كانت الكتب التاريخية الأولى المرتبة بحسب السنين تعنى بذكر الحوادث بالدرجة الأولى مثل تاريخ خليفة بن خياط المتوفى سنة ٢٤٠ هـ وتاريخ الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وغيرهما، وقلما أعطت أهمية كبيرة ومتميزة للتراجم. وقد ظهر تحول واضح منذ القرن السادس الهجري في هذا
_________________
(١) أعيان العصر ٤/ ٥٠.
(٢) طبقات الشافعية ٢/ ٢٧٩ (ط. عالم الكتب).
(٣) انظر مثلًا: البداية والنهاية ١٦/ ١٥١ - ١٥٣.
(٤) مقدمة الدكتور عمر تدمري لطبعته ١/ ٨٨.
[ ١ / ٦٣ ]
النمط من الكتب التاريخية ولا سيما عند المؤرخين المحدِّثين، إذ زاد اهتمامهم بذكر التراجم. ويبدو ذلك واضحًا في كتاب "المنتظم" لأبي الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ، حيث أدخل تقسيمًا واضحًا بين الحوادث والوفيات، فجعل التراجم تعقب حوادث كل سنة ورتبها بحسب حروف المعجم. وقد ظلت هذه الطريقة تؤثر في أُطُر الصور الحولية للمؤلفات التاريخية التي جاءت بعده. ويعزو الأستاذ روزنتال ذلك إلى سيطرة علم الكلام (^١)، في حين نعتقد أن هذا التطور لم يكن إلا بتأثير علم الحديث النبوي، واشتداد العناية برواته (^٢) (^٣).
على أنَّ بعض المؤرخين، ومنهم البرزالي، لم يفصلوا بين الحوادث والوفيات، فذكروها في التسلسل الزمني لليوم والشهر والسنة كلّما أمكن ذلك، وكانت التراجم هي الغالبة على الكتاب حتى كان بعض المؤرخين مثل الذهبي (^٤) وابن كثير (^٥) وابن الملقن (^٦) يطلقون على كتابه "الوفيات"، لأن تنظيمه هو تنظيم كتب وفيات المترجمين التي اتخذت من تاريخ الوفاة أساسًا للتنظيم من غير نظر إلى أهمية المترجم أو قيمته العلمية (^٧)، كما هو الحال في كثير من كتب الوفيات، ومها على سبيل المثال لا الحصر "التكملة لوفيات النقلة" لزكي الدين المنذري (ت ٦٥٦ هـ)، و"صلة التكملة لوفيات
_________________
(١) علم التاريخ عند المسلمين، ص ١٩٨، ٢٠٤.
(٢) ينظر بحثنا: مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين، ص ٣٣ - ٣٤ (مجلة الأقلام البغدادية، السنة الأولى، العدد الخامس ١٩٦٥ م).
(٣) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٩٢ (ط ٢، بيروت ٢٠٠٨ م).
(٤) تاريخ الإسلام ١٥/ ٨٣١.
(٥) طبقات الشافعيين ٢/ ١٣٢.
(٦) العقد المذهب ٤٨١.
(٧) ينظر بحثنا: "أثر دراسة الحديث في تطور الفكر العربي" المنشور في كتاب "رحلة في الفكر والتراث"، ص ٣٢ فما بعد.
[ ١ / ٦٤ ]
النقلة" لعز الدين الحسيني (ت ٦٩٥ هـ)، وكتاب "الوفيات" لتقي الدين ابن رافع السلامي (ت ٧٧٤ هـ) الذي ذيّل به على كتاب البرزالي هذا.
يبدأ المؤلف عادة بذكر السنة أولّا، ثم يدون الشهر، ويذكر، كلما توفرت المادة، الحوادث والتراجم متسلسلة من أول الشهر إلى نهايته حيث يبتدئ الفقرة بلفظة "وفي"، وكثيرًا ما يعقبه بذكر اليوم من الأسبوع، مثل الجمعة، أو السبت، أو الأحد، ثم التاريخ من ذلك الشهر من نحو قوله: "وفي يوم الأحد ثامن عشر شعبان "، وقد يستعمل لفظة "مستهل" لبداية الشهر، أو "سلخ" لنهايته، ثم يذكر الحدث أو الترجمة، فإذا لم يتوفر له التاريخ المتقن اكتفى بالشهر، وربما ذكر في آخر السنة من لم يعرف تاريخ وفاته إلا في السنة، فيقول: "وفي هذه السنة"، وهو القليل النادر.
وغالبًا ما تتكون عناصر الترجمة عند البرزالي من الأمور الآتية:
١ - تاريخ وفاة صاحب الترجمة، ولقبه وكنيته واسمه ونسبه ومذهبه، وما اشتهر به، ومكان وفاته، والمقبرة التي دفن بها، والصلاة عليه، مع العناية بتحليته بالألقاب والصفات المادحة إن كان من أهلها، من نحو قوله: "وفي ليلة الثلاثاء تاسع عر رمضان توفي الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر المقدسي الشافعي المعروف بأبي شامة بدمشق، ودفن بمقبرة باب الفراديس" (^١)، وقوله: "وفي غداة السابع عشر من شوال توفي الشيخ الإمام تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن الميمون القيسي المصري المالكي، ابن القسطَلّاني، بمصر، ودفن من يومه بسفح المقطم" (^٢).
_________________
(١) المقتفي ١/ ٢٢٦ (٢٩).
(٢) المقتفي ١/ ٢٢٩ (٣٢).
[ ١ / ٦٥ ]
٢ - دراسته، وأخذه عن المشايخ، وذكر مسموعاته إن توفرت له.
٣ - ذكر تاريخ ولادته إن توفر له.
٤ - تقويم المؤلف لصاحب الترجمة، بذكر صفاته المادحة في الأغلب الأعم، والقادحة في أحايين قليلة جدًا، من نحو قوله مادحًا: "وكان عنده فهم وتيقظ، وله مشاركة في الأدب والتاريخ وغير ذلك، وله مجاميع مفيدة، وكتب بخطه كثيرًا. وكان حسن الأخلاق، لطيف الشمائل، مشغولًا بنفسه … وله شعر جيد ونوادر، لا تُمل مُجالسته" (^١)، ومن نحو قوله في ترجمة الأمير جمال الدين آقوش النجيبي الصالحي: "وكان كثير الصدقة، محبًّا للعلماء والفقراء، شافعيًّا، متغاليًا في السنة وحب الصحابة ﵃، قائمًا بما يجب من إخمال الشيعة، ووقف أوقافًا … " (^٢).
٥ - صلته بصاحب الترجمة، إن كانت له منه إجازة ذكرها، أو روى له عنه فلان من العلماء ذكره، أو سمع منه، وغالبًا ما يذكر مسموعاته على الشيخ، وهو كثير العناية بذلك، لا سيما بعد أن بدأ بطلب العلم بنفسه ابتداءً من سنة ٦٧٧ هـ، وقد ذكرنا أمثلة من ذلك فيما تقدم عند كلامنا على طلبه العلم.
٦ - ويلاحظ أن المؤلف قليل العناية بذكر مؤلفات المترجم إلا في حالات نادرة مثل الذي فعله في ترجمة شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة ٧٠٥ هـ فإنه ذكر الكثير من مؤلفاته، على غير عادته (^٣).
أما الحوادث التي يذكرها فهي متنوعة تشتمل على أخبار السلاطين، ونوابهم في دمشق وغيرها من البلدان، والأمراء وتحركاتهم وعلاقتهم بالسلطان،
_________________
(١) المقتفي ١/ ٤٤٤ (٣٦٦)، قال ذلك في ترجمة جمال الدين اليغموري.
(٢) المقتفي ٢/ ٨٢ (٦١٩).
(٣) المقتفي ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
[ ١ / ٦٦ ]
وذكر ما تتعرض له البلاد من هجمات، وجهاد الدولة في مواجهة أعدائها من صليبيين ومغول وخوارج، وتعمير العمائر من الحصون والمدن، وإنشاء الجوامع، والمدارس، ودور الحديث، والخوانق. ويُعنى في كل عام بذكر الحج، ابتداءً بتهيؤ الناس وخروجهم للحج، والعناية بذكر المحمل، وما يجري على الحجاج في سفرهم وذكر أحوالهم في ذلك الموسم، وعودتهم ووصولهم إلى دمشق، وذكر الأعيان الذين حجوا في ذلك العام، وأمير الحاج.
وتتضمن الحوادث عادة الظواهر الطبيعية وما ينتج عنها، من نحو انقطاع الأمطار، وما يتبع ذلك من غلاء فاحش، أو سقوط الثلوج، أو ما تتعرض له بعض المدن من السيول والفيضانات، والأوبئة وما ينتج عنها من وفيات كثيرة، والحرائق وغيرها.
كما يُعْنَى عناية خاصة بذكر وظائف كبار الموظفين، مثل القضاة والمدرسين، والوزراء، والنظار، والمحتسبين وغيرهم لا سيما في مصر، وبلاد الشام.
وقد حاول المؤلف جهد استطاعته تقديم معلومات عن الدول المجاورة وحكامها، مثل المغول عامة، ومغول القبجاق، وحكام بلاد الروم، وأخبار الصليبيين، ونحو ذلك، وغالبًا ما يعتمد في ذلك على موارد خاصة عارفة بأخبارهم، بحيث تفرد بمعلومات عنهم لا نجدها عند غيره من المؤرخين.