ابتدأ علم الدين البرزالي كتابه بسنة ٦٦٥ هـ كما تقدم، وانتهى المبيض منه عند سنة ٧٣٦ هـ، ثم كتب مسودة لسنتي ٧٣٧ و٧٣٨ هـ، وهذا واضح من قول ابن رافع السَّلّامي (ت ٧٧٤ هـ) الذي ذيَّل عليه بكتابه "الوفيات" (^٣): "فإني لما رأيت تاريخ الحافظ أبي محمد القاسم بن محمد البرزالي انتهى فيه إلى آخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة مبيضًا، أردت أن أذيّل عليه، ثم رأيت في المسودات سنتين فكتبت منهما ما تيسر مع الذي جمعته" (^٤)، ولذلك بدأ ابن رافع كتابه من سنة ٧٣٧ هـ.
_________________
(١) هكذا جاء العنوان في جميع المجلدات، مع أنه ذكر في تقديمه لهذا الكتاب أن أبا شامة "ألف كتاب الروضتين ثم ذيّل عليه فجاء كتاب البرزالي ذيلًا على ذيل الروضتين، وهو يقتفي أثره " ثم يقول مباشرة: "فعرف بالمقتفي على كتاب الروضتين"، والعبارة الأخيرة غلط محض لم يقل بها أحد قبله ولا بعده.
(٢) الإعلان بالتوبيخ ٦٧٣.
(٣) حققه تلمذي الدكتور صالح مهدي عباس، ونال به رتبة الدبلوم العالي بإشرافي ومراجعتي، ونشرته مؤسسة الرسالة سنة ١٩٨٢ م.
(٤) الوفيات ١/ ١٢٥.
[ ١ / ٦٠ ]
وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير في آخر سنة ٧٣٨ هـ: "وهذا آخر ما أرَّخ شيخنا الحافظ علم الدين البرزالي في كتابه الذي ذيّل به على تاريخ الشيخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي، وقد كانت وفاة البرزالي في العام القابل وهو مُحْرِم بمنزلة خُلَيْص. وقد ذَيّلتُ على تاريخه إلى زماننا هذا، وكان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة من سنة إحدى وخمسين وسبع مئة" (^١).
وقد وقف عبد القادر النعيمي الدمشقي (ت ٩٢٧ هـ) على المجلد الأخير من الكتاب بخط مؤلفه والمتضمن حوادث ووفيات سنة ٧٣٠ - ٧٣٦ هـ، قال: "وقد وقفت في أثناء جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وثمان مئة على الجزء الأخير من تاريخه، من أول سنة ثلاثين وست مئة إلى أواخر سنة ست وثلاثين وسبع مئة، فرأيته قد نقل فيه عن الذهبي في نحو سبعة مواضع، ثم رأيت الذهبي وقد وقف عليه وكتب على أوله: عَلّقَهُ ودعا له الذهبي، ورأيت خط ابن حجر عليه في أماكن أفاد فيها زيادة على ما ذكره البرزالي" (^٢)، وقد أفاد النعيمي من هذا المجلد الذي نص في أكثر من موضع على وجوده بخط مؤلفه، فقال عند ذكر المدرسة الأكزية: "قال البرزالي في تاريخه في سنة ست وثلاثين وسبع مئة ومن خطه نقلتُ" (^٣)، وقال عن أحدهم توفي سنة ٧٣١ هـ: "وقال البرزالي، ومن خطه نقلتُ" (^٤)، وقال في موضع آخر: "ورأيت بخط علم الدين البرزالي في تاريخه سنة إحدى وثلاثين
_________________
(١) البداية والنهاية ١٦/ ٢٨٥. ويلاحظ أن المادة الموجودة في البداية والنهاية اعتبارًا من سنة ٦٦٥ هـ إلى سنة ٧٣٨ هـ منتقى أكثرها من كتاب البرزالي.
(٢) الدارس ١/ ١٤٨.
(٣) الدارس ١/ ١٢٤.
(٤) الدارس ١/ ١٤٨.
[ ١ / ٦١ ]
وسبع مئة" (^١)، وقال: "قال البرزالي في تاريخه سنة ثلاث وثلاثين ومن خطه نقلتُ" (^٢)، و"رأيت بخط البرزالي في السنة هذه" (^٣)، و"رأيت بخط علم الدين البرزالي في تاريخه لا سنة ست وثلاثين وسبع مئة، ومن خطه نقلتُ " (^٤) … إلخ (^٥).
وقد وصل إلينا مجلدان من أول الكتاب إلى آخر سنة ٧٢٠ هـ، كتبهما محمد بن محمد بن علي الأنصاري ابن الصيرفي سبط ابن الحبوبي بطلب من المؤلف، ثم قابلهما المؤلف معه، وتوفي سبط ابن الحبوبي في رمضان من سنة ٧٢٢ هـ (^٦)، تضمن المجلد الأول حوادث ووفيات ٦٦٥ - ٦٩٨ هـ، (٣٤) سنة، والمجلد الثاني حوادث ووفيات ٦٩٩ - ٧٢٠ هـ، وهي (٢٢) سنة. أما المجلد الأخير الذي بخط المؤلف فتضمن السنوات ٧٣٠ - ٧٣٦ هـ (٧ سنوات) فقط.
وذكر الإمام الذهبي رفيقه الذي اطلع على هذا الكتاب من أوله إلى آخره، بدلالة النقل منه في جميع المدة التي تناولها أنَّ الكتاب في خمس مجلدات أو أكثر (^٧)، ونقل هذا القول عنه تلميذه تاج الدين السبكي في معجم شيوخه (^٨)، والصفدي في "الوافي" (^٩)، لكنه ذكر في "أعيان العصر" أنه
_________________
(١) الدارس ١/ ١٤٩.
(٢) الدارس ١/ ١٨٥.
(٣) الدارس ١/ ٢٠٥.
(٤) الدارس ١/ ٢٦٦.
(٥) وانظر الدارس ١/ ٣٣٣، ٣٥٣، ٣٦٤، ٣٧٣، ٣٨٢، ٣٨٨، ٤٠٢، ٤١٠، ٤١٢، ٤٣٨، ٤٤٢، و٢/ ٦، ٧، ٦٢، ١٠٤، ١٣٣، ١٧٨ … إلخ.
(٦) ترجمه في: المعجم المختص للذهبي ١١٠ هـ، وذيل العبر، ١٢٣، والدرر الكامنة ٥/ ٤٦٤، والشذرات ٨/ ١٠٦ وغيرها.
(٧) ذيل السير ٣٦.
(٨) معجم شيوخ السبكي ٣٢٠.
(٩) الوافي بالوفيات ٢٤/ ١٦٢.
[ ١ / ٦٢ ]
في ثماني مجلدات (^١)، وهو غريب، كما زعم ابن قاضي شهبة أنَّ الذهبي ذكر أنه في سبع مجلدات (^٢)، وهو غلط محض إما من النساخ أو منه لأن الذهبي لم يقل مثل هذا في جميع كتبه.
ولما كان المجلد الأخير يبدأ من سنة ٧٣٠ هـ، كما تقدم، فمن المحتمل أن المجلدين الثالث والرابع قد تضمنا السنوات ٧٢١ - ٧٢٩ هـ، ولا يستبعد ذلك لتوسع الأحداث والوفيات في هذه السنوات، ولأننا لا نعرف حجم كل مجلد منهما، وهما بلا شك، مثل الأخير بخط المؤلف كما دلت النقول عنها (^٣).
أما قول الذهبي "أو أكثر" فلعلها إشارة إلى السنتين اللتين كتبهما المؤلف في المسودة. وأما القول بأن المجلد الثالث كان يتضمن المدة ٧٢٩ - ٧٢١ هـ (^٤) فهو وإن كان معقولًا، ولكن لا دليل عليه.
وكل هذا الذي ذكرناه قائم على التخمين، فلعل الذهبي قد اطلع على نسخة المؤلف قبل قيام سبط ابن الحبوبي بتبييضها، لكن ذكر الذهبي لعدد المجلدات، وهو الناقل عن الكتاب في جميع سنواته التي تناولها ينبغي أن يُعتبر ويُقدّر.