/ هُوَ أبو عمرو عثمان بن أبي بكر (أ) إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَلْدَكٍ الْقَلَانِسِيُّ (١)، مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ. وَوَجَدْتُ أَنَّ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ أَرَ فِي طَبَقَاتِ سَمَاعِهِ وَغَيْرِهَا يَكْتُبُ إِلَّا «أَبَا بَكْرٍ»، أَحَدُ مَنْ جَدَّ فِي جَمْعِ الحديث وكتبه ولقي (ب) رُوَاتِهِ؛ وَرَحَلَ فِيهِ الرِّحْلَةَ الْوَاسِعَةَ. سَمِعَ أَبَا موسى الحافظ الأصبهاني (ت) بِهَا وَغَيْرَهُ، وَخَلْقًا كَثِيرًا، وَسَمِعَ رِجَالَ بَغْدَادَ. سَمِعَ بِالْمَوْصِلِ أَبَا الْفَضْلِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ الطُّوسِيَّ، وَأَبَا الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنَ خَمِيسٍ (٢)، وأبا منصور بن مكارم المؤدب (ث) . وَبِدِمَشْقَ أَبَا الطَّاهِرِ بَرَكَاتِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْخُشُوعِيَّ، وَبِأَصْبَهَانَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَدَّادِ (ج) . وَسَمِعَ بِغَيْرِ هَذَهِ الْمَوَاضِعِ خَلْقًا كَثِيرًا.
وَتَفَقَّهَ بِبَغْدَادَ عَلَى يَحْيَى بْنِ فَضْلَانَ (٣) . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ بَدَلُ بْنُ أَبِي الْمُعَمَّرِ التِّبْرِيزِيُّ: وَرَدَ إِلَى دِمَشْقَ وَأَقَامَ عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ (ح) وعلق من تاريخ والده (خ) جُمْلَةٍ تَتَعَلَّقُ مِنْ غَرَضِهِ مِنْ تَارِيخِ الْمَوْصِلِ. وَكَانَ فِي أَخْلَاقِهِ نَفَارٌ، وَعِنْدَهُ خِفَّةٌ، رَأَيْتُهُ بِالْمَوْصِلِ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ. عَلَّقَ التَّعَالِيقَ الْكَثِيرَةَ الْمُفِيدَةَ، وَضَبَطَ الْأَسْمَاءَ الْمُشْكِلَةَ. رَأَيْتُ مِنْ تَقْيِيدَاتِهِ بِخَطِّهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِتْقَانِهِ وَحِذْقِهِ، وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ. أَنْشَدَنَا الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ بَدَلُ بْنُ أَبِي الْمُعَمَّرِ، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو بَكْرٍ (د) لنفسه: (الكامل)
يا سائلي عن خير ما اتّف قت عليه ذوو العقول
إنّي امروء لَكَ نَاصِحٌ فَخُذِ النَّصِيحَةَ بِالقَبُولِ
طُفْتُ الْبِلَادَ وَجُبْتُهَا فِي جَمْعِ آثَارِ الرَّسُولِ
وَلَقِيتُ كُلَّ مُهَذَّبٍ فِي الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ النَّبِيلِ
/ وَنَظَرْتُ فِي كتب الثّقا ت من الأئمة والعدول
فوجدت مضمون العلو م جميعها ترك الفضول
[ ١ / ١٨٢ ]
والزهد في الدنيا وأن ترض وتقنع بالقليل
فاقنع وخلّ الحرص والدّ نيا تُنَادِي بِالرَّحِيلِ
إِنْ أَرَادَ بِالْفُضُولِ مَا تَسْتَعْمِلُهُ الْعَامَّةُ، فَاسْتِعْمَالُهُ خَطَأٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ فُضُولَ الْمَعِيشَةِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَاجَةِ، فَهُوَ اسْتِعْمَالٌ صَحِيحٌ، وَمَا أَظُنُّهُ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- أَرَادَ إِلَّا ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: «وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا الْبَيْتُ» .
وَأَنْشَدَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ ابن سَعِيدٍ الدُّبَيْثِيُّ إِجَازَةً- إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ- قَالَ: أَنْشَدَنَا عُثْمَانُ بْنُ جَلْدَكٍ لِنَفْسِهِ: (البسيط)
مَا الْعَزْمُ أَنْ تَشْتَهِي شَيْئًا وَتَتْرُكُهُ حَقِيقَةُ الْعَزْمِ مِنْكَ الْجِدُّ وَالطَّلَبُ
كَمْ سَوَّفَتْ خُدَعُ الآمال ذا أرب (ذ) حَتَّى قَضَى قَبْلَ أَنْ يُقْضَى لَهُ أَرَبُ
نَلْهُو وَنَلْعَبُ وَالْأَقْدَارُ جَارِيَةٌ فِينَا وَنَأْمُلُ وَالْأَعْمَارُ تقتضب
وما تقلّب دنيانا بنا (ر) عجب لكنّ آمالنا فيها هي العجب (ز)
ونقلت من خط النجاد علي (س) بن أبي الفرج الموصلي (ش)، مِنْ شِعْرِ أَبِي عَمْرٍو وَمَا أَنْشَدَهُ إِيَّاهُ لنفسه، وهو: (السريع)
قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ فَاقْنَعْ وَلَا تضرع إلى الخلق (ص)
وَابْغِ رِضَى اللَّهِ بِسُخَطِ الْوَرَى وَانْطِقْ- وَإِنْ عادوك- بالحقّ (ض)
والله ما ينجو امروء (ط) كَاذِبٌ وَإِنَّمَا يَنْجُو أَخُو الصِّدْقِ
تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ﵀- بِالْمَوْصِلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ رَابِعَ عَشَرَ شَوَّالٍ/ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ بَابِ الْجَصَّاصَةِ (١) .
وَوَجَدْتُ بِخَطِّ عُثْمَانَ، عَلَى أَوَّلِ شِعْرِ الْمُتَنَبِّي (٢): «عُثْمَانُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ جَلْدَكٍ الْقَلَانِسِيُّ، يُعْرَفُ بِابْنِ الْمُزَيِّنِ» .