هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنِ أَبِي النَّجِيبِ عبد القاهر بن عبد الله بن محمد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمُّوَيْهِ السُّهْرَوَرْدِيُّ (١)، شَيْخٌ فِيهِ دِينٌ وَعِنْدَهُ سُكُونٌ. وَكَانَ/ فِي مَبْدَأِ عُمُرِهِ يَتَظَاهَرُ بِسَمْتِ النُّسَّاكِ وَيَفْعَلُ فِعْلَ الْفُتَّاكِ. خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ فِي صِبَاهُ هَارِبًا إِلَى خراسان، أخبرني بذلك الثقة (أ) - ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخٍ لَهُ وَاقِعَةٌ، فَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادِ وَاتَّصَلَ بالسلطان أبي المظفر يوسف (ب) بْنِ أَيُّوبَ﵀- فَأَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ وَوَلَّاهُ قَضَاءَ كُلِّ بَلَدٍ افْتَتَحَهُ مِنْ بِلَادِ الْفِرِنْجِ.
فَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ يَسْتَنِيبُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ نَائِبًا.
وَرَدَ إِرْبِلَ وَأَقَامَ بِهَا وَهُوَ مُرَاعًى، َلَهُ إِيجَابٌ تَامٌّ مِنَ الْفَقِيرِ أَبِي سَعِيدٍ كُوكُبُورِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، وَتَعَهُّدٌ كَثِيرٌ، وَصِلَاتٌ جَمَّةٌ، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بِإِرْبِلَ عَصْرَ يَوْمِ الْخَمِيسِ التَّاسِعَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ عَشْرٍ وَسِتِّمِائَةٍ، وَدُفِنَ لِوَقْتِهِ فِي مَقْبَرَةِ الصُّوفِيَّةِ. وَشَيَّعَ جَنَازَتَهُ- أَدَامَ اللَّهُ سُلْطَانَهُ- وَحَضَر تُرْبَتَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فِي بُكْرَةِ كُلِّ يَوْمٍ، وَحَضَرَ أَعْيَانُ الْبَلَدِ وَصُدُورُهُ، فَأَقَامَ لِأَوْلَادِهِ الْيَتَامَى بَعْدَهُ مَا يحتاجون إليه (ت) .
سمع أبا الوقت السجزي (ث) وأبا الفضل الأرموي (ج)، وَكَانَ لَا يُعْلِمُ لِسَمَاعِهِ إِلَى أَنْ قَارَبَ الْوَفَاةَ، وَقَبْلَهَا بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، فَسُمِعَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ بإربل.
وورد من بغداد أبو بكر ابن نقطة (ح) الْبَغْدَادِيُّ، وَمَعَهُ أَجْزَاءٌ نَقَلَ عَلَيْهَا سَمَاعَهُ فسَمِعْتُهَا عَلَيْهِ فِي جَمَاعَةٍ. سَأَلْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ مَوْلِدِهِ، فَقَالَ: يَوْمَ الْخَمِيسِ ثَانِيَ عَشَرَ رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَقَالَ: هَذَا سُؤَالُ الْمُحَدِّثِينَ، لِيَعْلَمُوا صِدْقَ الشَّيْخِ مِنْ كَذِبِهِ (خ) . ألّف كتابا في معاني
[ ١ / ١٧١ ]
الْحَقِيقَةِ (٢)، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ مُعْظَمَهُ، وَحَضَرَ سَمَاعَهُ الْفَقِيرُ أبو سعيد كُوكُبُورِيٍّ بِدَارِ حَدِيثِهِ بِإِرْبِلَ، وَحَضَرَ فُقَهَاءُ الْبَلَدِ، وجرت بينهم فيه/ مباحثات، كان أَبُو مُحَمَّدٍ لَا يُجْرِي مَعَهُمْ فِيهَا. وَكَانَ (د) بِخَطِّهِ- وَهُوَ مُغْلِقٌ- فَقَرَأْتُهُ وَلَمْ أَتَلَعْثَمْ فِيهِ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ أَبَدًا يَذْكُرُهُ أَيْنَ حَضَرَ. وَنَالَتْهُ آخِرَ عُمُرِهِ آفَاتٌ مِنْ أَمْرَاضٍ مختلفة منها «القولنج» (ذ)، وَإِنَّهُ كَانَ يَنُوبُهُ فِي السَّاعَاتِ بِحَيْثُ يَسْتَغِيثُ منه. وكان به عِدَّةُ أَمْرَاضٍ سِوَاهُ، وَكَانَ السُّلْطَانُ أَبُو سَعِيدٍ يُوَكِّلُ الْأَطِبَّاءَ بِمُعَالَجَتِهِ وَيُوصِيهِمْ عَلَى تَمْرِيضِهِ.
وَسُمِعَ عَلَيْهِ «الْمُنْتَخَبُ» مِنْ مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيدٍ الْكَشِّيِّ (٣) بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي الْوَقْتِ عَبْدِ الْأَوَّلِ بْنِ شُعَيْبٍ بِشَهَادَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَقْدِسِيِّ (٤) بِسَمَاعِهِ على الكتاب (ر) فِي مَجَالِسَ آخِرُهَا جُمَادَى الْآخِرَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَسَمِعَ الشَّيْخَ أَبَا غَالِبٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الدَّايَةِ (٥) .