وأرى من المفيد في نهاية هذه الترجمة المختصرة أن أنقل بعض آراء العلماء في علم الدين البرزالي فهي المنبئة عن منزلته المتميزة التي احتلها بين علماء عصره.
_________________
(١) الدارس ١/ ٨٥، وتنظر البداية ١٦/ ١١٩.
(٢) ذيل السير ٣٦١، والوافي بالوفيات ٢/ ١٦٦.
(٣) ترجمته في تاريخ الإسلام ١٤/ ٧٣٩ - ٧٤١.
(٤) ذيل السير ٣٦١.
(٥) المصدر السابق.
[ ١ / ٥٢ ]
وأول ما أبدأ به قول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) الذي أشار إلى دقته وضبطه، فقال: "نقل البرزالي نَقْر في حَجَر" (^١).
وقال رفيقه الإمام شمس الدين الذهبي في معجم شيوخه: "الإمام العدل الكبير الورع … الصادق الحجة مفيدنا ومُعلمنا ورفيقنا محدث الشام مؤرخ العصر علم الدين … فمشيخته بالإجازة والسماع فوق الثلاثة آلاف، وكتبه وأجزاؤه الصحيحة في عدة أماكن، وهي مبذولة للطلبة، وقراءته المليحة الفصيحة الصحيحة مبذولة لمن قصدهُ، وتواضعه وبِشْرهُ مبذول لكل غني وفقير، فالله يلهمه رشده ويمد في عمره. سمعتُ منه في سنة أربع وتسعين وست مئة" (^٢).
وقال في ذيل سير أعلام النبلاء: "كان رأسًا في صدق اللهجة والأمانة، صاحب سنة واتِّباع، ولزوم للفرائض، خيِّرًا، متواضعًا، حَسَن البِشْر، عديم الشر، فصيحَ القراءة، قوي الدُّربة، عالمًا بالأسماءِ والألفاظ، سريع السرد مع عدم اللحن والدمج، قرأ ما لا يوصف كثرة، وروى من ذلك جملة وافرة. وكان حليمًا، صبورًا، متوددًا، لا يكثّر بفضائله، ولا ينتقص بفضائل أخيه، بل يوفيه حقه، ويلاطف الناس. وله ودٌّ في القلوب، وحُبٌّ في الصُّدور … وكان حُلو المحاضرة، قويَ المذاكرة، عارفًا بالرجال الكبار، ولا سيما أهل زمانه وشيوخهم، يتقن ما يقوله، ولم يخلف في معناه مثله، ولا عمل أحد في الطلب عمله …
وكان باذلًا لكتبه وأجزائه، سَمْحًا في أموره، مؤثرًا، متصدقًا، رحومًا، مشهورًا في الآفاق، مقصدًا لمن يلتمس إسماعه.
_________________
(١) البداية والنهاية ١٦/ ٢٨٨، والدرر الكامنة ٤/ ٢٧٧.
(٢) معجم الشيوخ ٢/ ١١٥ - ١١٦ (٦٣٥).
[ ١ / ٥٣ ]
وكان هو الذي حَبّب إليَّ طلب الحديث، فإنه رأى خطي فقال: خطك يشبه خط المحدثين، فأثّر قوله فيَّ، وسمعت وتخرّجت به في أشياء.
وَلي قراءة دار الحديث سنة عشر وسبع مئة، وقرأه بالظاهرية … وتفرّد ببعض مرويات، وتخرّج به الطلبة، وما أظن الزمان يسمح بوجود مثله، فعند ذلك نحتسب مصابنا به. ولقد حزن الجماعة به، خصوصًا رفيقه أبو الحجاج سْيخنا، وبكى عليه غير مرة، وكان كلٌّ منهما يُعَظّم الآخرَ ويعرفُ فضله … ووقف كتبه وعقارًا جيدًا على الصدقة" (^١).
وقال شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العدوي العمري المتوفى سنة ٧٤٩ هـ: "الحافظُ، عُمدةُ الحفاظ، مؤرخُ الشام، ممن ولدته دمشق، والفَحْل فَحْلٌ مُعْرِق، وأوجدته الأيام فسطع ضوءها الفرِق، وتَمَخَضت منه الليالي عن واحدها وأحد أهل المَشرق ومَشى فيها على طريق واحدٍ ما تغيّرَ عن سلوكها، ولا تقهقر لا سُلوكها، يصحب الخَصْمين وهما من هما، والنَّظِيرين والضِّرغامة الأسد منهما، وكل منهما راضِ بصُحْبته، واثق به لا يعده إلا من أحبته، كان عند شَيْخَي الإسلام آخر المُجتهدين: ابن تيمية وابن الزَّمَلُكاني وما منهما إلّا من هو عليه مُرْتَبط وبه مُغْتَبط، يذيعُ إليه سره في صاحبه، ويَتَبسّط لديه في معاتبه، وهو ساكتٌ لا ينطق بحرف، ولا يُشارك حتى ولا بإيماء طَرف، وعُرِفَ بهذا واشتُهِرَ حتى صارَ عندهما موضع الثقة، ومكان المَقَة (^٢)، ومَحَل الصَّداقة المُحققة، ثم كان يسعَى في صَلاحِ ذات بينهما فيعجز، ويعده كل منهما به ولا ينجز، فأغمدَ لسانَهُ، وتركَ كل امرئ منهما وشأنَهُ. وكانَ ممن ينفع الطَّلَبة، ويستلذ في راحتهم تعبه، ويحرصُ
_________________
(١) ذيل سير أعلام النبلاء ٣٦١.
(٢) المقة: المحبة.
[ ١ / ٥٤ ]
على إسماعهم، ويقيّد مجالسَ سماعِهم، لا يشغله عنهم ما كان مُعدًا له من حضور مجالس الحُكّام، والتسجيل عنهم بالأحْكام، وحضور الوَظائف ومُجالسة أكثر الطَّوائف، ثم بلغني أنه تَوَجه إلى الحج فمات بخُلَيْص، وقد استقبلَ مكة مُيَمِّمًا، وكُفِّن في ثياب إحرامه ليبعث يوم القيامة مُلبيًا مُحْرِمًا.
ولد في عاشر جُمادى الأولى سنة خمس وستين وست مئة. واعتنى بالرواية من صغره، فقرأ بنفسه الكُتْب الكبار، ورحلَ إلى الديار المِصْرية، والثغر، والبلاد الشَّمالية. وسمعَ ما ينيف عن ألفي شيخ، وأجازَ له ألف آخر، فاشتملَ مُعجمه على نَيِّفٍ وثلاثة آلاف شَيْخ، وكتبَ من الأبيات، والتعاليق، والأجزاء، والتاريخ، والتخاريج ما لا يُحصى كثرة، حَرَّرَ مسموعاته، وصارَ مُقْتَدَى به، مرجوعًا إليه في هذا الشأن، مع الحفظ والإتقان، والصِّدق والتَّحَري، وكَتَبَ الشروطَ فأحكمها، والسِّجلات فأتقَنَها، وله فيهما مُصَنَّفات.
وكان مُحْسنًا إلى الطَّلَبة، متلطفًا بهم، صَبُورًا على التعليم، سهل العارية لكتبه وأجزائه، فيقضي أوقاته في السماع والتَّسميع، وكتابة الطَّباق، وقضاء حوائج النّاس، والمواظبة على وظائفه من غير انقطاع إلّا لعذرٍ مانعٍ شَرْعًا. وولي المشيخات، وصحب الأكابر من أهل العلم" (^١)، ورثاه بقصيدة طويلة.
وقال تلميذه صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ: "شيخنا الإمام الحافظ المحدث المؤرخ … كان، رحمه الله تعالى، رأسًا في صدقه، بارعًا في خِدَمِه، أمينًا، صاحب سنة واتباع، ولزوم فرائض ومجانبة الابتداع، متواضعًا مع أصحابه ومَن عداهم، حريصًا على نفع الطلبة وتحصيل هداهم، حسن البشر دائمه، صحيح الود، حافظ السر كاتمه، ليس فيه شر، ولا له على خيانة مقر، فصيح القراءة، عدم اللحن والدمج،
_________________
(١) مسالك الأبصار ٥/ ٥٤٧ - ٥٤٩.
[ ١ / ٥٥ ]
ظاهر الوضاءة، لا يتكثر بما يعرف من العلوم، ولا يتنقص بفضائل غيره، بل يوفيه فوق حقه المعلوم.
وكان عالمًا بالأسماء والألفاظ، وتراجم الرواة والحفاظ، وخطه كالوشي اليماني أو رونق الهندواني، لم يخلف بعده في الطلب وعمله مثله، ولا جاء من وافق شكلُه شكلَهُ … وكان، رحمه الله تعالى، لدمشق به في الحديث جمال، بلغ ثبته أربعًا وعشرين مجلدًا … وكان باذلًا لكتبه لا يمنعها مَن سأله شيئًا منها، سَمْحًا في كل أموره، مؤثرًا، متصدقًا … ووقف كتبًا وعقارًا جيدًا على الصدقات … وكان دائم البشر لي، جميل الود. وكان من عقله الوافر وففله السافر أنه يصحب المتعاديين، وكل منهما يعتقد صحة وده ويبث سره إليه. وكان العلامة تقي الدين ابن تيمية يوده ويصحبه، والشيخ العلامة كمال الدين ابن الزملكاني يصحبه ويوده ويثني عليه" (^١).
وقال تاج الدين السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ: "كان مفيد جماعة المحدثين على الحقيقة. ولما ورد الوالد إلى الشّام في سنة ست وسبع مئة، كان هو القائم بتسميعه على المشايخ، واستقرت بينهما صُحْبة. فلما عاد الوالد إلى الشّام في سنة تسع وثلاثين في رجب قاضيًا لازمه الشيخ علم الدين إلى أوان الحج " (^٢).
وقال بدر الدين الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبي المتوفى سنة ٧٧٩ هـ: "محدث الشّام، ومؤرخ العصر، كان عالمًا عاملًا، محدثًا كاملًا، كاتبًا مُجيدًا، متفنَنًا، محرّرًا، ضابطًا، مُكثِرًا، ماهرًا في كتابة الشروط،
_________________
(١) أعيان العصر ٤/ ٤٩ - ٥٢. أما ترجمته في الوافي بالوفيات فهي منقولة مما كته شمس الدين الذهبي، وما هنا مستفادة في كثير منها من ترجمة ابن فضل الله العمري.
(٢) طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٣٨٢. أما ترجمته في معجم شيوخه فهي منقولة من ذيل السير للذهبي، وكذا ترجمة ابن كثير في البداية مع بعض زيادات.
[ ١ / ٥٦ ]
عارفًا بالمكاتيب الشرعية، معظِّمًا عند الحكام والأعيان، مُحبَّبًا إلى الناس، ديِّنًا خيِّرًا، حسن الأخلاق، كثير التواضع والتّودّد، قائمًا بحقوق أصحابه، ذا مروءةٍ وافرة، وأوصاف شِيَمُها باهرة، وهمّة عالية، رحل في طلب الحديث، إلى البلاد الشامية، والديار المصرية، وثغر الإسكندرية، ومكة المشرَّفة، والمدينة النبوية، وسمع الكثير من الجمّ الغفير، وقرأ وكتب وحدّث، وروى وأفاد، وجمع وألف، ورتّب وصنّف، وانتقى وخرّج، وعُنِيَ بهذا الشأن. ثَبَتُه عشرون مُجلّدًا، وأشياخه الذين سمع منهم يزيدون على ألفي نفر، منهم مئة قاض، وثمانون خطيبًا ومئتا أديب، وأشياخه بالإجازة ألف نفر، وسمع من الكتب الكبار نيفًا وخمسن كتابًا، ومن الأجزاء المختلفة كثيرًا، وأخذ عن العلّامة شرف الدين أبي العباس أحمد الفَزاري، ولازمَ أخاه الشيخ تاج الدين، ولقي المشايخ وسمع منهم، وقرأ عليهم كثيرًا بعبارته الفصيحة الصحيحة، وجمع تاريخًا مفيدًا، رحمه الله تعالى.
رأيت الشيخ عَلَم الدين المذكور بدمشق، واجتمعت به مرَّات، وسمعت من فوائده، وبقراءته على عدّة من مشايخ الحديث بها، وكتب عنّي قصيدة نبوية، ثم وقفت على تاريخه المذكور، وعلى مُعجمه المشتمل على ذكر مشايخه، وهما أكثر من عشرين مجلدًا، ونقلت منهما، واستفدت وكتبت على المعجم المذكور:
يا طالبًا نَعْت الشيوخ وما رأوا … ورووا على التفصيل والإجمال
دار الحديث انزل تجد ما تبتغي … لك بارزًا في معجم البرزالي " (^١)
وقال علامة الشام ابن ناصر الدين الدمشقي المتوفى سنة ٨٤٢ هـ: "الإمام الحافظ الثقة الحجة مؤرخ الشّام وأحد محدثي الإسلام، علم الدين،
_________________
(١) تذكرة النبيه ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
[ ١ / ٥٧ ]
مفيد المحدثين … صاحب التاريخ الخطير والمعجم الكبير، كان بأسماء الرجال بصيرًا وناقلًا لأحوالهم نحريرًا …
سمعت بعض مشايخنا يذكر أنَّ الحفاظ الثلاثة: المزي، والذهبي، والبرزالي اقتسموا معرفة الرجال، فالمزي أحكم الطبقة الأولى، والذهبي الوسطى، والبرزالي الأخيرة، يعني كمشايخ عصره ومَن فوقهم بقليل ومن بعدهم، ومَن اطلع على معجم البرزالي حَقّق ذلك.
وفيه يقول الذهبي فيما أنبؤنا عنه:
إن رُمتَ تفتيش الخزائن كلها … وظهور أجزاء حوت وعوالي
ونعوت أشياخ الوجود وما رووا … طالع أو اسمع معجم البرزالي
وهو الذي مدحه الشيخ العالم الأوحد أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن الموصلي الطرابلسي الشافعي لما قدم حاجًا سنة أربع وثلاثين وسبع مئة (^١):
مازلت أسمع عنكم كل عارفة … لمثلها وإليها ينتهي الكرم
وكنتُ بالسمع أهواكم فكيف وقد … رأيتكم وبدالي في الهوى علم" (^٢)
_________________
(١) توفي ابن الموصلي سنة ٧٧٤ هـ، وترجمته في وجيز الكلام للسخاوي ١/ ١٩٤ وتعليقنا عليه.
(٢) الرد الوافر، ص ١١٩ - ١٢٠.
[ ١ / ٥٨ ]