كان صديقنا العلامة المحقق البارع الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين -طيب الله ثراه- صُحْبه صديقه ووديده سمو الأمير الأستاذ الدكتور تركي بن فهد بن عبد الله بن عبد الرحمن آل سعود متوجهين إلى مكة المكرمة، وقد مَرّا بمنزلة خُلَيْص التي توفي فيها مُحْرمًا علمُ الدين البرزالي سنة ٧٣٩ هـ، فاستذكر الشيخ العلامة كتابه "المقتفي لتاريخ أبي شامة"، وأهميته وإحجام المحققين عنه، وضرورة تحقيقه ونشره لتعم فوائدُه وتُرْتجى عوائدُه، فاتفق مع صاحبه الأمير على النهوض به، فاستقدما نسخته الخطية -التي سيأتي وصفها- وأظهرا كفاية في قراءة نصّه والتعليق عليه بفرائد الفوائد، فأنجزا مجلده الأول الذي اشتمل على السنوات ٦٦٥ - ٦٧٤ هـ، ثم سمعا أن الكتاب قد ظهر محققًا بكليته بتحقيق الأستاذ الدكتور عمر عبد السلام تدمري، فلما وقفا عليه ونَقّرا عن أمرِه وفَحَصا عن خبره وجداه مشحونًا بالتصحيف والتحريف والسقط، مما أذهب قيمته وأفسَدُه، كما سيأتي بيانه مُفصلًا، فغضا الطرف عنه، وجردا العناية في إتمامه، لكن عرض للعلامة الشيخ العثيمين مرض أزَّهُ وهَدّه ونَهَكهُ وقذفَهُ في جحيم من الآلام لا يخبو سعيره، فصبر واحتسب، وأنجز وصاحبه المجلد الثاني المتضمن السنوات ٦٧٥ - ٦٨٩ هـ، وهو في شدة المرض. ثم اختاره الله جل شأنه إلى جواره سنة ١٤٣٦ هـ / ٢٠١٤ م، فَرَغِب إليّ صديقي الصدوق سمو الأمير الأستاذ الدكتور تركي بأن ننجز هذا العمل العلمي سوية، ولم أك ممن يؤخر لرغبته أمرًا، فشمرنا له عن الذراع، وجَرّدنا فيه العناية حتى يَسّر الله توثيق عراه وإقامة دعائمه.
[ ١ / ١١٢ ]
استغرق المجلدان الأول والثاني من النسخة المحققة (١٦٤) ورقة من المجلد الأول المتكون من (٢٨٧) ورقة. ولما كان المجلد الثاني من النسخة الخطية يتكون من (٣٤٠) ورقة تبين أن المنجز منه يومئذٍ أكثر من الربع بقليل.