هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَمِيرِيُّ بْنُ بَخْتِيَارَ بْنِ خِلِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (١) وَجَدْتُ بِخَطِّ وَلَدِهِ: «مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ» (أ)، فَقِيهٌ عَالِمٌ زَاهِدٌ وَرِعٌ كَامِلٌ، كَثِيرُ الْخَشْيَةِ وَالْوَجَلِ، حَسَنُ السَّمْتِ وَالْوَقَارِ، آخِذٌ نَفْسَهُ بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ. مَا رُؤِيَ ضَاحِكًا إِلَّا متبسّما (ب) مَعَ لُطْفِ أَخْلَاقٍ، انْقَطَعَ فِي/ بَيْتِهِ وَأُغْرِيَ بِمُطَالَعَةِ الْكُتُبِ الْمُودَعَةِ أَحْوَالَ ذَوِي الْأَحْوَالِ مِنَ الدِّينِ وَالتَّصَوُّفِ. وَأَلْزَمَ نَفْسَهُ آدَابَهُمْ وَجَعَلَهَا نُصْبَ عَيْنَيْهِ. سَمِعْتُهُ يَقُول: «إِنَّمَا أَمِيلُ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى أَحْوَالِهِمْ لِتَصْغُرَ نَفْسِي فِي عَيْنِي إِذَا حَدَّثَتْنِي بِالْعَمَلِ.
لَا، إِنِّي لَا أَلْحَقُ بِهِمْ» . كلا ما هَذَا مَعْنَاهُ.
أَخْبَرَنِي- أَيَّدَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ كَانَ يَخِيطُ وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَكَانَ ضَلْعُهُ مَعَ أهل التصوف إلى أن قال له (ت) لَوِ اشْتَغَلْتَ بِالْعِلْمِ كَانَ أَنْفَعَ لَكَ، فَاشْتَغَلَ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ بِكِتَابِ «الشِّهَابِ» لِلقُضَاعِيِّ (٢) فَحَفِظَهُ، وَبِغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. وَرَحَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَقَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ﵀- (٣) وَذَكَرَ أَنَّ جَدَّهُ خَلَا (٤) مِنْ مَرْكُورٍ (٥) بَيْنَ أُرْمَيَّةَ (٦) وَأُشْنُهْ (٧) وَأَصْلُهُمْ مِنْهَا. فَوَقَعَ فِيهَا غَلاءٌ فَانْتَقَلَ مُحَمَّدٌ وَمَعَهُ خَلٌّ صغير (ث) إِلَى أُشْنُهْ، وَأَقَامُوا بِهَا. وَكَانَ صَالِحًا دِينًا سَمِعَ الْحَدِيثَ، أُشْنُهِيُّ الْمَولِدِ وَالأَصْلِ، يَقْطَعُ النَّهَارَ تَسْبِيحًا وَاللَّيْلَ صَلاةً.
أَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الطوسي (٨) خطيب
[ ١ / ٥١ ]
الْمَوْصِلِ، سَأَلَهُ عَنْ كُنْيَتِهِ، فَقَالَ: لَا كُنْيَةَ لِي، فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ تُكْنَى أَبَا الذَّهَبِ لِأَنَّ اسْمَكَ أَمِيرِيُّ، فَكَنَّانِي بِأَبِي الذِّهَبِ. وَوَجَدْتُ هَذَهِ الْكُنْيَةَ بِخَطِّ أَبِي الْفَضْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الطُّوسِيِّ فِي جُزْءٍ فِيهِ سَمَاعُهُ عَلَيْهِ. حَدَّثَنِي وَلَده عَبْدُ الْقَادِرِ (٩) أَنَّهُ وَجَدَ بخط والده: «خربت (ج) أُشْنُهُ مِنَ السَّيْلِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَمِمَّا رَوَيْتُهُ عَنْهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ، مَا أخبرنا به قراءة (ح) مِنِّي عَلَيْهِ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْخَطِيبُ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ/ بِالْمَوْصِلِ، قَالَ؛ أَخْبَرَنَا وَالِدِي أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، سَمَاعًا عَلَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الثِّقَةُ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّقُّورِ الْبَزَّازُ (١٠) بِبَغْدَادَ، فِي شهر ربيع الأول سنة سبعين وأربعمائة، قال: قرىء على أبي القاسم عيسى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ دَاوُدَ الْجَرَّاحِ الْوَزِيرِ (١١) وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَامِلُ بْنُ طَلْحَةَ أَبُو يَحْيَى الْجَحْدَرِيُّ (١٢) إِمْلاءً مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ أَبُو مَعْمَرٍ (١٣)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رسول اللهﷺ- قال: «طَبَقَاتُ أُمَّتِي خَمْسٌ، كُلُّ طَبَقَةٍ مِنْهَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، فَطَبَقَتِي وَطَبَقَةُ أَصْحَابِي أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى الثَّمَانِينَ أَهْلُ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، والذين يلونهم إلى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ أَهْلُ التَّرَاحُمِ وَالتَّوَاصُلِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ إلى الستين- يعني ومائة- (خ) أَهْلُ التَّقَاطُعِ وَالتِّدِابُرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى الْمِائَتَيْنِ أهل الحرج والحرب» (د) .
ونقلت من خطه: [الطويل]
تَغَرَّبْتُ عَنْ أَهْلِي مَخَافَةَ شَامِتٍ إِلَى بَلَدٍ قَفْرٍ بَعِيدِ الْمَوَارِدِ
وَهَانَ عَلِيَّ الْمَوْتُ مِمَّا لَقِيتُهُ عَلَيْكَ بِحُسْنِ الصَّبْرِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ
«سَمِعْتُ صَدْرَ الدِّينِ السَّمْعَانِيَّ (١٤) يَقُول: «مُوسَى صَاحِبُ مِيقَاتٍ،
[ ١ / ٥٢ ]
وَنَبِيُّنَا صَاحِبُ أَوْقَاتٍ، فَقِيلَ لِمُوسَى خُذِ اللَّوْحَ، وقيل لنبيّنا خذ العفو» (ذ) .
وَجَدْتُ عَلَى آخِرِ صَفْحَةٍ مِنْ جُزْءٍ مِنْ آخر «المهذّب» (ر): «ولد أميري بن بختيار ابن خِلِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ» .
/ تُوُفِّيَ الشَّيْخُ الصَّالِحُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَمِيرِيُّ﵁- النِّصْفَ مِنْ لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ أربع عشرة وستمائة، وَدُفِنَ بِالْمَقْبَرَةِ الْعَامَّةِ شَرْقِيِّ إِرْبِلَ وَأَلْحَدَهُ أَبُو سَعِيدٍ كُوكُبُورِيُّ بْنُ عَلِيٍّ وَنَزَلَ إِلَى قَبْرِهِ، وبنى عليه (ز) أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِصْطَفَانَ (١٥)، وَقُدِّمَ لِلصَّلَاةِ عليه أبو أسحق إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ الْمَارَانِيُّ (١٦)