إن قيمة أي كتاب تاريخي تتحدد في قربه من الحوادث التي يصفها أو استخدامه موارد قريبة من الأحداث، وكتاب البرزالي هذا قد استغرق حياة المؤلف كلها، فالحق أن جميعه من التاريخ المعاصر، ومن هنا جاءت أهميته بعد أن عرفنا إتقان المؤلف وتحريه ودقته وإنصافه في تدوين الحوادث والتراجم مما يُعْلِي قيمته ولغليها، ولذلك صار مصدرًا لجميع المؤرخين الذين جاءوا بعده، فقد سَلَخه رفيقه شمس الدين الجزري المتوفى سنة ٧٣٩ هـ في كتابه "حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه"، فأكثر التراجم التي
_________________
(١) المقتفي ٥/ ٢٩٩.
(٢) المقتفي ٥/ ٣٤١.
[ ١ / ٧٧ ]
فيه مأخوذة بنصها من هذا الكتاب باعتراف المؤلف نفسه، حتى ظن بعضهم أنَّ مخطوطة "حوادث الزمان" بإستانبول هي جزء من كتاب "المقتفي" (^١).
وسلخ الإمام شمس الدين الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام" الذي هو أس كتبه الأخرى معظم مادة الكتاب في الحوادث والتراجم مع مراعاة اختصارها، يشير إليه تارة ويهمل الإشارة في كثير من الأحيان، كما دلت عليه مقابلة النصوص بين الكتابين.
كما أنَّ المادة التي أوردها ابن كثير في "البداية والنهاية" مأخوذ جلها من هذا الكتاب باعتراف المؤلف نفسه؛ حيث قال في آخر حوادث سنة ٧٣٨ هـ: "وهذا آخر ما أرخ شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في كتابه الذي ذيّل به على تاريخ الشيخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي، وقد كانت وفاة البرزالي في العام القابل وهو محرم بمنزلة خُلَيْص. وقد ذَيّلتُ على تاريخه إلى زماننا هذا، وكان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة من سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، أحسن الله خاتمتها، آمين" (^٢).
وعني بعض المؤرخين بالاقتباس من كتابه قبل وفاته وقبل أن يتم هذا التأليف، كما نوهنا في نقل الشمس ابن الجزري في تاريخه، ومنهم شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب القرشي التيمي البكري المعروف بالنويري المتوفى سنة ٧٣٣ هـ في كتاب "نهاية الأرب" حيث صَرّح بالنقل من كتابه في غير موضع من كتابه، منها ذكر المجاعة والغلاء العظيم الحاصل بديار بكر والموصل وإربل وماردين والجزيرة وميافارقين سنة ٧١٨ هـ حيث قال: "نقلت هذه الحادثة من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالي، وبعض ألفاظها
_________________
(١) التاريخ العربي والمؤرخون ٤/ ٤٥.
(٢) البداية والنهاية ١٦/ ٢٨٥.
[ ١ / ٧٨ ]
أوردتها بالمعنى، وقال المذكور أنه نقل ذلك من خط عز الدين الحسن بن أحمد بن زفر الإربلي الصوفي الطبيب واختصر بعضه" (^١)، ومنها المؤامرة على جوبان حيث قال: "نقلته وما قبه من تاريخ البرزالي" (^٢)، ثم قال: "وقد نقل الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه أن الشيخ محمد بن أبي بكر القطان الإربلي ورد إلى دمشق وأخبره تفصيل ذلك على جليته" (^٣).
والحق أن معظم المؤرخين الذين جاءوا بعده قد اعمدوا كتاب البرزالي هذا فكان من بين مصادرهم الرئيسة في المدة التي أرخها والتراجم التي حررها، مثل الأدفوي (ت ٧٤٩ هـ) في "الطالع السعيد"، وصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤ هـ) في كتابيه "الوافي بالوفيات" و"أعيان العصر"، وابن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤ هـ) في "فوات الوفيات"، وتاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ) في "طبقات الشافعية" و"معجم شيوخه "، والإسنوي (ت ٧٧٢ هـ) في "طبقات الشافعية"، والفيومي (ت ٧٧٠ هـ) في "نثر الجمان في تراجم الأعيان "، وابن رجب (ت ٧٩٥ هـ) في "الذيل على طبقات الحنابلة"، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في "العقد المذهب"، وتقي الدين الفاسي (ت ٧٣٢ هـ) في "العقد الثمين" و"ذيل التقييد"، والمقريزي (ت ٧٤٥ هـ) في "المقفى الكبير "، وابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ) في "توضيح المشتبه "، وابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في " الدرر الكامنة"، وغيرهم، مما لا يحتاج إلى برهان لكثرته.
وقد تضمن "المقتفي" مادة واسعة في التاريخ السياسي والإداري وقدم معلومات إدارية واقتصادية جيدة في بلاد الشام ومصر في المدة التي استغرقها.
_________________
(١) نهاية الأرب ٣٢/ ٢٩٤.
(٢) نهاية الأرب ٣٢/ ٢٩٥.
(٣) نهاية الأرب ٣٢/ ٢٩٨. وانظر نصوصًا أخرى في ٣٢/ ٣٠١ و٣٣/ ٣٧، ٦٧، ٧٦، ١٨٦، ١٩٦، ٢١٣، ٢١٧، ٢٤٤، ٢٤٦، ٢٧٠، ٢٩٥، ٣١٣.
[ ١ / ٧٩ ]
أما من الناحية الاجتماعية فقد أبان لنا هذا الكتاب الذي احتوى على أكثر من أربعة آلاف ترجمة اتجاه المؤرخين في تخليد المبرزين في المجتمع، وصوَّر جانبًا من القاعدة الاجتماعية لفئة العلماء، وظهر في هذا الكتاب عدم وجود تأثير المنزلة الاجتماعية والاقتصادية وقلة تأثيرها، بل انعدامها، في تقدير الناس، وأن المجتمع الإسلامي لم يكن يعرف في هذا المجال في الأقل أي نوع من النظم الطبقية، وأكذَبَ الفكرةَ القائلة: إن التاريخ الإسلامي هو تاريخ حكام لم يعن بتاريخ جماهير الأمة، فإن عناية المسلمين بتاريخ "التراجم" وتدوينهم سير الناس ممن اشتهروا بسياسة، أو علم، أو أدب، أو فن، أو عقيدة وما إليها من غير نظر لمركز اقتصادي أو اجتماعي، يؤكد من غير شك أن موازينهم كانت على غاية من الرقي الإنساني، وقد جربنا المؤلف وهو يترجم محدثًا فقيرًا ويترك غنيًّا، ويثني على شخص من عامة الناس ويذم آخر من عليه القوم، في الوقت الذي اقتصرت فيه النواحي العلمية ومحتويات كتب التراجم - عند كثير من الأمم في هذه الأعصر - على فئات معينة من الناس كما كان في أوربا العصور الوسطى.
وكشف لنا هذا التاريخ عن انتقال المراكز العلمية الإسلامية بالكلية إلى البلاد الشامية والمصرية بعد احتلال المغول لأقاليم الإسلام الشرقية والعراق وتدمير الحضارة العربية الإسلامية فيها، ونجاح المماليك في صد هذا الهجوم المدمر، ومحاولات الأشرف خليل تحرير العراق منهم، لكن قتله حال دون تحقيق تلك الأمنية.
وفي الوقت الذي اقتصر كثير من المؤرخين على تدوين سير شرائح مُعينة من المترجمين، نجد البرزالي يتوسع في ذكر تراجم لا يُعنى بها كثير منهم، مما يشير إلى سعة أفقه، وعدم تعصبه، ولا أدل على ذلك أن عددًا كبيرًا من تراجم الكتاب قد تفرد بذكرها، وأعرض عن اقتباسها من جاء بعده.
[ ١ / ٨٠ ]
وقد عُني المؤلف بذكر تراجم أولئك الطبة الشباب ونظرائهم، ممن توفوا في شرخ شبابهم ولم يحدثوا، فأهملهم مؤرخو كتب التراجم؛ لأنهم إنما يعنون بالعلماء الرواة الذين حدثوا وأخذ الناس عنهم، وهي ميزة قلما وجدناها عند مؤلف آخر، سوى ما كتبه رفيقه الإمام الذهبي في "المعجم المختص ".
ويُعد هذا الكتاب، فيما أرى، أفضل سجل لمسيرة الإمام المجدد شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) وجهاده، وما لاقاه من عنت وظلم وسجن في سبيل العودة بالإسلام إلى منابعه الأولى الصافية، وتخليصه مما علق به من الأدران، فضلًا عن جهاده، ومشاركته الفاعلة في الحروب التي واجهت الأمة والدفاع عن بيضة الإسلام، لا سيما في محاولات المغول غزو البلاد الشامية والمصرية كما في وقعتي الخزندار وشقحب وغيرهما.
لقد تتبع نشاط هذا المجاهد العظيم، وهو رفيقه في طلب العلم والاعتقاد السليم، فدونه في كتابه بحيث لو جُمِعَ لكان سيرة طيبة له.
قال في سنة ٦٨٣ هـ وشيخ الإسلام يومئذٍ ابن اثنين وعشرين عامًا: "في يوم الاثنين ثامن المحرم ذكر الدرس الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية مكان والده بدار الحديث بالقصّاعين، وحضر قاضي القضاة بهاء الدين، والشيخ تاج الدين الفزاري، وزين الدين ابن المرحِّل، وزين الدين ابن المُنَجّى، وجماعة" (^١).
وقال في السنة نفسها: "وفي يوم الجمعة عاشر صفر جلس الشيخ تقي الدين ابن تيمية بجامع دمشق على المنبر لتفسير القرآن العظيم مكان والده، وابتدأ من أول القرآن العظيم" (^٢).
_________________
(١) المقتفي ٢/ ٢٦٧.
(٢) المقتفي ٢/ ٢٦٨.
[ ١ / ٨١ ]
وقال في حوادث سنة ٦٩٠ هـ: "وفي شَهْر ربيع الآخر حَصَل تَشْويش للشيخ تَقيّ الدِّين ابن تيمية، وذلك أنه جلسَ يوم الجُمُعة رابع الشهر على كُرسيِّه، وجَرَى ذِكْر شيءٍ من الصِّفاتِ. وكان نور الدِّين ابن مُصْعَب حاضرًا فشنَّع عليه، وساعدَهُ سليمان الغث الفقير الحَرِيريُّ، وصَدْرُ الدِّين ابن الوكيل، وأمينُ الدِّين سالم، وجماعة. ومَشوا إلى الشَّيخين شَرَفِ الدِّين ابن المَقْدسي، وزين الدِّين الفارِقي، وغيرهما، واجتهدوا في أذاهُ أو مَنْعِه من الجُلُوس، فلم يتّفق، واستمرَّ على عادتِه، وجلسَ يوم الجُمعة الآتية.
وقال قاضي القضاة شهاب الدِّين: أنا على اعتقاد الشَّيخ تَقِى الدِّين، فعُوتِبَ في ذلك، فقال: لأنَّ ذهنَهُ صحيح ومواده كثيرة، فهو لا يقول إلّا الصحيح.
ثم إنَّ القاضي شَرَف الدِّين ابن المَقْدسي قال: أنا أرجو بَرَكته ودعاءَهُ، وهو صاحبي وأخي، فاجتمعَ وجيهُ الدِّين ابن المُنَجَّى بالشَّيخ زين الدِّين ابن المُرَحِّل الخطيب يومئذ، فتبرّأ من القضية وحَلَف، وعاتب ولدَهُ وخاصَمَه، وسكنَ الأمرُ، واللهُ المستعان" (^١).
وذكر في حوادث سنة ٦٩٢ هـ أداءَهُ لفريضة الحج سنة ٦٩١ هـ، فقال: "وفي يوم الخَميس خامس صَفَر دخل الرَّكْب الشّاميُّ إلى دمسْقَ وأميرهم الباسطيّ وكان ممّن حجّ معهم الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْمية" (^٢).
وقال في حوادث سنة ٦٩٣ هـ: "وفي يوم الخَميس الثّامن والعِشْرين من رَجَب دخل الشَّيْخ زَيْن الدِّين الفارِقيّ، والشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تَيْميّة ومعهما جَمْع كبير من المُسلمين إلى نائبِ السَّلْطنة الأمير عزّ الدِّين الحَمَوي وكلّمَاهُ في أمر النَّصْراني الذي سَبَّ النبيَّ - ﷺ - بالسُّويداء، فأجابهما
_________________
(١) المقتفي ٣/ ٢٠.
(٢) المقتفي ٣/ ١٢٠.
[ ١ / ٨٢ ]
إلى إحضاره، وخَرَجَ النّاسُ فرأوا عَسّاف بن أحمد بن حِجّي، وهو الذي أجارّ النَّصْراني وحَمَاهُ وناضلَ عنه، فكلَّمُوه في أمرِه، وكان معه رجلٌ من العَرَب، فقال للناس: إنه خَيْرٌ منكم - يعني النَّصْراني - فضربُوه بالحِجارة، وهربَ عَسّاف من العَوام، فلما بلغَ ذلك نائب السَّلْطنة غَضِبَ وأمرَ بإحضار الشيخين، فأُحضِرا، فأخْرَقَ بهما وأمر بضَرْبِهما، فضُرِبا وحُبِسَا في المدرسةِ العَذْراوية، ثم ضُرِبَ جماعةٌ من العامة، واعتُقِلَ منهم ستة نَفَر، ثم تَتبع والي البَلَد الناسَ وضَرَبَ جماعةً وعلَّق جماعةً، ثم سَعَى نائبُ السَّلْطنة في إثبات العداوة بين النَّصْراني وبين من شَهِدَ عليه ليخلِّصه بذلك. فلما بلغَ النَّصْراني ما جَرَى بسببه خافَ وأسلَم، لْم عقدَ نائبُ السَّلْطنة عنده مَجْلسًا، وأحضر القاضي الشّافعيِّ وجماعةً من الشّافعية، واستفتاهُم في حَقْن دمِه بعد الإسلام، فقالوا: "مَذْهبُنا أنَّ الإسلام يحقن دَمَه ". وطُلِبَ الشَّيخ زَيْن الدِّين الفارِقيّ من الاعتقال فوافقَهُم، وأُطْلِق، ثم أُحْضِرَ الشَّيخ تقيّ الدِّين فطيَّبَ خاطرَهُ وأطلقَهُ. ثم أُحْضِرَ النَّصْرانيّ إلى دمشقَ واعتُقلَ أيامًا. واجتهدَ الأمير شَمْس الدِّين الأعْسَر في تَخْليصه لأجل عَسّاف، فأُطْلِق، وشَقَّت هذه الواقعة على المُسلمين، وقَبَّحوا فِعْل نائب السَّلْطنة وإصراره على ما فَعلَ" (^١) (^٢).
وقال في حوادث السنة نفسها: "وفي يوم الأربعاء سادس عَشَر شَوّال ذكرَ الدَّرْس برواق الحَنابلة بجامع دمشق بالحلقة المعروفة بابن مُنَجَّى الشيخ العلّامة تقيّ الدِّين ابن تيمية، وحَضَرَ جماعةٌ من الأعيان" (^٣).
_________________
(١) المقتفي ٣/ ١٧٨ - ١٧٩.
(٢) وفي هذه الواقعة صنف شيخ الإسلام كتابه "الصارم الملول على ساب الرسول".
(٣) المقتفي ٣/ ١٨٦.
[ ١ / ٨٣ ]
وقال في حوادث سنة ٦٩٥ هـ: "وفي يوم الأربعاء سابع عَشَر شَعْبان دَرَّس الشَّيخُ الإمامُ العلّامةُ تقيّ الدِّين ابنُ تَيْميّة بالمدرسة الحَنْبليّة، عِوَضًا عن الشَّيخ زَيْن الدِّين ابن المُنَجَّى" (^١).
وقال في تراجم السنة نفسها: "وفي يوم الأحد رابع شَوّال تُوفِّيت خالةُ الشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تَيْميّة، وهي: عائشة بنت عبد الرَّحمن بن عليّ بن عَبْدوس ابن الحَلاويّ الحَرّانيِّ، ودُفِنَت من يومها بسَفْح قاسِيُون. وكانت صالحة، صَوّامة قَوّامة، كثيرةَ العِبادة، لا تخرجُ من بيتها في الأشهر الثَّلاثة، وحَضرَ الجنازة الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين، وكان عَقِيب مَرَضٍ، وجماعةٌ" (^٢).
وقال في حوادث السنة نفسها: "وفي يوم الاثنين سابع عَشَر ذي القَعْدة دَرَّس بحلقة العِماد ابن مُنَجَّى بجامع دمشق الإمامُ شَمْسُ الدِّين ابنُ الشَّيخ فَخْرِ الدِّين البَعْبكيّ، عِوَضًا عن الشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تَيْميّة، وحَضَرَ درسَه الشَّيخُ تَقِيّ الدِّين وقاضي القضاة تَقِيّ الدِّين الحَنْبلي، وكان لابِسًا خِلْعة القضاء، وجماعةٌ من الفُقهاء" (^٣).
وقال في حوادث سنة ٦٩٧ هـ: "وفي يوم الجُمُعة ثامن شَوّال ذكرَ الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابن تيميّة في ميعاد تفسيره فصلًا في الجهاد، وحَرَّض على إمداد المُحاصِرين بسِيس. وكان مِيعادًا جليلًا" (^٤).
وقال في حوادث سنة ٦٩٨ هـ: "وفي شهر ربيع الأوّل قامَ جماعةٌ من الشّافعية وأنكرُوا على الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تيميّة كلامه في الصِّفات ووقعت في
_________________
(١) المقتفي ٣/ ٢٨٤.
(٢) المقتفي ٣/ ٢٩٤ (١٩١٩).
(٣) المقتفي ٣/ ٣٠٥.
(٤) المقتفي ٣/ ٣٩٨.
[ ١ / ٨٤ ]
أيديهم فُتْياهُ في ذلك المعروفة بالحَمَويّة، فردّوا عليه، وانتصبوا لمعاداتِه، وسَعَوا إلى القُضاة والعُلماء، وكان ذلك في أيام شديدة البَرْد كثيرة الأمطار، فوافَقَهم القاضي جلال الدِّين الحَنَفي في الدُّخول في القَضِيّة، فطلَبَه فلم يحضر، فأمرَ بالنِّداء على إبطال العقيدة الحَمَوية، فنُودي في بعض البَلَد. ثم انتصرَ الأمير سيفُ الدِّين جاغان المشِدّ للشيخ تَقِيّ الدِّين، وطَلَب جماعة ممن قامَ عليه، فاختفَى بعضُهم، وتشفَّعَ بعضُهم، وضُرِبَ المُنادي وجماعة ممّن كان معهُ.
وفي يوم الجُمُعة ثالث عَشَر الشَّهر جلسَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في الجامع على عادته وتكلَّم على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وحَضَرَ من الغد عند قاضي القُضاة إمام الدِّين القَزْوينيّ الشافعيّ، وقُرِئت العَقِيدة الحَمَوية بحضورِ جماعة، وحُوقق الشَّيخُ تقيُّ الدِّين على ما فيها، وأجابَ بما عندَهُ في ذلك، وانفصلَ المجلس على خَيْر، وسكنت القضية. وكان رأي قاضي القُضاة إمام الدِّين تَسْكين الفِتْنة وإخْمادها" (^١).
وقال في حوادث سنة ٦٩٩ هـ إثر انكسار جيش المسلمين في وقعة الخزندار: "وفي يوم الخميس العِشْرين من شَهْر ربيع الآخر خرجَ جماعة، منهم الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابن تَيْمة إلى ملكِ التَّتار، وكان نازلًا بتلّ راهط بالمَرْج، فدخلَ عليه وأراد أن يشكو إليه ما وقعَ، فلم يُمَكَّن من ذلك، وأشارَ الوزير سَعْد الدِّين ومشير الدَّولة الرَّشيد بأن لا يُخاطب الملك بشيء من ذلك فإنَّه يَحْصل فِتْنة، ونحنُ نتولَّى إصلاح الأمر، ولكنْ لا بُدّ من إرضاء المُغْل، فإنَّ منهم جماعة لم يحصل لهم شيء إلى الآن. وعادَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين ومَن معهُ إلى البَلَد ليلة السَّبت الثاني والعِشْرين من شَهْر ربيع الآخر" (^٢).
_________________
(١) المقتفي ٣/ ٤١٤ - ٤١٥.
(٢) المقتفي ٣/ ٤٧٤ - ٤٧٥.
[ ١ / ٨٥ ]
وقال في حوادث السنة نفسها: "وفي يوم الخميس (ثاني رجب) توجَّه الشَّيخِ تقيّ الدِّين ابن تَيْمية إلى مُخيَّم بولاي بسبب الأسرى واستفكاكهم، وكان معهم خَلْق من الأسْرَى، فأقامَ ثلاث ليالٍ" (^١).
وقال في حوادث السنة المذكورة: "وفي بُكْرة الجُمُعة (السابع عشر من رجب) دارَ الشَّيخُ تقيّ الدِّين ابن تيمية بدمشق على ما جُدِّد من الخَمّارات، فبدَّد الخُمُور، وكَسَر الجِرَار، وشَّقَ الظُّروف، وعَزَّر الخَمّارين هو وجماعتُه.
ولازمَ النّاسُ هذه الليالي المبيت على الأسوار، وأظهروا عُددًا حَسَنة وتَجَمُّلًا. وكان الشَّيخُ تقيّ الدِّين وأصحابُه يَمْشون على النّاس، ويقرأ الشَّيخُ عليهم سورة القِتال وآيات الجِهاد وأحاديث الغَزْو والرِّباط والحَرَس، ويحثُّهم على ذلك ويُحَرِّضُهم" (^٢).
وذكر في وفيات السنة المذكورة، سنة ٦٩٩ هـ وفاة خاله الشيخ المقرئ الزاهد أبي الحسن علي بن عبد الرحمن بن علي الحَرّانيِّ المعروف بابن الحَلَاويّ في لية الأحد سابع عَشَر رَمَضان المُبارك بالخانقاه الأسدية (^٣).
وقال في حوادث سنة ٧٠٠ هـ: "واستهلَّ شَهْرُ صَفَر والأخبارُ قد وَصَلت بقَصْد التَّتار البلادَ، والنّاسُ بدمشق مهتمّون بأمر الهَرَب إلى الدِّيار المِصْرية والكَرَك وغيرهما، والأراجيفُ يتبعُ بعضُها بعضًا، والإزْعاج وافرٌ، والصُّدور ضَيِّقة، وغَلَت الأكرية، وبلغَ كَرْي المَحارة إلى مِصْر خمس مئة دِرْهم، وبلغَ ثمن الجَمَل ألف دِرْهم، وثمن الحِمار خمس مئة دِرْهم، وباعَ النّاس الأمتعة بالثَّمَن البَخْس من الحُليّ والنُّحاس والقُماش، وطاشت الألباب، وتَحَيَّر النّاسُ، وتفرَّقت القلوب.
_________________
(١) المقتفي ٣/ ٥١١.
(٢) المقتفي ٣/ ٥١٧ - ٥١٨.
(٣) المقتفي ٣/ ٥٣٤ (٢٣٨٧).
[ ١ / ٨٦ ]
وجلسَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين ابن تيمية في مكانه بالجامع يوم الاثنين ثاني صَفَر يفسِّر آيات الجِهاد، ويَحضُّ النّاسَ على لقاء العَدُوّ وعلى الغَزْو، والإنفاقِ في سبيل الله، ويُوجِّهُ وجوبَ قتالِهم، ويُقلِّلُ عددَهم، ويضعِّفُ أمرَهُم، ويوبِّخ مَن قصْدُهُ الهَرَب ويحضُّه على إنفاق مِقْدار ما يُخرجه في ذلك في الغَزْو. واستمرَّ يجلس أيامًا متوالية" (^١).
"واستهلَّ جُمادى الأولى والنّاسُ في رَجفات وخَوْف ووَجَل وشِدّة، وأربابُ المَناصب قد ضاقَت صُدُورُهم وتمنّوا الهَرَب، وأن يؤذَن لهم في ذلك، والنّاسُ في خَوْفٍ من عَدَم قُدوم العَساكر والسُّلطان، ومَن لم يَتَحَيَّل أولًا قام وتحَيّلَ وباعَ ورَهَنَ، وقاسَى النّاسُ شِدّةً شديدةً، ويقولون: أين العسكر؟ وما هذه أحوال مَن نِيّته الحُضُور، وهؤلاء قد تَرَكوا الشّام، وإنّما يُقاتِلُون عن ديار مِصْرَ، وما شابَه ذلك.
وخرجَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين ابنُ تَيْميّة مستهلّ جُمادى الأولى إلى المَرْج إلى المُخَيّم، فاجتمعَ بنائبِ السَّلْطنة وسَكّنه وثبَّتَه، وأقامَ عنده إلى بُكْرة الأحد الثالث الشَّهْر، فودَّعه، وساقَ على خَيْل البريد إلى الجَيْش المِصْري، فما أدركهم إلّا بعد دخولهم القاهرة" (^٢).
"وفي بُكْرة الاثنين الخامس والعِشْرين من جُمادى الأولى وصلَ كتابُ الشَّيخ تقيُّ الدِّين ابن تَيْميّة إلى دمشق مُتَضَمِّنًا أنه دخلَ القاهرة على البَرِيد في سَبْعة أيام والثامن وأنّ وصولَهُ كان يوم الاثنين حادِي عَشَر جُمادى الأولى، وأنَّه اجتمعَ بجميع أركان الدَّولة، وذكرَ لهم حاجة المُسلمين إلى الإعانةِ والغَوْث، وحصلَ بسببه هِمَم عليّة، ونُودي بالغزاة، وجَرَّد جماعة، وقَوَيت العَزائم، ونزل بالقَلْعة.
_________________
(١) المقتفي ٤/ ١٠.
(٢) المقتفي ٤/ ٢٥.
[ ١ / ٨٧ ]
وفي ظُهر يوم الأربعاء السابع والعِشْرين من جُمادى الأولى وَصلَ الشَّيخُ تقيّ الدِّين المَذْكور إلى دمشق على البَرِيد بعد أن أقامَ بقَلْعة القاهرة ثمانية أيام، وتكلَّم مع السُّلْطان والنّائب والوزير والأُمراء الأكابر أهل الحَلِّ والعَقْد في أمر الجِهاد وكَسْر هذا العدوّ المَخْذول وقَهْره والظَّفر به، وإصلاح أمر الجُنْد وتقوية ضُعفائهم، والنَّظر في أرزاقهم والعَدْل في ذلك، وأمرَهُم بإنفاق فُضُول أموالِهم في هذا الوجه وتلا عليهم آية الكَنْز وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ …﴾ الآيات [التوبة: ٣٨].
وكانَ خُرُوجه من دِيار مِصْر في يوم الثلاثاء التاسع عَشَر من جُمادى الأُولى" (^١).
وسجل في وفيات رجب من هذه السنة وفاة خاله الآخر الشيخ شمس الدِّين محمد بن عبد الرَّحمن بن عليّ بن عبد الرحمن، ابن الحَلاوي الحَرّاني التاجر، ببغداد (^٢).
وقال في حوادث سنة ٧٠١ هـ: "وفي أول ذي القَعْدة قامَ جماعةٌ على الشَّيْخ تقيّ الدِّين ابن تَيْميّة وطَلَبوا من نائبِ السَّلْطنة منعَهُ ممّا يتعاطاه من إقامة الحُدود والتَّعْزير. وشكوا منه، وحَصَلَ كلامٌ من الجِهَتين. وكانَ تَقَدَّم منه ضرْبُ جماعةٍ من الصِّبْيان وحَلْق رؤوسهم، ثم سَكَنت القَضِية" (^٣).
وقال في حوادث سنة ٧٠٢ هـ: "وفي جُمادى الأولى وَقَعَ بيد نائبِ السَّلْطنة الأميرِ جمالِ الدِّين الأفْرم كتابٌ إليه صُورة نَصِيحة على لِسان قُطُز من مماليك الأمير سَيْف الدِّين قَبْجَق، وفيه إن الشَيخ تَقِيّ الدِّين ابن تيميّة، والقاضي شَمْس الدِّين ابن الحَرِيري يكاتبان قَبْجَق ويختارانِه لنيابة المُلْك،
_________________
(١) المقتفي ٤/ ٣١.
(٢) المقتفي ٤/ ٤٣، ولم يحدد مكان دفنه، وهذا خبر تفرد به المؤلف.
(٣) المقتفي ٤/ ٨٧.
[ ١ / ٨٨ ]
ويَعْمَلان على الأمير، وإنَّ الصَّدْرَ كمالَ الدِّين ابن العَطّار، والشَّيخَ كمال الدِّين ابن الزَّمَلُكانيّ يطالعان بأخبار الأمير، وإنّ جماعةً من الأُمراء معهم في هذه القَضِية، وذكروا جماعة من مماليك الأمير وخَوَاصّه، وأدْخَلُوهم في ذلك.
فلمّا قرأ الأمير هذا الكتاب وفَهِمه عَلِمَ بُطْلانه وأسَرَّهُ إلى بعض الكُتّاب، وطلب التَّعريف بمن فَعَلَه، فاجتهدَ في ذلك حتى وقعَ الخاطر والحَدَس على فَقِير يُعرف باليَعْفُوري ممّن كانَ نُسِبَ قبل ذلك إلى فُضول وتَزْوير، فمُسِكَ فوُجد معه مُسَوّدة بالكتاب المَذْكور بعينه، فضُرِبَ، فأقرَّ على شخص آخر يُعْرَف بأحمد القباريّ، كان أيضًا قد نُسِبَ إليه زُورٌ ودخولٌ فيما لا يَعنيه، فضُرِبَ الآخرُ، فاعترفَ، وعَيّن جماعةً من الأكابر أشارُوا عليهما بذلك، وكانَ قصدهم تَشْويش خاطِر الأمر على خَوَاصه، والسَّعْي في إهلاك المَذْكورين في الكتاب، فانْجَلَت القَضِيّة للأمير، وعَرَفَ الأمر فيها معرفةً شافيةً، وعَزَّرَ الفقيرين المَذْكورين في مُستهلِّ جُمادى الآخرة، ثم بعد التَّعزير أمر بتوسيطهما وتَعْلِيقهما في اليوم المَذْكور. وكذلكَ أيضًا عُزِّز التّاج ابن المَناديليّ النّاسخ في التاريخ المَذْكور، وقُطِعَت يمينه. وهو الذي كانَ كتبَ لهما الكتابَ، وخَطُّه معروف" (^١).
وتناول المؤلف في حوادث سنة ٧٠٢ هـ وقعة شقحب التي انتصر فيها المسلمون على المغول انتصارًا عظيمًا، ودور الشيخ تقي الدين ابن تيمية فيها، وذكر مسيرهُ إلى البلاد المصرية على البريد ليحث السلطان على السير إلى دمشق، ثم عاد وثبّت الناس ومنعهم من الجفل، وقال: "ووَصلَت جماعةٌ كبيرةٌ من الجَيْش المِصْريّ إلى دمشق في يوم الأحد ثامن عَشَر شَعْبان، ومقدّمُهم الأميرُ رُكنُ الدِّين بَيْبَرس الجاشْنَكير، والأميرُ حُسام الدِّين لاجِين السِّلَحْدار المعروف بالأستاذ دار المَنْصوريّ، وفيهم الأميرُ سَيْفُ الدِّين
_________________
(١) المقتفي ٤/ ١١٥ - ١١٦.
[ ١ / ٨٩ ]
كراي المَنْصوريّ، والأميرُ رُكنُ الدِّين بَيْبَرس الدَّوادار، وعلاءُ الدِّين ابن الحاج طيْبرس، وجماعة، وفَرِحَ النّاسُ بوصولِهم، وقَوِيَت القُلُوب بذلك، ثم وَصلَت جماعة من المِصْريين، فيهم الأمير بَدْرُ الدِّين أميرُ سِلاح، وأيبك الخِزَنْدار، ويَعْقُوبا.
ثم إنَّ الجَيْش الذي كانَ قد اجتمعَ بحَمَاةَ من عَسْكَرِها، وعَسْكر حَلَب، وعَسْكر الحُصُون تأخَّرَ إلى حِمْص، وخرجَ معهم جماعةٌ كبيرةٌ من حَمَاة، وتَرَكوا أهاليهم وأموالَهُم، وحَصَلَ لهم مشقّةٌ كبيرةٌ وشِدّة عَظِيمة، ووصلُوا إلى حِمْص فلم يَرَوا المُقام بها أيضًا، خَوْفًا من أن يَدْهَمهم العَدُوّ المَخْذُول، فتأخَّرُوا عن حِمْص، فلم يَرَوا منزلة تَلِيقُ بالجيش، فوصَلُوا إلى المَرْج يوم الأحد الخامس والعِشْرين من شَعْبان.
وذُكِرَ أن التَّتار جاوزُوا حِمْص إلى قارا، ثم رَجَعُوا إلى حِمْص. وذُكِرَ أنّ طائفةً منهم وصَلَت بَعْلَبَك وجاوَزَتْها، ثم رَجَعت، وذلكَ على طريق الغارة والعَيْث والفَساد.
وأصبَحَ النّاسُ بدمشقَ يوم الأحد المَذْكور في أمرٍ كبير لقُرب العدوّ، وتأخر السُّلطان وجُمْهور الجَيْش، فشَرَعُوا وتَحَرَّكوا في الجَفْل، وذَكَرُوا أنّ هذا الجيش الذي قد اجتمعَ بالمَرْج ودمشق ليسَ لهم طاقة بلقاءِ هذا العَدُو، وإنّما سَبِيلهم أن يتأخّروا عنهم مَرْحلة مَرْحلة، فاختَبَط البَلَدُ. فلما تعالَى النَّهارُ اجتمعَ الأمراء بالمَيْدان، وتَحَالفوا على لِقائِهم وشَجَّعُوا أنفسَهُم. ونُودِيَ بالبَلَد أن لا يَجْفل أحدٌ ولا يُسافر أحد، فسكنَ النّاسُ، وجلسَ القُضاة بالجامع وحَلّفوا جماعة من الفُقهاء والعاقة على حُضُور الغَزاة.
وتوجّه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين ابن تيمية إلى جِهَة العَسْكر الواصل من حَمَاة، فأدركه بالقُطَيّفة والمَرْج، فاجتمعَ بهم وأعلَمَهُم بما اتفق عليه رأي الأُمَراء بدمشق، فوافقوا على ذلك.
[ ١ / ٩٠ ]
وكانَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في البَلَد. وأمّا القُضاة فكانوا خَرَجُوا مع الجَيْش. وباتَ النّاسَ ليلةَ الخَمِيس، ففي أول اللَّيل رأى النّاسُ نيرانَهُم وخِيَمهم، وفي آخره لم يروا لهم أثرًا، فأصبحَ النّاسُ بُكْرة الخَمِيس وقد اشتدَّ الأمرُ واضطربَ البلد، وغُلِقت الأبواب، وازدَحَم النّاس في القَلْعة، وهَرَب من قَدر، وخرجَ الشَّيخُ تقيّ الدِّين بُكْرة إلى جِهَتهم، ففُتِحَ له بابُ النَّصْر بمشقّة، وحصلَ له لومٌ من النّاس لكونه كانَ من موانع الجَفْل (^١)، وبَقِيَ البلدُ لا مُتولِّي يه، والنّاسُ رِعاع، وغَلا السِّعْر حتى بيع الخُبْز ثلاث أواق بدِرْهم، وانحصَرَ النّاسُ فلا يَجْسُر أحد على الخُروج إلى بُستانه ولا مَزْرعته ولا دارِه" (^٢).
وحينما أتى المؤلف على هزيمة التتار يوم الأحد الثالث من رمضان، قال: "وفي يوم الاثنين رابعه وصلَ النّاسُ من الكُسْوة، ودخلَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وأصحابُه بُكْرة النَّهار والنَّاسُ يهنّونهم ويَدْعون لهم" (^٣).
_________________
(١) إنما خرج شيخ الإسلام ليشهد القتال بنفسه ومن معه، فظنوا أنه إنما خرج هاربًا فحصل اللوم من بعض الناس. وذكر الحافظ ابن كثير أن السلطان طلب منه أن يقف معه في معركة القتال، فقال له الشيخ: السّنّةُ أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم، وحَرَّضَ السلطان على القتال، وبشَّره بالنصر، وجعل يحلف له بالله الذي لا إله إلا هو إنكم منصورون عيهم في هذه المرة، يقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وأفتى الناسَ بالفطر مدّة قتالهم، وأفطر هو أيضًا، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شيء معه في يده ليعلمهم أن إفطارهم ليتقوَّوا على القتال أفضل، فيأكل الناس، وكان يتأوَّل في الشاميين قوله - ﷺ -: "إنكُم مُلاقُو العدوَّ غدًا، والفِطر أقْوى لكُم" فعزم عليهم في الفطر عام الفتح كما في حديث أبي سعيد الخدري (الذي أخرجه مسلم ١١٢٠). البداية والنهاية ١٦/ ٢٦.
(٢) المقتفي ٤/ ١٢٣ - ١٢٥.
(٣) المقتفي ٤/ ١٢٩.
[ ١ / ٩١ ]
وذكر في حوادث سنة ٧٠٤ هـ أنه "في ليلة الأحد رابع رَجَب أُحضِرَ المُجاهد (^١) إبراهيم القَطان صاحب الدَّلَق الكبير إلى الشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تيمية، فقَصَ شعرَهُ المفَتّل وشاربَهُ المُسْبل وأظفارَهُ، وأمرَهُ بتَرْك الصِّياح والفُحْش وأكل ما يُغَيّر العَقْل، وتَرك لِبْس الدَّلق الكبير، وأُخِذَ وفُتِقَ، وكانَ قِطَعًا كثيرةً فيه بُسُط وعِبِيّ" (^٢).
وقال في حوادث السنة المذكورة: "وفي يوم الاثنين السّادس والعِشْرين من رَجَب حَضَرَ الشَّيخ تَقِيُّ الدِّين ابن تيميّة وجَماعة بمَسْجد النارنج جوار المُصَلَّى، وحَضَرَ معهم بعض الحَجّارين وقطَعوا الصَّخْرة التي كانت هناك وأزالُوها واستراحَ النّاسُ من زيادة شيء لا أصلَ له والاعتقاد فيه بغير طريتي شَرْعي" (^٣).
وفي ذي الحجة من السنة: "تَوجَّه الشَّيخ تَقِيُّ الدِّين بن تيمية إلى الجَبَلية الجُرديّين والكسروانيّين وصُحْبته الأمير قَرَاقوش في مُستَهلِّ ذي الحِجّة. ثم توجَّه بعدهم إلى الجهة المذكورة الشريف زين الدِّين ابن عدنان في نصف ذي الحِجّة" (^٤).
وذكر في حوادث سنة ٧٠٥ هـ أنه "في يوم السَّبْت تاسع جُمادى الأولى اجتمعَ جَماعة من الأحمدية الرِّفاعية عند نائبِ السَّلْطنة بالقَصْر، وحضرَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين ابن تيميّة، وطَلَبوا أن يُسَلم إليهم حالهم، وأنَّ الشَّيخَ تَقِيَّ الدِّين لا يُعارضهم ولا يُنْكِر عليهم، وأرادُوا أن يُظهروا شيئًا مما يَفْعلونَه، فانتدبَ
_________________
(١) يعني: لقبه مجاهد الدِّين.
(٢) المقتفي ٤/ ١٩١ - ١٩٢.
(٣) المقتفي ٩٣/ ١٤ - ١٩٤.
(٤) المقتفي ٤/ ٢٠٣.
[ ١ / ٩٢ ]
لهم الشَّيخ، وتكلَّم باتباع الشَّريعة، وأنَّهُ لا يَسَع أحدٌ الخروج عنها بقولٍ ولا فِعْل، وذكرَ أنَّ لهم حِيَلًا يَتَحَيّلونَ بها في دُخول النّار وإخراج الزّبدة من الحُلُوق. وقال لهم: مَن أرادَ دخولَ النّار فليغسِل جَسَدهُ في الحَمّام، ثم يدلكه بالخَلّ، ثم يَدْخل، ولو دَخل لا يلتفت إلى ذلك، بل هو نوعٌ من فعل الدّجّال عندنا. وكانوا جَمْعًا كبيرًا.
وقال الشَّيخُ صالح شَيْخ المُنَيْبع: نحنُ أحوالنا تَنْفق عندَ التَّتار ما تنفق قُدّام الشَّرْع. وانفصلَ المَجْلس على أنَّهم يَخْلَعون الأطواقَ الحديد، وعلى أنَّ مَن خَرجَ عن الكِتاب والسُّنّة ضُرِبَت رقبتُه، وحَفِظ هذه الكلمة الحاضرون من الأمراء والأكابر وأعيان الدَّولة.
وكَتَب الشَّيخ عَقِيب هذه الواقعة جُزءًا في حال الأحْمَدية ومَبْدئِهم وأصل طريقتِهم، وذكرَ شَيْخَهم وما في طريقتهم من الخَيْر والشَّرِّ، وأوضحَ الأمرَ في ذلك" (^١).
"وفي يوم الاثنين ثامن رَجَب طُلِبَ القُضاة والفُقهاء وطُلِبَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين ابن تَيْمية إلى القَصْر إلى مَجْلس نائبِ السَّلْطنة، فلما اجتمَعُوا عنده سألَ الشَّيخَ تَقِيَّ الدِّين على التَّعيين عن العَقِيدة، فأحضرَ الشَّيخُ "عقيدته الواسطيّة"، وقُرِئت في المجلس وبحثَ فيها، وبَقِيَ مواضع أُخِّرَت إلى مَجْلس آخر.
ثم اجتمَعُوا يوم الجُمُعة بعد الصَّلاةِ ثاني عَشَر رَجَب المَذْكور، وحَضرَ هذا المَجْلس أيضًا الشَّيخُ صَفِيُّ الدِّين الهِنْدي وبحثُوا معه، وسألُوه عن أشياء ليست في العَقِيدة، وجعلُوا الشَّيخَ صَفِيَّ الدِّين يتكلَّم معه. ثم اتَّفقُوا على الشَّيخ كمال الدِّين ابن الزَّمَلُكانيّ، فحاقَقَهُ وبحثَ معه من غير مُسامَحة،
_________________
(١) المقتفي ٤/ ٢١٨ - ٢١٩.
[ ١ / ٩٣ ]
ورضيوا بذلك عن الشَّيخ كمال الدِّين وعَظَّمُوه وأثنوا عليه وعلى بَحْثه وفَضَائله، وخَرَجوا من هناك والأمر قد انفصَلَ، وانصرفَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين إلى منزلِه.
والذي حَمَلَ الأميرَ على هذا الفِعل كتابٌ وردَ عليه من مِصْر في هذه المعنى؛ وكانَ السَّبب فيه القاضي زَيْن الدِّين المالكي قاضي دِيار مِصْر، والشَّيخ نَصْر المَنْبِجيّ. وبعد ذلك عَزَّرَ بعضُ القُضاة بدمشق لشخص ممّن يلوذ بالشَّيخ تَقِيّ الدِّين، وطُلِبَ جَماعة، ثم أُطلقوا. ووقَعَ هَرَج في البَلَد.
وكانَ الأميرُ نائبُ السَّلْطنة قد خرجَ للصَّيد وغابَ نحو جُمُعة ثم حضر.
وفي يوم الاثنين الثاني والعِشْرين من رَجَب قرأ المُحَدِّث جمالُ الدِّين المِزّيّ فَصْلًا في الرَّدِّ على الجَهْمية من كتاب "أفعال العباد" تصنيف البُخاري. وكانت قراءته لذلك في المَجْلس المَعْقُود لقراءة "الصحيح" تحتَ النَّسْر، فغَضِبَ لذلك بعض الفُقهاء الحاضِرين وقالوا: نحنُ المَقْصودونَ بهذا، ورَفَعُوا الأمرَ إلى قاضي القُضاة الشّافعيّ، فطلَبَهُ ورَسَم بحَبْسه، فبلغَ ذلك الشَّيخ تَقِيّ الدِّين فتألَّمَ له، وأخرَجَهُ من الحَبْس بنفسِه، وخَرَجَ إلى القَصْر فاجتمعَ هو وقاضي القُضاة هناك، وردَّ الشَّيخ تَقِيّ الدِّين عن المِزّيّ، وأثنَى عليه، وغَضِبَ قاضي القُضاة، وأعادَ المِزّيّ إلى حَبْسه بالقُوصيّة، فبقيَ أيامًا.
وذكرَ الشَّيخ تَقِيُّ الدِّين ما وقعَ في غَيْبة الأمير في حَقِّ بعض أصحابه من الأذَى، فرَسَم الأمير فنُودي في البَلَد أنَّهُ من تكلَّم في العقائد حَّل مالُه ودمُه، ونُهِبت داره وحانوته، وقصد الأمير تَسْكين النّاس بذلك" (^١).
"وفي يوم الثُّلاثاء سابع شَعْبان عُقد للشيخ تَقِيّ الدِّين مَجْلس ثالث بالقَصْر ورضي الجَماعة بالعَقِيدة.
_________________
(١) المقتفي ٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
[ ١ / ٩٤ ]
وفي هذا اليوم عَزَلَ قاضي القُضاة نَجْمُ الدِّين ابن صَصْرَى نفسَهُ عن الحُكْم بسبب كلام سَمِعه من بعض الحاضرين.
وفي السّادس والعِشْرين من شَعْبان وردَ كتابُ السُّلطان إلى قاضِي القُضاة بإعادته إلى الحُكْم. وفيه: إنّا كنّا رَسَمْنا بعَقْد مجلس للشْيخ تَقِيّ الدِّين، وقد بَلَغَنا ما عُقد له من المَجَالس، وإنه على مَذْهب السَّلَف، وما قصدْنا بذلك إلا براءة ساحتِه" (^١).
"وفي يوم الاثنين خامس رَمَضان وَصلَ كتابُ السُّلْطان بالكَشْف عمّا كانَ وقعَ للشَّيخ تَقِيّ الدِّين في ولاية جاغان، وفي ولاية القاضي إمام الدِّين، وبإحضاره وإحضار قاضي القُضاة إلى الدِّيار المِصْرية، فطلبَ نائبُ السَّلْطنة جَماعة من الفُقهاء، وكتبَ ما ذكروه ممّا وقعَ في أيام جاغان.
وفي يوم الاثنين ثاني عشر رَمَضان تَوجَّه قاضي القُضاة، والشَّيخُ تَقِيّ الدِّين على البريد، ودخلَ الشَّيخُ تَقِي الدِّين مدينة غزّة يوم السَّبْت، وعَمِلَ في جامعِها مَجْلسًا، ووصلا معًا إلى القاهرة يوم الخَمِيس الثاني والعِشْرين من رَمَضان، وعُقِدَ للشَّيخ تَقِيّ الدِّين مَجْلس بالقَلْعة، وأرادَ أن يتكلَّم فلم يُمَكِّن من البحث والكلام على عادته، وحُبِسَ في بُرج إيامًا. ثم نُقِلَ إلى الجُبّ ليلة عيد الفِطْر هو وأخواه.
وأكرم قاضي القُضاة نَجْم الدِّين وجُدِّد له تَوْقيعٌ وخُلِعَ عليه، وسافرَ إلى دمشقَ فوصَلَها يوم الجُمُعة سادس ذي القَعْدة، وقُرئ تقليدُه بمقصورة الخَطابة يوم الجُمُعة ثالث عَشَر ذي القَعْدة، وقُرئ عَقِيبه الكتاب الذي وَصلَ معه وفيه مخالفة الشَّيخ تَقِيّ الدِّين في العَقِيدة وإلزام النّاس بذلك، خُصوصًا أهل مَذْهبه، والوعيد بالعَزْل والحَبْس. وفيه أن يُنادَى بذلك في البلاد الشّامية.
_________________
(١) المقتفي ٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
[ ١ / ٩٥ ]
وكانَ قد نُودِي قبل صلاة الجُمُعة بالجامع والأسواق. ووَصلَت الأخبار بكرة المُتَعصّبين بالدِّيار المِصْرية على الشَّيخ تَقِيّ الدِّين، وأنّهُ حصلَ أذًى كثير للحنابلة.
وحُبِسَ تَقِيُّ الدِّين عبد الغني ابن الشَّيخ شَمْس الدِّين الحَنْبَليّ، وأُلزِموا جميعهم بالرُّجوع عن عَقِيدتهم في القُرآن والصِّفات، وأشارَ القُضاة على رَفِيقهم قاضي القضاة شَرَف الدِّين الحَرّاني الحَنْبَليُّ، بموافقة الجَماعة. وكانَ قليلَ العِلْم، فوافقَ وألزم جَماعة من أهل مَذْهبه بذلك، وأخذَ خطوطَهُم.
ووقعَ أمر لم يَجْر على الحنابلة مثله، وكانَ ذلكَ بقيام الأمير رُكْن الدِّين الجاشنَكير في القضية بسَعْي القاضي المالكيّ والقَرَوي المالكي وجَماعة من الشَّافعيّة" (^١).
"وفي أوائل ربيع الآخر (سنة ٧٠٦ هـ) اعتُقِلَ شَرَفُ الدِّين مُحمدُ بنُ سَعْدِ الدِّين بن نُخَيْخ الحَرّانيِّ، أحد أصحاب الشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تَيْميّة بالقَلْعة بالقاهرة، بعد أن اجتمعَ بالأميرين: سَيْف الدِّين سَلّار، ورُكْن الدِّين بَيْبَرس الجاشْنَكير، وتَكلَّم بين أيديهما كلامًا طويلًا. وبَقِيَ مَحْبوسًا إلى سادس شَعْبان، فأمرَ الأمير سَيْف الدِّين سَلّار بإطلاقه، فحضرَ إليه الأوحديّ وأخرجَهُ بغير سَعْي" (^٢).
"وفي سَلْخ رَمَضان (سنة ٧٠٦ هـ) أحْضَرَ الأميرُ سَيْف الدِّين سَلّار القُضاةَ الثلاثة الشّافعيّ والمالكيّ والحَنَفيّ، ومن الفُقهاء: الباجِيّ، والجَزَريّ، والنِّمْراويّ، وتكلَّم في إخراج الشيخ تَقِيّ الدِّين من الحَبْس، فاتفقوا على أنه
_________________
(١) المقتفي ٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩. وقد قال المؤلف في ترجمة الشيخ أبي عبد الله القروي المالكي المتوفى بطريق الحجاز في ذي القعدة سنة ٧٠٦ هـ: " وكان ممن سعى في حبس الشيخ تقي الدين ابن تيمية وقام في قضيته قيامًا شديدًا" ٤/ ٢٧٥ (٣٠٥٧).
(٢) المقتفي ٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
[ ١ / ٩٦ ]
يُشتَرط عليه أمور ويُلْزم بالرُّجوع عن بعض العَقِيدة، فأرسَلُوا إليه من يُحْضِرُه ليكلَّموا معه في ذلك، فلم يُجب إلى الحُضُور، وتكرَّر الرَّسُول إليه في ذلك ستّ مرّات، وصَمَّمَ على عَدَم الحُضُور في هذا الوَقْت، فطالَ عليهم المَجْلس وانصرَفُوا عن غير شيءٍ" (^١).
"وفي الثامن والعِشْرين من ذي الحِجَّة وَصلَ الشَّيخ تاجُ الدِّين محمودُ بن عبد الكريم بن محمود الفارِقيُّ من الديار المِصْرية، وكانَ تَوجَّه لأجلِ زيارة الشَّيخ تَقِيّ الدِّين والقيام في نُصْرته، فأقامَ مدّةً ثم رجعَ والأمرُ على حاله.
وفي هذا اليوم أخبرَ نائبُ السَّلْطنة بوصول كتاب إليه من الشَّيخ تَقِيُّ الدِّين ابن تَيْميّة من الجُبّ، وأعلم بذلك جَماعةً ممّن حَضَرَ مجلسَهُ، وأثنَى عليه، وقال: ما رأيتُ مثلَهُ ولا أشجعَ منه، وذكرَ ما هو عليه في السَّجْن من التَّوجُّه إلى الله تعالى، وأنَّه لا يقبل شيئًا من الكِوة السُّلطانية ولا من الإدرار السُّلطانيّ، ولا تدنَّس بشيءٍ من ذلك" (^٢).
"وفي يوم الخَمِيس السّابع والعِشْرين من ذي الحِجَّة طلب أخوا الشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تَيْمية، وهما: شَرَف الدِّين عبد الله، وزَيْن الدِّين عبد الرَّحمن من الحَبْس إلى مَجْلس نائب السَّلْطنة، وحَضَر القاضي زَيْنُ الدِّين المالكيُّ، وجَرَى بينهم كلامٌ كثيرٌ وأُعيدا إلى مَوْضعهما.
وفي يوم الجُمُعة التالي لليوم المَذْكور أُحْضِر شَرَفُ الدِّين وحده، وحضرَ ابن عَدلان في مَجْلس نائب السَّلْطنة، وتكلَّم معه، وظهرَ من الأمير سَيْف الدِّين سَلّار كراهة للشيخ وإخوتِه في هذا المَجْلس" (^٣).
_________________
(١) المقتفي ٤/ ٢٦٦.
(٢) المقتفي ٤/ ٢٧٨.
(٣) المقتفي ٤/ ٢٧٩.
[ ١ / ٩٧ ]
وقال في حوادث سنة ٧٠٧ هـ: "واجتمعَ قاضي القُضاة بَدْرُ الدِّين بالشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تَيْميّة في دار الأوْحَديّ بالقَلْعة بُكْرة الجُمُعة رابع عِشْري صَفَر، وتفرّقا قبل الصَّلاة، وطالَ بينهما الكَلامُ" (^١).
"وفي أوائل ربيع الأول وَصلَ الأميرُ حُسامُ الدِّين مُهَنّا بن عيسى إلى دمشقَ، وتَوجَّه إلى القاهرة فوصَلَها في تاسع عَشَر الشَّهْر المَذْكور، وحضرَ بنَفْسِه إلى السِّجن إلى الشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تَيْميّة، فأخرَجَهُ بعد أن استأذنَ في ذلك، فخرجَ يوم الجُمُعة الثالث والعِشْرين من الشَّهْر إلى دار نائبِ السَّلْطنة بالقَلْعة، وحضرَ بعضُ الفُقهاء وحصلَ بينهم بَحْثٌ كثيرٌ، وفَرَّقت صلاةُ الجُمُعة بينهم، ثم اجتمَعُوا إلى المَغْرب، ولم يَنْفَصل الأمر. ثم اجتمَعُوا بمَرْسوم السُّلطان يوم الأحد الخامس والعِشْرين من الشَّهْر مجموع النَّهار. وحَضرَ جَماعةٌ أكثر من الأوّلين، حَضرَ نَجْمُ الدِّين ابن الرِّفْعة، وعلاءُ الدِّين الباجيُّ، وفَخْر الدِّين ابن بنت أبي سَعْد، وعز الدِّين النِّمْراويُّ، وشمسُ الدِّين ابن عَدْلان، وصِهْر المالكيّ، وجَماعةٌ من الفُقهاء. ولم تَحْضر القُضاة، وطُلِبُوا، واعتذرَ بعضُهم بالمَرَض، وبعضُهم تبع أصحابه، وقبل عُذْرهم نائبُ السَّلْطنة، ولم يُكَلّفهم الحُضُور بعد أن رَسَم السُّلطان بحضُورِهم، وانفَصَلَ المَجلسُ على خَيْر، وباتَ الشَّيخُ عندَ نائبِ السَّلْطنة، وكَتَبَ كتابًا إلى دمْشقَ بُكْرة الاثنين السّادس والعِشرين من الشَّهْر يَتَضمَّن خروجه، وأنَّه أقامَ بدار ابن شُقَيْر بالقاهرة، وأن الأمير سَيْف الدِّين سَلّار، رسم بتأخره عن الأمير مُهَنّا أيامًا ليرى النّاس فَضْلَهُ، ويحصل لهم الاجتماعُ به.
ووَصلَ مُهَنّا إلى دمشقَ يوم الخَمِيس سادس شَهْر ربيع الآخر، وأقامَ ثلاثةَ أيام وسافَرَ، ثم عُقِدَ للشَّيخ تَقِيّ الدِّين مَجْلسٌ ثالثٌ يوم الخَمِيس سادس ربيع الآخر بالمَدْرسة الصّالحية بالقاهرة" (^٢).
_________________
(١) المقتفي ٤/ ٢٨٦.
(٢) المقتفي ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨.
[ ١ / ٩٨ ]
"وفي شَوّال شَكَى شَيْخ الصُّوفية بالقاهرة كريمُ الدِّين الآمُلي وابنُ عَطاء وجَماعة نحو الخمس مئة من الشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تَيْميّة وكلامه في ابن عَرَبيّ، وغيره، إلى الدَّولة، فردّوا الأمر في ذلك إلى الحاكم الشّافعيّ، وعُقِدَ له مَجْلسٌ وادّعَى عليه ابنُ عَطاء بأشياء، فلم يَثْبُت شيءٌ منها، لكنّهُ اعترفَ أنه قال: لا يُسْتغاث بالنَّبيِّ - ﷺ - استغاثة بمعنى العِبادة، ولكن يُتَوَسّل به. فبعض الحاضرين قال: ليسَ في هذا شيء. ورأى قاضي القُضاة بَدْر الدِّين أن هذا إساءة أدَب، وعَنَّفَهُ على ذلك. فحضرت رسالة إلى القاضي أن يَعْمَل معه ما تقتضيه الشَّرِيعة في ذلك. فقال القاضي: قد قلتُ له ما يُقال لمثله.
ثم إنَّ الدَّولةَ خَيَّروه بين أشياء، وهي الإقامة بدمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحَبْس، فاختارَ الحَبسْ، فدخلَ عليه جماعته في السَّفَر إلى دمشقَ مُلْتَزمًا ما شُرط، فأجابهم، فأركبوه خَيْل البَرِيد ليلة الثامن عَشَر من شَوّال.
ثم أُرسل خَلْفه من العد بريدٌ آخر، فردَّهُ، وحضرَ عند قاضي القُضاة بحضور جَماعة من الفُقهاء، فقال له بعضُهم: ما تَرْضَى الدولة إلا بالحَبْس. فقال قاضي القُضاة: وفيه مَصْلحة له. واستنابَ شَمْس الدِّين التونسيّ المالكيّ وأذِن له أن يحكم عليه بالحَبْس، فامتنعَ وقال: ما ثَبتَ عليه شيءٌ. فأُذِنَ لنورِ الدِّين الزَّواويّ المالكيّ، فتحيَّرَ. فقال الشَّيخ: أنا أمضِي إلى الحَبْس وأتبع ما تَقْتَضِيه المَصْلحة. فقال نور الدِّين المأذون له في الحُكْم: يكون في موضع يَصْلح لمثله. فقيل له: ما تَرْضَى الدَّولة إلّا بمُسمَّى الحَبْس، فأُرسِلَ إلى حَبْس القاضي، وأُجْلِسَ في الموضع الذي أُجْلِسَ فيه القاضي تَقِيّ الدِّين ابن بنت الأعزّ لما حُبِسَ، وأُذِنَ في أن يكون عنده من يَخْدمه. وكانَ جميع ذلك بإشارة الشَّيخ نَصر المَنْبِجيّ ووجاهته في الدَّولة.
[ ١ / ٩٩ ]
واستمرَّ الشَّيخُ في الحَبْس يُسْتَفْتى ويَقْصده النّاسُ ويزورونه، وتأتيه الفَتاوى المُشْكلة من الأمراء وأعيانِ النّاس" (^١).
وقال في حوادث سنة ٧٠٩ هـ: "وفي الليلة الأخيرة من صَفَر، وهي ليلة الجُمُعة توجَّه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين ابن تَيْمية من القاهرة إلى الإسكندرية مع أميرٍ مُقَدَّم، ولم يُمكَّن أحدٌ من جماعته من السَّفَر معه. ووصلَ هذا الخَبرُ إلى دمشقَ بعد عَشَرة أيام، فحصلَ التألّم لأصحابه ومُحبِّيه، وضاقَت الصُّدورُ وتَضاعفَ الدُّعاءُ له، وبَلَغَنا أنَّ دخولَهُ الإسكندرية، كانَ يوم الأحد، دُخِلَ به من باب الخوخة إلى دار السُّلطان، ونُقِلَ ليلًا إلى بُرْج في شَرْقيّ البَلَد.
ثم وصَلَت الأخبار أنَّ جماعةً من أصحابِه تَوَجَّهوا إليه بعد ذلك. وصارَ النّاسُ يَدْخلونَ إليه ويقرؤون عليه ويَبحثونَ معه. وكانَ الموضعُ الذي هو فيه فَسِيحًا مُتَّسعًا" (^٢).
"ووَصلَ الخَبَرُ في خامس شَعْبان بأنَّ الحاجَّ يحيى بنَ زَكْري بن أبي عليّ الرَّسْعَنيَّ التّاجرَ ماتَ عند الشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تَيْميَة بالإسكندرية، وكان تَوجَّه إلى زيارته.
وكانَ رَجُلًا صالحًا، خَيرًا، من أصحابنا، وسَمِعَ مع ابن جَعْوان، ولم يُحَدِّث.
وكانَ قد بلغ الأربعين. وله حُضورٌ على ابن النُّشْبِيّ في الثانية سنة سبعين وست مئة" (^٣).
"وفي ثامن شَوّال طُلِبِ الشَّيخُ تَقِيُ الدِّين ابن تَيْمية من الإسكندرية، فوَصلَ إلى القاهرة في ثامن عَشَره يوم السَّبْت، واجتمعَ بالسُّلْطان يوم الرّابع
_________________
(١) المقتفي ٤/ ٣١٧ - ٣١٨.
(٢) المقتفي ٤/ ٣٥٨.
(٣) المقتفي ٤/ ٣٧٧ (٣٢٦٤).
[ ١ / ١٠٠ ]
والعِشْرين منه، وأكرمَهُ وتلقّاه في مَجْلس حَفِلٍ، فيه قُضاة المِصْريِّين والشاميِّين، والفُقهاء، وأصلحَ بينه وبينَهُم. ثم نزلَ إلى القاهرة وسكنَ بالقُرْب من مَشْهد الحُسين، ﵁، والنّاسُ يتردَّدون إليه، والأمراءُ والجُنْد، وطائفةٌ من الفُقهاء، وفيهم من يعتذر إليه ويتنصّل ممّا وقعَ" (^١).
وقال في حوادث سنة ٧١١ هـ: "وفي العَشْر الأوسط من رَجَب وقعَ أذًى في حَقُّ الشَّيخ تَقِيّ الدِّين ابن تَيْميّة بمِصْر، وظفرَ به بعض المُبْغِضين له في مكانٍ خالٍ وأساءَ عليه الأدبَ، وحَضرَ جماعةٌ كبيرةٌ من الجُنْد وغيرهِم إلى الشَّيخ بعد ذلك لأجل الانتصار له، فلم يُجب إلى ذلك، وكتبَ إليَّ المُقاتليُّ يذكرُ أنَّ ذلك وقعَ من فقيهٍ بمِصْر يُعرَف بالبَكْريّ حصلَ منه إساءة أدب.
ثم بعدَ ذلك طُلِبَ وتَوَدَّد وشَفَعَ فيه جماعةٌ، والشَّيخُ ما تكلَّم ولا اشتكَى، ولو حَصلَ منه شَكْوى أهينَ ذاك غايةَ الإهانة، لكن قال: أنا ما أنتصرُ لنفسي" (^٢).
"وفي الحادي والعِشْرين من رَجَب تُوفِّي شهابُ الدِّين أحمدُ ابنُ الشَّيخ الصَّالح عليِّ بن عبد الرَّحمن بن عليّ بن عبد الرَّحمن بن عليّ بن عَبْدوس الحَرّانيِّ التاجرُ، المَعْروف بابن الحَلاويِّ، بثَغْر الإسكندرية، وهو ابن خال الشَّيخ تَقِيّ الدِّين بن تَيْميّة.
ومولدُه في شَهْر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وست مئة بدمشق، ولم يُكمل الأربعين.
وكانَ رَجُلًا جيِّدّا، تامَّ المروءة، كثيرَ الدِّيانة، وافرَ العَقْل، خبيرًا بالأمور. وأُصيبت به والدتُه وإخوتُه وأهلُه" (^٣).
_________________
(١) المقتفي ٤/ ٣٩١.
(٢) المقتفي ٤/ ٤٨٢ - ٤٨٣.
(٣) المقتفي ٤/ ٤٨٣.
[ ١ / ١٠١ ]
وقال في حوادث سنة ٧١٢ هـ: "في أول يوم من شَهْر ذي القَعْدة وَصلَ إلى دمشقَ الشَّيخُ الإمامُ العلّامة تَقِيُّ الدِّين ابن تيميّة، وكانَ خَرجَ من القاهرةِ صُحْبة الجَيْش قاصدًا الغزاة، فلمّا وَصلَ معهم إلى عَسْقلان تَوجَّه إلى البيت المُقَدَّس وجعلَ طريقَهُ على عَجْلون وبعض بلاد السَّواد وزُرَع، ووَصلَ إلى دمشقَ في التّاريخ المَذْكور بعد غَيْبته عنها أكثر من سَبْع سنين، ومعه أخواه وجماعةٌ من أصحابه. وخَرجَ خَلْقٌ كثيرٌ لتَلقِّيه، وسُرُّوا بمقدمِه وسلامتِه وعافيتِه، نفعَ اللهُ تعالى به ومَتَّع بطول بقائه" (^١).
وترجم في وفيات سنة ٧١٦ هـ لوالدة شيخ الإسلام فقال: "وفي يوم الأربعاء العِشْرين من شَوّال تُوفيت المرأةُ الكبيرةُ الصّالحةُ ستُّ النِّعَم بنتُ عبدِ الرَّحمن بن عليُّ بن عَبْدوس الحَرّانيةُ، ودُفِنَت من يومها بمقابر الصُّوفية، وحَضَرَها خلقٌ كثيرٌ.
وهي والدةُ الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تيميّة، أدامَ اللهُ النَّفْعَ به.
ومولدُها تقريبًا في سنة خَمْسٍ وعشرين وست مئة.
وولدَت تِسْعة أولاد من الذُّكور، ولم تُرزَق بنتًا. وكانت صالحةً خَيِّرةً مُباركة، من بيتِ عِلْمٍ وصَلاح" (^٢).
وترجم في وفيات سنة ٧١٧ هـ لأخي شيخ الإسلام ابن تيمية لأمه فقال: "وفي يوم الأربعاء الثامن من جُمادى الآخرة تُوفِّي الشَّيخُ الفقيهُ الإمامُ العالمُ الفاضِلُ بَدْرُ الدِّين أبو القاسم بنُ مُحمد بن خالد بن إبراهيم الحَرّانيِّ، ودُفِنَ آخر هذا اليوم بمقابر الصُّوفية عند والدته، وحَضَرهُ جَمْع كبير.
ومولدُه تقريبًا في سنة خَمْسين وست مئة، أو إحدى وخَمْسين بحرّان.
_________________
(١) المقتفي ٥/ ٤٣.
(٢) المقتفي ٥/ ٢٢٤.
[ ١ / ١٠٢ ]
وتفقه ولازمَ الاشتغالَ على شُيوخ مَذْهبه مدَّةً، وسَمِعَ من ابن عبد الدّائم، وابن أبي اليُسْر، وابن الصَّيْرفيّ، والقاضي شَمْس الدِّين الحَنْبليّ، والقاضي شَمْس الدِّين الحَنَفيّ، وجماعة كبيرة. وكانَ إمامًا بالمَدْرسة الجَوْزية، وفقيهًا بالمَدارس، ودَرَّس بالمَدْرسة الحَنْبلية نيابةً عن أخيه لأمه الشيخ الإمام شيخ الإسلام تَقِيّ الدِّين ابن تَيْميّة، نَفَعَ اللهُ تعالى به، وباشَرَ إمامةَ المَسْجد الكبير بالرَّمّاحين المَعْروف بالحَنابلة، وأفتَى.
وكانَ فَقِيهًا مُبارَكًا، كثيرَ الخَيْر، قليلَ الشَّرِّ، حَسَن الخُلُق، مقطعًا عن النّاس، وحَصَّلَ شيئًا من المال، وكانَ يَتَّجِر ويَتكَسَّب، وخَلَّف لأولاده تَرِكةً. ورَوَى "جُزء ابن عَرَفة" مرّاتٍ عديدة" (^١).
"وفي يوم الأربعاء الثامن من شَوّال ذَكَرَ الدَّرْس بالمَدْرسة الحَنْبلية بدمشق الشيخ الإمامُ الزّاهدُ مُفتِي المُسلمينَ بقيّةُ السَّلَف الصّالحين شَرَفُ الدِّين أبو مُحمد عبدُ الله ابنُ الشَّيخ شهابِ الدِّين ابن تَيْميّة، وحَضَرَ عندهُ جماعةٌ من الأعْيان، وأقامَ وظيفةَ المَدْرسة عِوَضًا عن أخيه لأمه الشَّيخ بَدْر الدِّين أبي القاسم الحَرّانيّ، ﵀، وتَوجَّه عَقِيب ذلك إلى الحِجاز، فأقامَ الوظيفة أخوهُ الاْكبر شيخُ الإسلام تَقِيُّ الدِّين، واستمرَّ يتردَّدُ إلى المَدْرسةِ في بَعْض أيام الأسبوع، ثم حَضَرَ شَرَفُ الدِّين من الحِجاز، ولم يَخْتر التَّردُّدَ إلى المَدْرسة وإلقاء الدُّروس، فاستمرَّ الشَّيخُ تَقِيّ الدِّين، نفعَ الله بهما" (^٢).
وقال في حوادث سنة ٧١٨ هـ: "وفي يوم الخَمِيس مُنتَصف شَهْر ربيع الآخر اجتمعَ قاضي القُضاة شَمْس الدِّين الحَنْبليُّ بالشيخ العَلّامة تَقِي الدِّين
_________________
(١) المقتفي ٥/ ٢٥٣.
(٢) المقتفي ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
[ ١ / ١٠٣ ]
ابن تَيْميّة، وأشارَ بتَركِ الإفتاء في مسألة الحَلف بالطَّلاق، فقبلَ الشَّيخ إشارتَهُ وعرفَ نصيحتَهُ وأجابَ إلى ذلك رعايةً لخَواطِر الجماعة المُفْتِين" (^١).
"في يوم السَّبْت مُسْتَهلّ جُمادى الأولى وردَ البريدُ إلى دمشقَ ومعه كتاب السُّلْطان بالمَنْع من الفَتْوى في مَسألة الحَلف بالطَّلاق التي رآها الشَّيخ تَقِيُّ الدِّين ابن تَيْميّة وأفتَى بها وصَنَّف فيها، والأمْر بعَقْد مَجْلس في ذلك فعُقِدَ يوم الاثنين ثالث الشَّهْر المَذْكور بدارِ السَّعادة، وانفصلَ الأمرُ على ما أمر به مولانا السُّلْطان -أعزَّ اللهُ أنصارَهُ- ونُودِيَ بذلك في البَلَد يوم الثُّلاثاء رابع الشَّهْر المَذْكور" (^٢).
وأشار المؤلف إلى أن الشيخ تقي الدين ابن تيمية كان في شهر رجب من سنة ٧١٨ هـ مقيمًا بالمزة (^٣).
وقال في حوادث سنة ٧١٩ هـ: "وفي يوم الثُّلاثاء التاسع والعِشْرين من شَهْر رَمَضان جُمِعَ القُضاةُ والفُقهاءُ عندَ نائبِ السَّلْطنةِ بدارِ السَّعادة، وقُرِئ عليهم كتاب السُّلْطان وفيه فَصْلٌ يتعلَّق بالشَّيخ تَقِيِّ الدِّين ابن تَيْميّة بسبب الفَتْوى في مسألة اليمين بالطَّلاق وأُحضِرَ وعُوتِبَ على فُتْياهُ بعدَ المَنْع، وانفصلَ المَجْلس على تأكيد المَنْع" (^٤).
وقال في حوادث سنة ٧٢٠ هـ: "وفي يوم الخَمِيس الثاني والعِشْرين من رَجَب عُقِدَ مَجْلس بدار السَّعادة وحَضرهُ نائبُ السَّلْطنة بدمشقَ والقُضاةُ وجماعةٌ من المُفْتِين، وحَضرَ الشَّيخ تقيّ الدِّين ابن تَيْميّة، وعاودُوه في الإفتاء في مسألة الطَّلاق وعاتَبُوه على ذلك وحاققوهُ وحَبَسوه بالقَلْعة" (^٥).
_________________
(١) المقتفي ٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨.
(٢) المقتفي ٥/ ٣٠٨.
(٣) المقتفي ٥/ ٣١٦.
(٤) المقتفي ٥/ ٤٠١.
(٥) المقتفي ٥/ ٤٦٤.
[ ١ / ١٠٤ ]
ونقل الحافظ ابن كثير من هذا الكتاب أنه أطلق يوم عاشوراء من سنة ٧٢١ هـ بمرسوم السلطان، وكانت مدة إقامته خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا (^١).
وقال ابن كثير في حوادث سنة ٧٢٦ هـ من كتابه "البداية والنهاية": "قال البرزالي: وفي يوم الاثنين عند العصر سادس عشر شعبان اعتُقِل الشيخ الإمام العالم العلّامة تقي الدين بن تيمية بقلعة دمشق، حضر إليه من جهة نائب السلطنة تَنْكز مشد الأوقاف، وابن الخَطيري أحد الحجاب بدمشق، وأخبراه أن مرسوم السلطان ورد بذلك، وأحضرا معهما مركوبًا ليركبه، وأظهر السرور والفرح بذلك، وقال: أنا كنت منتظرًا لذلك، وهذا فيه خيرٌ كثيرٌ ومصلحة كبيرة، وركبوا جميعًا من داره إلى باب القلعة، وأخليت له قاعة وأُجرى إليها الماء ورُسم له بالإقامة فيها، وأقام معه أخوه زين الدين يخدمه بإذن السلطان، ورُسم له ما يقوم بكفايته.
قال البرزالي: وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قرئ بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد باعتقاله ومنعه من الفُتيا، وهذه الواقعة سببُها فُتيا وجدت بخطه في المنع من السفر وإعمال المطيّ إلى زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقبور الصّالحين.
قال: وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان أمر قاضي القضاة الشافعي في حبس جماعة من أصحاب الشيخ تقي الدين في سجن الحكم، وذلك بمرسوم نائب السّلطنة وإذنه له فيه، فيما تقتضيه الشريعة في أمرهم، وعزر جماعة منهم على دواب ونُودي عليهم ثم أُطلقوا، سوى شمس الدين محمد ابن قيّم الجوزية فإنه حُبس بالقلعة، وسكنت القضية" (^٢).
_________________
(١) البداية والنهاية ١٦/ ١٥١.
(٢) البداية والنهاية ١٦/ ١٩٠ - ١٩١.
[ ١ / ١٠٥ ]
"وفي يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة (سنة ٧٢٨ هـ) أُخرج ما كان عند الشيخ تقي الدين بن تيمية من الكتب والأوراق والدّواة والقلم، ومُنع من الكتب والمطالعة، وحملت كتُبه في مستهل رجب إلى خزانة الكتب بالعادلية الكبيرة.
قال البرزالي: وكانت نحو ستين مجلدًا، وأربع عشرة ربطة كراريس، فنظر القضاة والفقهاء فيها وتفرَّقوها بينهم؛ وكان سبب ذلك أنه أجاب لما كان رد عليه التقي ابن الأخنائي المالكي في مسألة الزيارة، فرد عليه الشيخ تقي الدين واستجهله وأعلمه أنه قليل البضاعة في العلم، فطلع الأخنائي إلى السُّلطان وشكاه، فرسم السلطان عند ذلك بإخراج ما عنده من ذلك وكان ما كان، كما ذكرنا" (^١).
ونقل الحافظ ابن كثير من هذا الكتاب (^٢) قطعة من ترجمة البرزالي لرفيقه شيخ الإسلام ابن تيمية جاء فيها على ذكر وفاته وتشييعه خاصة بما لم يشهد له التاريخ مثيلًا إلا في جنازة الإمام المبجل أحمد بن حنبل وأبي بكر بن أبي داود وأضرابهما فقال:
"قال الشيخ علم الدين البِرْزالي في تاريخه: وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي الشيخ الإمام العلامة الفقيه الحافظ الزاهد القدوة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن شيخنا الإمام العلامة المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم ابن الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم محمد ابن تيمية الحرّاني ثم الدمشقي، بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوسًا فيها، وحضر جمع كثير إلى
_________________
(١) البداية والنهاية ١٦/ ٢٠٨.
(٢) البداية والنهاية ١٦/ ٢١٠ - ٢١٣.
[ ١ / ١٠٦ ]
القلعة، فأذن لهم في الدخول عليه، وجلس جماعة عنده قبل الغُسْل وقرؤوا القرآن وتبرّكوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا، ثم حضر جماعةٌ من النِّساء ففعلن مثل ذلك ثم انصرفن واقتُصِرَ على من يُغَسِّله، فلما فرغ من غسله أُخرج وقد اجتمع الخلق بالقلعة والطريق إلى الجامع وامتلأ الجامع أيضًا وصحنه والكلّاسة وبابُ البريد وبابُ السّاعات إلى باب اللبّادين والفَوّارة، وحَضَرَت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ووُضِعَت في الجامع، والجند قد احتاطوا بها يحفظونها من الناس من شدة الزحام، وصُلِّي عليه أولًا بالقلعة، تقدَّم في الصلاة عليه أولًا الشيخ محمد بن تمّام، ثم صُلِّي عليه بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر، وقد تضاعف اجتماع الناس على ما تقدم ذكره، ثم تزايد الجمع إلى أن ضاقت الرِّحاب والأزقّة والأسواق بأهلها ومن فيها، ثم حُمل بعد أن صُلِّي عليه على الرؤوس والأصابع، وخرج النَّعش به من باب البرلد واشتدَّ الزحام وعلتِ الأصوات بالبكاء والنحيب والتَّرحُّم عليه والثناء والدعاء له، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النعال من أرجل الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى تمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها، لكن كان معظم الزحام من الأبواب الأربعة: باب الفرج الذي أُخرجت منه الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية. وعظم الأمر بسوق الخيل وتضاعف الخلق وكثر الناس، ووضعت الجنازة هناك وتقدم للصّلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن، فلما قُضيت الصَّلاة حُمل إلى مقبرة الصُّوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين
[ ١ / ١٠٧ ]
عبد الله رحمهما الله، وكان دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم، وأغلق الناسُ حوانيتهم ولم يتخلّف عن الحضور إلا من هو عاجز عن الحضور، مع الترحُّم والدعاء له، وأنّه لو قَدَرَ ما تخلَّفَ، وحضر نساء كثيرات بحيث حُزِرْنَ بخمسة عشر ألف امرأة، غير اللاتي كنَّ على الأسطحة وغيرهن، الجميع يترحَّمن ويبكين عليه فيما قيل. وأما الرجال فحُزِروا بستين ألفًا إلى مئة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مئتي ألف، وشرب جماعة الماء الذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السِّدر الذي غُسِّل به، ودفع في الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل مئة وخمسون درهمًا، وقيل: إن الطّاقيّة التي كانت على رأسه دفع فيها خمس مئة درهم. وحصل في الجنازة ضجيج وبكاءٌ كثير، وتضرُّع وخُتمت له ختمات كثيرة بالصّالحية وبالبلد، وتردَّد الناس إلى قبره أيامًا كثيرة ليلًا ونهارًا يبيتون عنده ويُصبحون، ورُؤيت له مناماتٌ صالحةٌ كثيرة، ورثاه جماعة بقصائد جمة.
وكان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الأول بحرّان سنة إحدى وستين وست مئة، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، فسمع الحديثَ من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليسر، وابن عبدان، والشيخ شمس الدين الحنبلي، والشيخ شمس الدين بن عطاء الحنفي، والشيخ جمال الدين ابن الصيرفي، ومجد الدين ابن عساكر، والشيخ جمال الدين البغدادي، والنجيب ابن المقداد، وابن أبي الخير، وابن عَلّان، وابن أبي بكر الهروي، والكمال عبد الرحيم، والفخر علي، وابن شيبان، والشرف ابن القواس، وزينب بنت مكي، وخلق كثير سمع منهم الحديث، وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث وكتب الطباق والأثبات ولازم السّماع بنفسه مدة سنين، وقلَّ أن سمع شيئًا إلا حفظه.
[ ١ / ١٠٨ ]
ثم اشتغل بالعلوم، وكان ذكيًّا كثير المحفوظ، فصار إمامًا في التفسير وما يتعلق به عارفًا بالفقه، فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذين كانوا في زمانه وغيره، وكان عالمًا باختلاف العلماء، عالمًا في الأصول والفروع والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما قطع في مجلس ولا تكلَّم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفنَّ فنُّه، ورآه عارفًا به متقنًا له، وأما الحديث فكان حامل رايته حافظًا له متنًا وإسنادًا مميِّزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله متضلِّعًا من ذلك، وله تصانيف كثيرة وتعاليقُ مفيدة في الأصول والفروع، كَمُل منها جملةٌ وبُيِّضت وكُتبت عنه وقُرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يُكْمِلها، وجملة كمَّلها ولم تبيَّض إلى الآن.
وأثنى عليه وعلى علومه وفضائله جماعةٌ من علماء عصره، مثل القاضي الخُوَيي، وابن دقيق العيد، وابن النّحاس، والقاضي الحنفي قاضي مصر ابن الحريري، وابن الزَّمَلُكاني، وغيرهم، ووجدت بخط ابن الزَّمَلُكاني أنه قال: اجتمعت فيه شروطُ الاجتهاد على وجهها، وأنَّ له اليد الطولي في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتّبيين، وكتب على تصنيف له هذه الأبيات:
ماذا يقولُ الواصفونَ لهُ … وصفاتُه جلَّتْ عن الحصرِ
هو حجةٌ للهِ قاهرةٌ … هو بينَنا أُعجُوبةُ الدّهرِ
هو آيةٌ في الخَلْقِ ظاهرةٌ … أنوارُها أربَتْ على الفَجْرِ
وهذا الثناء عليه، وكان عمره يومئذ نحو الثلاثين سنة.
وكان بيني وبينه مودة وصُحبة من الصغر، وسماع الحديث والطلب من نحو خمسين سنة، وله فضائل كثيرة، وأسماء مصنفاته وسيرته وما جرى
[ ١ / ١٠٩ ]
بينه وبين الفقهاء والدولة وحبسه مرات وأحواله لا يحتمل ذكر جميعها هذا الموضع.
ولما مات كنت غائبًا عن دمشق بطريق الحجاز، ثم بلغنا خبرُ موته بعد وفاته بأكثر من خمسين يومًا لمّا وصَلْنا إلى تبوك، وحصل التأسُّف لفقده رحمه الله تعالى. هذا لفظه في هذا الموضع من "تاريخه".
ثم ذكر الشيخ علَم الدِّين بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي داود وعظمها، وجنازة الإمام أحمد ببغداد وشهرتَها، وقال الإمام أبو عثمان الصابوني: سمعت أبا عبد الرحمن السيوفي يقول: حضرت جنازة أبي الفتح القوّاس الزاهد مع الشيخ أبي الحسن الدّارقطني فلما بلَغ إلى ذلك الجمع العظيم أقبل علينا وقال: سمعت أبا سهل بن زياد القطّان يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز.
قال: ولا شك أن جنازة أحمد بن حنبل كانت هائلة عظيمة، بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له، وأن الدولة كانت تحبُّه، والشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ توفي ببلدة دمشق، وأهلها لا يعشرون أهل بغداد حينئذ كثرة، ولكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعًا لو جمعهم سلطان قاهر، وديوان حاصر، لما بلغوا هذه الكثرة التي اجتمعوها في جنازته، وانتهوا إليها.
هذا مع أن الرجل مات بالقلعة محبوسًا من جهة السلطان، وكثير من الفقهاء والفقراء يذكرون عنه للناس أشياء كثيرة، ممّا ينفِّر منها طباعَ أهل الأديان، فضلًا عن أهل الإسلام. وهذه كانت جنازته.
قال: وقد اتفق موتُه في سحر ليلة الاثنين المذكور، فذكر ذلك مؤذن القلعة على المنارة بها وتكلم به الحرّاس على الأبرجة، فما أصبح الناس إلا
[ ١ / ١١٠ ]
وقد تسامعوا بهذا الخَطْب العظيم والأمر الجسيم، فبادر الناس على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجيء منه، حتى من الغوطة والمرج، ولم يطبخ أهلُ الأسواق شيئًا، ولا فتحوا كثيرًا من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أوائل النّهار على العادة، وكان نائب السَّلطنة تَنْكز قد ذهب يتصيَّدُ في بعض الأمكنة، فحارت الدولة ماذا يصنعون، وجاء الصاحب شمس الدين غبريال نائبُ القلعة فعزّاه فيه، وجلس عنده، وفتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب، فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من أخِصّاء أصحابه ومن رجال الدولة وغيرهم من أهل البلد والصّالحية، فجلسوا عنده يبكون ويئنُّون" (^١).
_________________
(١) قال ابن كثير: "وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المِزّي ﵀، وكشفتُ عن وجه الشيخ ونظرت إليه وقبَّلته، وعلى رأسه عمامةٌ بعَذَبةٍ مغروزة وقد علاه الشَّيب أكثر مما فارقناه. وأخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبد الرحمن أنه قرأ هو والشيخ منذ دخل القلعة ثمانين خَتمة، وشرعا في الحادية والثَّمانين، فانتهينا فيها إلى آخر اقتربت الساعة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. فشرع عند ذلك الشّيخان الصالحان الخيِّران عبد الله بن المحب وعبد الله الزُّرعي الضرير -وكان الشيخ ﵀ يحب قراءتهما- فابتدآ من أول سورة الرحمن حتى ختموا القرآن وأنا حاضرٌ أسمعُ وأرى. ثم شرعوا في غسل الشيخ وخرجتُ إلى مسجد هناك ولم يمكث عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصّالحين الأخيار، أهل العلم والإيمان".
[ ١ / ١١١ ]