هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْخَيْرِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
[ ١ / ١٧٣ ]
الْعَبَّاسِ (١) الْحَاكِمِيُّ، رُبَّمَا اكْتَنَى بِأَبِي الْفَتْحِ، وَأَبُو الْمَنَاقِبِ الَّذِي اخْتَارَهُ هُوَ وَكَنَّاهُ بِهِ أَبُوهُ (أ) . وَرَدَ إِرْبِلَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَكَانَ لَهُ أَوَّلَ وروده قبول عظيم، وكانت طريقته طريقة مستوحش مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ كَرَّرَ الْوُرُودَ إِلَى إِرْبِلَ، فَقَلَّ ذَلِكَ الْقَبُولُ. وَهُوَ الْآنَ/ مُقِيمٌ بِإِرْبِلَ، وَذَلِكَ فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ.
ذُكِرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْوَقْتِ عَبْدَ الْأَوَّلِ السجزي، وكمال الدين أبا علي الحسن (ب) بن أحمد بن محمد الموسياباذي (٢) - وحدث عَنْهُ- وَشُهْدَةَ. قَالَ ابْنُ الدُّبَيْثِيِّ: وَفِي حديثه نكرة، حدث ببغداد بعد الستمائة، قَالَ: وَقَدِمَ مَعَ أَبِيهِ إِلَى بَغْدَادَ، وَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً وَسَمِعَ بِهَا مِنَ الْكَاتِبَةِ شُهْدَةَ بِنْتِ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ الْإِبَرِيِّ، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهَا مَعَ أَبِيهِ. وَيُقَالُ إِنَّهُ حَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ لَمْ يَرَ أَحَدٌ سَمَاعَهُ عَنْهُمْ. آخِرُ كلامه (ت) .
كَانَ يَذْكُرُ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ طَافَ الْأَرْضَ ذَاتَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا بَلَدٌ إِلَّا دَخَلَهُ. أَلَّفَ كِتَابًا، فَجَمَعَ أَرْبَعِينَ بَابًا، مَنْ تَأَمَّلَهُ عَرَفَ مَا أَوْدَعَهُ، سَمَّاهُ «إِرْشَادَ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ لِحَيَاةِ الْخَضْرِ وَإِلْيَاسَ» (٣) . ذَكَرَ فِي أَوَّلِهِ قَوْلَهُ﵇-: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وسبعين فرقة» (ث) . وقال أَبُو الْمَنَاقِبِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَزْوِينِيُّ: «قَدْ طُفْتُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَسَهْلَهَا وَجَبَلَهَا، فَوَجَدْتُ قَدْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً إِلَى سَبْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» . وَقَالَ: «قَدْ صَاحَبْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ، مَا رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ حَيَاةَ الْخَضْرِ. حَتَّى أَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ وَالْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالْمُتَفَرِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالزَّنْدَقَةِ، يُقِرُّونَ بِحَيَاتِهِ وَلَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ.
وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْجَاهِ أَنْكَرُوا حَيَاةَ الْخَضْرِ- سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْهِ-. وَلَقَدْ كُنْتُ بِالْمَوْصِلِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ حَوْلي جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَتَكَلَّمُوا بِمَوْتِ الْخَضْرِ، فَأْنَكَرْتُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ خَرَجْتُ عَنْهُمْ نَافِرًا أَطْلُبُ
[ ١ / ١٧٤ ]
الشَّامَ/ فَوَصَلْتُ إِلَى بَعْضِ قُرًى يَسْكُنُهَا النَّصَارَى، فَلَبِثْتُ بُرْهَةً- وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ مُنْتَصَفَ رَجَبٍ- فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ بَرَزَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ النَّصَارَى وَطَلَبَ الْإِسْلَام، فَأَسْلَمَ. فَذَهَبْتُ بِهِ إِلَى مَاءٍ هُنَاكَ، فَاغْتَسَلَ وَصَاحَبَنِي إِلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، فَتَهَيِّأْنَا لِلرَّوَاحِ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ فِي الْبَرِيَّةِ إِذْ نَحْنُ بِرَجُلَيْنِ قَدْ أَقْبَلَا مِنْ صَدْرِ الْبَرِيَّةِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، وَكَلَّمَا ذَلِكَ المبتدىء بالإسلام وأخذاه ومضيا عني. فعديت خلفهم (ج) وَقُلْتُ لَهُمَا هَذَا الرَّجُلُ هُوَ صَاحِبِي، وَهُوَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَلَا أَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ. فَوَقَفَا- وَأَخَذَنِي لِوُقُوفِهِمَا رُعْبٌ شَدِيدٌ، وَخِفْتُ مِنْ أَحَدِهَمَا- فَكَلْمَنِي الْآخَرُ، وَقَالَ: «لَا تَصْحَبْنَا، فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدِ الْتَقَانَا، وَقَدِ الْتَقَى بِالْأَوْلِيَاءِ، فَامْضِ لِحَالِ سَبِيلِكَ إِلَى الشَّامِ، فَرَجَعْتُ عَنْهُمْ بَاكِيًا، فَنَادَانِي أَحَدَهُمْ- وَهُوَ الَّذِي هِبْتُهُ وَرُعِبْتُ مِنْهُ- وَقَالَ: يَا أَخِي أَنَا الْخَضْرُ، وَإِنَّ الذي أنكر (ح) حَيَاتِي، كَذَبَ كَذَبَ كَذَبَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كَذَبَ مَنْ أَنْكَرَ حَيَاتِي، وَهُوَ غَافِلٌ عَنِ اللَّهِ- تعالى- وهو ابن الأثير (٤) المجادل (خ) لَكَ فِي ذَلِكَ الْمَحْفِلِ بِمَدِينَةِ الْمَوْصِلِ وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ» (٥) .
وَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا أَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَهَذَا الَّذِي أَوْرَدْتُهُ نَصُّ مَا ذَكَرَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَوْرَدْتُ غَيْرَهُ. وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ هَذَا الْكِتَابَ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْمُظَفَّرِيَّةِ بِمَحْضَرٍ مِنَ السُّلْطَانِ أَبِي سَعِيدٍ كُوكُبُورِيٍّ وَصُدُورِ الْبَلَدِ، وَلَمْ أُثْبِتْ عَلَيْهِ طَبَقَةَ سَمَاعٍ. وَقَالَ فِي آخِرِ الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا: «وَإِنِّي لَمَّا جَمَعْتُ هَذَهِ الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا عن الأربعين شَيْخًا مِنْ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ أَهْلِ/ السَّلَفِ الْمُحَقِّقِينَ بِالْإِخْلَاصِ وَالدِّينِ وَالْمُعَامَلَاتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ- تَعَالَى-» . ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ كَلَامِهِ مَا تَرْكُهُ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِهِ. وَلَمْ يُحَدِّثْ فِيهِ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ الموسياباذي، كِلَيْهِمَا لَا غَيْرُ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «وَلَقَدْ كُنْتُ فِي الْبَحْرِ الْعَمِيقِ، خَرَجْتُ مِنْ نَاحِيَةِ سَيَلَانَ (٦) - وَهُوَ مَوْضِعُ قَدَمِ آدَمَ﵇- وهي جزيرة من جزائر البحر، وإنّ (د) اللَّهَ﷾- خَصَّهَا بِالْجَوَاهِرِ
[ ١ / ١٧٥ ]
الْحَسَنَةِ مِنَ الْيَوَاقِيتِ وَاللَّآلِئِ وَالزَّبَرْجَدِ الْأَخْضَرِ وَالْأَحْمَرِ، دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَمَاكِنِ، فَخَرَجَتُ إِلَى الْمَعْبَرِ فَأَخَذْنَا الْهَوَاءَ وَدَخَلْنَا إِلَى الْإِبَاحَة وَسِرْنَا. وَكَانَ في السفينة ستمائة تاجر (ذ) بِأَتْبَاعِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ وَخَدَمِهِمْ وَسَرَارِيِهِمْ، وَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَمَعَ مَا فِيهَا مِنَ الرُّبَّانِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّا يَنِيفُ عَلَى الْأَلْفِ وَأَرْبَعِمِائَةِ نَفْسٍ. وَكَانَ لِلسَّفِينَةِ ثلاثة عشر قلعا، فأخذنا (ر) الرِّيحُ إِلَى نَاحِيَةِ سُمَنَاتٍ (٧)، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ ليلة- وهي ثالث عشر رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ- فِي نِصْفِ اللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ قَارِّينَ طَيِّبِينَ فِي أَطْيَبِ هَوَاءٍ، وَالنَّاسُ مُسْتَرِيحِينَ غَائِصِينَ فِي النوم، والسفينة سائرة وأنا جالس على شاطىء السَّفِينَةِ، إِذْ لَحِقَهَا رَأْسُ جَبَلٍ فِي الْبَحْرِ فَكَسَرَهَا، وَمَا عِنْدَ خُدَّامِ السَّفِينَةِ خَبَرٌ. فَدَخَلَ الْمَاءَ فِي السَّفِينَةِ حَتَّى كَانَ يُسْمَعُ خَرِيرُهُ، وكان فيها سبعون (ز) رَأْسًا مِنَ الْخَيْلِ وَزَرَافَيْنِ وَفِيلٌ، وَإِذَا بِرَجُلٍ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ- رَأَيْتُهُ يَمْشِي- حَتَّى أَتَى السَّفِينَةَ. فَلَمَّا جَاءَهَا مَدَّ يَدَهُ إِلَى تَحْتِ السفينة وأمالها بعد ما رَفَعَهَا، حَتَّى نَصَلَ مِنْهَا ذَلِكَ/ الْمَاءُ عَنْ آخِرِهِ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ، وَتِلْكَ السَّفِينَةُ عَلَى كَفِّهِ. وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى نَصَلَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ بِهَا جَمِيعُهُ.
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا مُدْرِكَ الْفَوْتِ بَعْدَ الْفَوْتِ، وَيَا مَنْ يَسْمَعُ فِي الظُّلَمِ الصَّوِتَ، يَا مَنْ يُحْيِي العظام وهي رميم (س) بَعْدَ الْمَوْتِ» . ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ إِلَى السَّفِينَةِ وَأَخَذَ صُنْدُوقًا مِنْ بَعْضِ الْأَمْتِعَةِ مَمْلُوءَةً تُوتِيَاءَ (ص)، وَوَضَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْخِرْقِ وَمَسَحَ عَلَيْهِ بِكَفِّهِ، وَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» .
فَعَلِمْتُ أَنَّهُ الخضر﵇- ويطول الْكَلَامِ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِنَا. وَلَوْلَا أَنِّي مَأْذُونٌ لِي فِي هَذَهِ الْإِشَارَاتِ لَمَا ابْتَدَأْتُ بِهَا وَلَا أَتَيْتُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّﷺ- أَطْلَعَهُ عَلَى أَشْيَاءَ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا لَتَفَطَّرَتِ الْمَرَائِرُ، وَزَالَتْ فِيهِ الْعُقُولُ عَنِ الْخَلْقِ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا، وَلَوْ كَانَ مَأْذُونًا لَقَالَ. وَمَا كَانَ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى» إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يوحى» (ش) . وَذَكَرَ مِنْ نَحْوِ هَذَا أَشْيَاءَ يَطُولُ بِهَا الكتاب.
[ ١ / ١٧٦ ]
وَلَهُ إِجَازَاتٌ كَثِيرَةٌ حَصَّلَهَا لَهُ وَالِدُهُ فِيمَا اسْتَجَازَهُ. سَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ، فَقَالَ: فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِقَزْوِينَ-