَذَرٍ، هَذَا الْوَدَاعُ فَمَتَى الِاجْتِمَاعُ؟»، وَعَلَيْهِ أَيْضًا: «السَّلَامَةُ فِي الْوَحْدَةِ، الرَّاحَةُ فِي الْعُزْلَةِ» .
وَعَلَى الْجَانَبِ الشَّرْقِيِّ، مَا هَذَهِ صُورَتُهُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ/ هَذَهِ تُرْبَةُ الْعَبْدِ الْغَرِيبِ الْوَحِيدِ، عَلِيِّ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْهَرَوِيِّ، وَهُوَ الْقَائِلُ: ابْنَ
[ ١ / ١٥٢ ]
آدَمَ، دَعْ الِاخْتِيَالَ فَمَا يَدُومُ حَالٌ، وَتُغَالِبُ التَّقْدِيرَ فَلَنْ يُفِيدَ التَّدْبِيرُ، وَلَا تَحْرِصْ عَلَى جَمْعِ مَالٍ يَنْتَقِلُ مِنْكَ إِلَى مَنْ لَا يَنْفَعُكَ شُكْرُهُ وَيَبْقَى عَلَيْكَ وِزْرُهُ، وَآخِرُ أَمْرِكَ بَطْنُ الْأَرْضِ قَبْرُكَ» .
وَعَلَى الْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ، مَا هَذَهِ صُورَتُهُ: «لَا مَفَرَّ مِمَّا قَضَاهُ، وَلَا مَهْرَبَ مِمَّا أَمْضَاهُ، فَالسَّعِيدُ مَنْ سَلَّمَ إِلَيْهِ وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ» .
وَعَلَى عُضَادَتِيِ الْبَابِ مَكْتُوبٌ مَا هَذَهِ صُورَتُهُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَقُولُ سَاكِنُ هَذَهِ التُّرْبَةِ: مَا مَرَّ الزَّمَانُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا غَيَّرَهُ، وَلَا عَلَى حَيٍّ إِلَّا أَقْبَرَهُ، وَلَا عَلَى رَفِيعٍ إِلَّا وَضَعَهُ، وَلَا عَلَى قَوِيٍّ إِلَّا ضَعْضَعَهُ» .
وَدَاخِلَ الْبَابِ مَكْتُوبٌ: «الطَّمَعُ يُذِلُّ الْأَنْفَسَ الْعَزِيزَةَ، وَيَسْتَخْدِمُ الْعُقُولَ الشَّرِيفَةِ»، وَعَلَى الْقِبْلَةِ مَكْتُوبٌ الْآيَتَانِ اللَّتَانِ هُمَا آخِرُ سورة «لقمان» (ط) - ﵇-.
وَعَلَى الْقَبْرِ مَا هَذَهِ صُورَتُهُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحكيم (ظ) إِلَهِي لَيْسَ لِي عَمَلٌ أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ، وَلَا حَسَنَةٌ أَدُلُّ بِهَا عَلَيْكَ، غَيْرَ فَقْرِي وَفَاقَتِي وَذُلِّي وَوَحْدَتِي، فَارْحَمْ غُرْبَتِي، وَكُنْ أَنِيسِي فِي حُفْرَتِي، فَقَدِ الْتَجَأْتُ إِلَيْكَ، وَتَوَكَّلْتُ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، يَا رَبِّ» .
وَعَلَى بِئْرِ إِبْرَاهِيمَ﵇-/ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي هَذَهِ التُّرْبَةِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَظْهَرَ اللَّهُ هَذَهِ الْبِئْرَ الْمُبَارَكَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وستمائة» (ع) .
وَعَلَى الرِّبَاطِ الَّذِي أَنْشَأَهُ لَصِيقُ هَذَهِ التُّرْبَةِ: «بسم الله الرحمن الرحيم.
وقف هذا الرباط الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْهَرَوِيِّ، عَلَى الْفُقَراءِ الصَّالِحِينَ الْمُتَدَّيِّنِينَ- تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ وَرَحِمَهُ- وَذَلِكَ فِي سَنَةِ اثنتين وستمائة» .
[ ١ / ١٥٣ ]
وَعَلَى خِرْقَةِ الْكَفَنِ مَكْتُوبٌ: «هَذَا كَفَنُ الْعَبْدِ الفقير إلى ربه (غ)، المعترف (ف) بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، عَلِيِّ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْهَرَوِيِّ. اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ وَارْحَمْهُ وَاغْفِرْ لَهُ، وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُكَ، وَلَا رَاحِمَ سِوَاكَ.
فَارْحَمْ غُرْبَتَهُ وَفَقْرَهُ وَفَاقَتَهُ، وَآنِسْ وَحْدَتَهُ بِرَحْمَتِكَ يا أرحم الراحمين، يا رب» (ق) .
نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ نَجْمِ بْنِ عَبْدِ الوهاب ابن عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشِّيرَازِيِّ الدِّمَشْقِيِّ الْحَنْبَلِيِّ الْأَنْصَارِيِّ الْوَاعِظِ: «مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْهَرَوِيِّ الَّذِي كَتَبَ عَلَى الْحِيطَانِ، فِي الْعُشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ» (ك) .
وَمِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى الْحِيطَانِ بِإِرْبِلَ وَغَيْرِهَا، أَلْبُ غَازِيُّ بْنُ أَرْغَازِيٍّ التُّرْكِيُّ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ يَكْتُبُ حَسَنًا. وَرَدَ إِرْبِلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ/ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. نَقَلْتُ مِنْ خَطِّهِ بِحَائِطٍ بِجَامَعِ كَفْرِ عَزَّةَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدِي وَلِجَمِيعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ﵇- وَكَتَبَ أَلْبُ غازي (٥) بن أرغازي المسري (ل) في محرم سنة ثَلَاثَ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ هِجْرِيَّةً» .